تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أزمة‭ ‬الغاز‭ ‬وصراع‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الإمدادات

GG61

شهدت أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الفورية مساراً تصاعدياً مماثلًا لأسعار الغاز وفق مؤشر TTF، وإن كانت عند مستويات أقل، مدفوعة بزيادة الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال واحتدام المنافسة مع الأسواق الآسيوية لجذب الشحنات الفورية. وارتفع مؤشر JKM، الخاص بأسعار شحنات الغاز الطبيعي المسال الفورية في السوق الآسيوي، إلى نحو 60 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بنهاية أغسطس 2022، بالتزامن مع الارتفاع التاريخي لأسعار TTF في هولندا.
وكان لهذا الارتفاع أثر بالغ السلبية على اقتصاد الاتحاد الأوروبي، حيث زاد العبء المالي على المستهلكين وارتفعت معدلات التضخم في منطقة اليورو لتسجل أعلى مستوياتها في أكتوبر 2022 عند 11.5 %. ومع مرور الوقت، وتوافر شحنات الغاز الطبيعي المسال خاصة من الولايات المتحدة، واعتدال فصل الشتاء نسبياً، إضافة إلى الإجراءات المتخذة لتقليل الطلب الأوروبي على الغاز، بدأت الأسعار تأخذ منحنى الهبوط خلال عام 2023، ووصلت إلى مستويات أقل في 2024 مع نجاح أوروبا في تجاوز أزمة نقص الغاز الروسي. وقد انعكس ذلك إيجابياً على معدلات التضخم التي تراجعت بشكل واضح خلال 2023 واستمرت في الانخفاض عام 2024 لتسجل 2.4 % في أغسطس 2024، مقارنة بـ 10.1 % في أغسطس 2022.
وبينما كانت معدلات التضخم الشهرية في منطقة اليورو غير مسبوقة، أدى الارتفاع التاريخي في أسعار الغاز عبر خطوط الأنابيب وفق مؤشر TTF ولشحنات الغاز الطبيعي المسال الفورية، إلى تحميل الاتحاد الأوروبي فاتورة ضخمة لتأمين احتياجاته من الغاز. فقد بلغت فاتورة الاستيراد في عام 2022، الذي شهد أوج أزمة نقص الإمدادات، نحو 323.1 مليار يورو، بزيادة تجاوزت 200 % عن فاتورة عام 2021 التي بلغت حينها نحو 107.6 مليار يورو. وفي الواقع، تكاد فاتورة عام 2022 وحدها تعادل تقريبًا الفاتورة الإجمالية للأعوام الخمسة السابقة (2017–2021) والتي سجلت مجتمعة نحو 354.9 مليار يورو.
مع بداية انخفاض الأسعار عن ذروتها خلال عام 2023، تراجعت فاتورة استيراد الغاز الأوروبي إلى نحو 154.5 مليار يورو، مسجلة انخفاضاً سنوياً بنسبة 52.2 %، لكنها ما تزال مرتفعة مقارنة بعام 2021. وبذلك، تكون أوروبا قد تكبدت فاتورة إجمالية قريبة من نصف تريليون يورو (477 مليار يورو) خلال عامي 2022 و2023، نتيجة تراجع دور الغاز الروسي الذي كان يعتبر أرخص مقارنة بأسعار الغاز الطبيعي المسال، علماً بأن حجم واردات الغاز خلال العامين بلغ نحو 421 مليون طن، مقارنة بـ 443 مليون طن خلال عامي 2020 و2021، مع فاتورة استيراد إجمالية بلغت 146 مليار يورو.

