آليات التعامل مع الأسهم غير المسددة… حماية السوق والمساهم
تواجه أسواق المال تحديات مستمرة تتعلق بتوازن العمليات بين إصدار الأسهم الجديدة وتداولها في البورصة، حيث يمكن لأي إخفاق في سداد قيمة الأسهم المكتتب بها أن ينعكس بشكل مباشر على سمعة الشركات واستقرار السوق. تعد مسألة السداد الجزئي للأوراق المالية إحدى القضايا الحساسة التي تتطلب آليات واضحة لحماية حقوق الشركة والمساهمين على حد سواء، وضمان استمرار جذب المستثمرين للاكتتابات المستقبلية دون الإضرار بمؤشرات السوق. يستعرض هذا المقال أثر الفشل الجزئي بالاكتتاب، ودور المساهم غير المكتمل السداد، والسبل التنظيمية المعتمدة لتقليل المخاطر وحفظ توازن الأسواق.
تقليدياً، تنقسم أسواق المال إلى قسمين رئيسيين: سوق الإصدار، الذي يُتيح الاكتتاب على الأسهم الجديدة للشركات للمرة الأولى، وسوق التداول أو البورصة، حيث يتم تداول الأسهم بعد إصدارها دون انقطاع حتى إلغاء إدراج الشركة.
لكن هناك نقطة تربط السوقين وتؤثر على توازنهما: وهي بيع الأسهم المكتتب بها جزئيًا غير المسددة بالكامل، عبر البورصة.
ينص قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 على قاعدة أساسية مفادها أن المكتتب يجب أن يسدد قيمة الأسهم كاملة عند الاكتتاب أو على أقساط لا تقل عن 25 % من القيمة الاسمية للسهم. ويعني ذلك أن الحد الأدنى للقسط يساوي ربع القيمة الاسمية، ويجب تغطية كامل قيمة الاكتتاب خلال أربعة أقساط على الأقل.
ونظراً لقبول المشرع لفكرة السداد المؤجل، فقد تم تنظيم مسألة تعثر المكتتب عن السداد. إذ تنص المادة 155 من القانون على إصدار إنذار للمساهم المدين لتسديد الأقساط تحت طائلة بيع الأسهم مرة أخرى عبر البورصة. وهنا تتقاطع آليات سوق الإصدار وسوق التداول في قاعدة واحدة تنظم التوازن بينهما.
من الناحية العملية، عدم سداد المكتتب لما تبقى من الأقساط يضع الشركة في مأزق، حيث:
- تحتاج الشركة إلى التمويل اللازم لتحقيق أهداف الاكتتاب، وفشل المكتتبين في السداد يجعل التمويل ناقصاً، مما قد يؤدي إلى إخفاق الاكتتاب في تحقيق أهدافه بالكامل.
- كما أن تسجيل الأسهم باسم وكيل الاكتتاب وليس باسم المكتتب يعقد عملية التحصيل المباشر للأقساط المتأخرة.
أثر السداد الجزئي على سمعة الشركة والأسواق
عندما يفشل المكتتب في تسديد كامل قيمة الأسهم، تتعرض الشركة لتداعيات مباشرة في سوق الإصدار، إذ أن تكرار هذه الإشكالية يضر السمعة السوقية للشركة ويجعل من الصعب عليها تنفيذ اكتتابات مستقبلية ضخمة. المستثمرون يصبح اهتمامهم بالأسهم أقل، وتقل جاذبية أسهم الشركة للاكتتاب، ما ينعكس سلبًا على قدرة الشركة على جمع التمويل المطلوب.
أيضًا، لا يمكن إعادة طرح الأسهم التي فشل الاكتتاب بها في سوق الإصدار، لأن عمليات البيع الثانية يجب أن تتم في إطار التداول بين المساهمين، وهو اختصاص سوق التداول. لذلك، أقر المشرع قاعدة واضحة في المادة 155 من قانون الشركات: أي أسهم لم يُسدد كامل قيمتها في سوق الإصدار يمكن بيعها عبر البورصة بغض النظر عن كون المكتتب قد سدد جزءاً فقط. هنا نطلق وصف «المساهم الناقص» على المكتتب الذي لم يسدد كامل القيمة، إذ أن الأسهم لم تُسجل باسمه بعد في وكالة المقاصة، وأصبح قريبًا جدًا من الخروج من سجل المساهمين بالشركة.
في الواقع، يؤدي البيع الجزئي لهذه الأسهم إلى آثار مباشرة على كل من سوق الإصدار وسوق التداول:
سوق الإصدار يظهر بمظهر السوق غير القادرة على تغطية الاكتتاب بالكامل، حيث تُورد الشركة مستثمرين ناقصي السداد، ما يجعل جزءاً من التمويل الاكتتابي شكليًا وغير فعلي.
سوق التداول يتأثر أيضاً، حيث يؤدي طرح هذه الأسهم بعد فشل الاكتتاب جزئياً إلى ضغط نزولي مفاجئ على أسعار الأسهم للشركة المعنية، ويؤثر كذلك على الشركات الأخرى في نفس القطاع، بل وعلى المؤشر العام للبورصة.
على سبيل المثال، إذا كانت شركة اتصالات لديها 1000 سهم متداول، وطرح 100 سهم من المكتتب الذي فشل في السداد، فهذا يشكل ضغطاً نزولياً بنسبة 10 % على قيمة أسهم الشركة، وإذا كان عدد أسهم قطاع الاتصالات 4000 سهم، فإن الضغط على القطاع سيكون 2.5 %، ما ينعكس سلباً على المؤشر العام.
من ناحية التنظيم، كتاب التعامل بالأوراق المالية رقم 11 الصادر عن هيئة الأسواق المالية ضمن اللائحة التنفيذية لقانون الهيئة رقم 7/2010 لم يتطرق في صيغته الأولى لبيع الأسهم عبر البورصة مباشرة. وقد ابتكر الكتاب حلاً وسطيًا يتمثل في إحالة عملية البيع إلى وكيل الاكتتاب الذي نفذ الاكتتاب للشركة، مع إمكانية البيع في السوق غير المنظمة إذا لم تكن الشركة مدرجة بالبورصة.
مع ذلك، يتيح هذا الحل حدوث تناقض جزئي مع القانون، إذ يمكن للشركة التي لم يسدد مكتتبوها كامل قيمة الأسهم أن تطلب من وكيل الاكتتاب بيع الأسهم دون اللجوء للبورصة، وهو ما يتعارض مع النص الصريح في المادة 155 من قانون الشركات.
تعديل آلية بيع الأسهم غير المسددة
إضافة إلى مخالفة القانون الأسمى، كان نظام الكتاب رقم 11 سابقاً يتيح بعض التجاوزات السلبية، مثل إمكانية بيع الأسهم بأسعار مجحفة للمساهم، بحيث قد لا يحصل على ما سبق ودفعه في الاكتتاب الأول إذا تم طرح الأسهم بأسعار منخفضة لتسريع عملية البيع، وهو ما يضر بمصلحة الشركة والسوق على حد سواء.
لتفادي هذه السلبيات، تم تعديل الكتاب رقم 11 لتوضيح آلية التعامل مع الأسهم غير المسددة، وتحديداً:
- التأشير على الأسهم غير المسددة قيمتها بالكامل لدى مركز المقاصة بعدم التصرف فيها حتى سداد قيمتها بالكامل أو بيعها.
- عرض هذه الأسهم في البورصة وفق قواعدها السعرية والإجرائية.
- إمكانية عرض الأسهم التي فشل المساهم في سداد قيمتها من خلال وكيل الاكتتاب.
ويتم اقتراح النص التالي لتحديد الآلية العملية بوضوح:
إذا لم يسدد المكتتب كامل قيمة الأوراق المالية بعد الاكتتاب، وبعد مضي 15 يوماً على إنذاره، يتوجب على الشركة القيام بما يلي:
- إشعار مركز المقاصة بعدم التصرف في الأوراق المالية.
- تقديم طلب عرض الأوراق المالية في البورصة وفق قواعدها السعرية والإجرائية، مع مراعاة ألا يشكل البيع ضغطًا مفاجئًا على السوق.
- إذا فشـل البيـع للمُتداولين في البورصة، يمكن عرض هذه الأوراق على صانع السوق في حال كانت له مصلحة بشرائها.
- إذا لم تنجح عملية البيع في البورصة لمدة ثلاث جلسات متتالية، يمكن حينها عرض الأوراق على وكيل الاكتتاب ليبيعها لحساب الشركة، على ألا يقل سعر البيع عن قيمة الاكتتاب إلا بنسبة معقولة، وبحد أقصى انخفاض 50 % من قيمة الاكتتاب، إلا إذا كانت ظروف السوق تبرر انخفاضًا أكبر.
بهذه الطريقة، يتم الحفاظ على حقوق الشركة والمساهمين، مع ضمان توازن السوق ومنع أي تجاوزات قد تضر بجاذبية الأسهم أو بمؤشرات البورصة.