الدور الحالي والمستقبلي للغاز الروسي في السوق الأوروبي

بعد الأزمة الروسية الأوكرانية، فقدت روسيا دورها التاريخي كأكبر مصدر للغاز إلى أوروبا، حتى مع انتهاء الأزمة المستقبلية، فمن غير المرجح أن تعود روسيا لمكانتها السابقة أو أن تستحوذ على حصة سوقية كبيرة تمكنها من استخدام الغاز كورقة ضغط كما كان سابقاً. ومع ذلك، من غير المرجح أيضًا الاستغناء تمامًا عن الغاز الروسي بحلول عام 2027 وفق توصية المفوضية الأوروبية، خاصة في ظل تنافسية أسعاره مع الغاز الطبيعي المسال، ووجود بنية تحتية قائمة للاستيراد، واستمرار اعتماد بعض الدول الأوروبية على الغاز الروسي لعدم تمكنها من الوصول الكامل إلى السوق العالمي للغاز الطبيعي المسال.
كما يرتبط تخلي أوروبا عن الغاز الروسي بمستقبل الطلب على الغاز الطبيعي نفسه في أوروبا، ومدى نجاحها في اعتماد بدائل للوقود الأحفوري. وفي ظل المعطيات الراهنة، من المؤكد أن الطلب على الغاز سيستمر على الأقل حتى عام 2030، نظراً لصعوبة اعتماد بدائل منافسة من حيث التكلفة في القطاعات المستهلكة للغاز. علاوة على ذلك، تمتلك شركة Gazprom عقودًا سارية وملزمة مع العديد من الشركات الأوروبية، تنتهي غالبية هذه العقود بعد عام 2027، والذي حددته المفوضية الأوروبية للتخلص الكامل من الغاز الروسي في دول الاتحاد. ويصل عدد العقود السارية بين Gazprom والعملاء الأوروبيين (EU-27) إلى نحو 19 عقدًا، بكميات تعاقدية ملزمة تصل إلى 89.6 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2027، و82 مليار متر مكعب سنوياً بحلول 2030. وفي الوضع الراهن لعام 2024، تواصل روسيا ضخ الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر مسارين: الأول من خلال شبكة الترانزيت في أوكرانيا عبر نقطة Sudzha على الحدود الروسية-الأوكرانية، والثاني من خلال الفرع الأوروبي من خط أنابيب «نورد ستريم» المار عبر تركيا، وتقدر سعته بنحو 15.75 مليار متر مكعب سنوياً.

استمرار ضخ الغاز رغم
انتهاء الاتفاقية

رغم انتهاء اتفاقية نقل الغاز عبر أوكرانيا عام 2024، تم البحث عن مخرج قانوني وفني لضمان استمرار ضخ الغاز دون الحاجة لتجديد الاتفاقية بين روسيا وأوكرانيا، التي أعلنت رسميًا عدم رغبتها في تجديدها. ومن الحلول المطروحة أن يقوم المشترون الأوروبيون بشراء الغاز عند الحدود الروسية-الأوكرانية، ويتولوا مسؤولية نقله عبر شبكة الغاز الأوكرانية إلى الأسواق الأوروبية.
حل آخر مطروح هو بيع الغاز الروسي إلى أذربيجان، بحيث تستخدم الغاز محليًا، ثم تصدر كميات أكبر من إنتاجها المحلي إلى الأسواق الأوروبية عبر ممر الغاز الجنوبي، وهو المقترح الذي تدعمه أذربيجان وتسعى للتفاوض بشأنه مع الجانبين الأوروبي والروسي. وتكمن أهمية مسار الغاز الروسي عبر أوكرانيا في كونه يوفّر الإمدادات لعدد من الأسواق التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، مثل النمسا، التشيك، المجر، سلوفاكيا وسلوفينيا.

توقعات حجم التدفق المستقبلي

وبالتالي، فإن أي اتفاق جديد، سواء عبر المشترين الأوروبيين مباشرة أو من خلال تبادل الغاز مع أذربيجان (Swapping)، قد يسمح بتدفق الغاز الروسي بكميات تتراوح بين 12 و15 مليار متر مكعب سنويًا، وهي نفس الكمية التي حافظت روسيا على ضخها سنوياً عبر أوكرانيا منذ مايو 2022.
أما الفرع الأوروبي من خط أنابيب «ترك ستريم» فالأرجح استمرار تدفق الغاز عبره بفضل العلاقات الدبلوماسية الجيدة بين روسيا وتركيا، وحرص الأخيرة على أن تكون مركزًا لتجارة الغاز في أوروبا، حيث تصل القدرة التصميمية للخط إلى نحو 14-15 مليار متر مكعب سنوياً.
وبذلك قد يستمر الغاز الروسي في التدفق إلى أسواق الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا وتركيا معاً بحوالي 28 مليار متر مكعب سنوياً حتى عام 2027، وربما يستمر على هذا المستوى قبل 2030، وهو العام الذي ستدخل فيه الاشتراطات الأوروبية الخاصة بكثافة انبعاثات الميثان حيز التنفيذ، والتي ستجعل استيراد الغاز من روسيا أكثر صعوبة إذا تجاوزت انبعاثاتها الحدود المسموح بها. ومنذ تفاقم الأزمة الروسية-الأوكرانية، أصبحت تركيا السوق الرئيسية لصادرات الغاز الروسي في أوروبا، بفضل الإمدادات التي تصلها عبر خط أنابيب «بلو ستريم» وفرعه التركي من شبكة «ترك ستريم».

رجوع لأعلى