أسعار الذهب والفضة تحطم الأرقام القياسية
قفز الذهب متجاوزا مستوى 4400 دولار للأونصة للمرة الأولى أمس الإثنين، مستفيدا من التوقعات المتزايدة بتخفيضات أخرى في أسعار الفائدة الأميركية والطلب القوي على أصول الملاذ الآمن، وانضمت الفضة أيضا إلى الارتفاع لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 1.4 % عند 4397.16 دولار للأونصة بعد أن كسر حاجز 4400 دولار ليسجل مستوى قياسيا مرتفعا بلغ 4400.29 دولار في وقت سابق من أمس.
وصعدت الفضة في المعاملات الفورية 3.3 % إلى أعلى مستوى عند 69.44 دولار. وارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم فبراير 0.98 % إلى 4430.30 دولار للأونصة، وفق وكالة «رويترز».
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، قفز البلاتين 4.3 % إلى 2057.15 دولار للأونصة وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من 17 عاما. وزاد البلاديوم 4.2 % إلى 1786.45 دولار للأونصة وهو أعلى مستوياته منذ نحو ثلاثة أعوام.
ويراهن المتعاملون على أن الاحتياطي الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة مرتين في عام 2026، بعدما لم تُسهم سلسلة من البيانات الاقتصادية الصادرة الأسبوع الماضي في توفير مزيد من الوضوح بشأن التوقعات المستقبلية لأسعار الفائدة، رغم دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى خفضها بشكل حاد. وتُعد السياسة النقدية الأكثر تيسيراً عاملاً داعماً للذهب والفضة، إذ لا يدرّان عائداً.
كما عززت التوترات الجيوسياسية من جاذبية المعادن النفيسة كملاذ آمن. فقد كثفت الولايات المتحدة حصاراً نفطياً على فنزويلا، ما زاد الضغوط على حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، في حين شنت أوكرانيا هجوماً على ناقلة نفط تابعة لـ«أسطول الظل» الروسي في البحر المتوسط للمرة الأولى.
توقعات بنوك الاستثمار
العالمية للأسعار
وفي سياق متصل ومع تصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًا، وتداخل العوامل النقدية والجيوسياسية، تتزايد رهانات المؤسسات المالية الكبرى على استمرار الزخم الصعودي لأسعار الذهب خلال عام 2026.
وبينما تتباين الدوافع المحركة للأسعار بين الطلب الاستثماري أو مشتريات البنوك المركزية، تجمع بنوك استثمار عالمية على أن المعدن الأصفر يرسّخ مكانته كأحد الأصول المحورية في المحافظ الاستثمارية خلال المرحلة المقبلة.
وارتفع الذهب، وهو أحد أصول الملاذ الآمن التقليدية، 67 % لهذا العام، وحطم عددا من الأرقام القياسية واخترق مستويات 3000 دولار و4000 دولار للأونصة للمرة الأولى. ويستعد لتحقيق أكبر مكاسب سنوية له منذ عام 1979.
ويرى بنك أوف أميركا أن عمليات شراء الذهب يقودها توجه المستثمرين نحو تنويع المحافظ الاستثمارية وتعزيز المكاسب.
من جانبها، أشارت مؤسسة ميتالز فوكس إلى أن الذهب حظي بدعم إضافي نتيجة المخاوف المرتبطة باستقلالية الاحتياطي الفدرالي الأميركي، إلى جانب الخلافات حول الرسوم الجمركية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وهي عوامل عززت مكاسب المعدن الأصفر.
وفي السياق ذاته، توقع بنك جي بي مورغان تشيس بأن يستمر الطلب القوي من البنوك المركزية في دعم أسعار الذهب خلال 2026، مرجحة وصول سعر الأونصة إلى 4500 دولار بحلول منتصف العام.
في المقابل، أبدى بنك التسويات الدولية قدراً من الحذر، معتبرًا أن تزامن الارتفاع القوي في أسعار الذهب والأسهم في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول احتمال تشكل فقاعة في كلا السوقين، ما يستدعي مراقبة دقيقة لمستويات التقييم.
أما مجموعة MKS PAMP، فتتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب نحو 4500 دولار للأونصة في عام 2026، مشيرة إلى أن الذهب مرشح لأن يصبح أصلاً أساسياً في المحافظ الاستثمارية لعدة سنوات مقبلة، وليس مجرد أداة تحوط دورية مرتبطة بالأزمات.
بدوره، يرى Morgan Stanley أن الطلب القوي من المستثمرين الأفراد على الذهب قد يستمر خلال العام المقبل، ما يوفر دعمًا إضافيًا للأسعار.
من جانبه، قال جوليوس بنديكاس، رئيس شؤون تخصيص الأصول الاقتصادية والديناميكية في أوروبا لدى شركة «ميرسر»، إن أسعار الذهب قد تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال الفترة المقبلة، مرجّحًا أن يكون مستوى 5 آلاف دولار للأونصة أكثر احتمالًا من العودة إلى 3 آلاف دولار، في ظل استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية عالمياً.
وأوضح بنديكاس أن الذهب والفضة لا يزالان يشكلان عنصرًا مهمًا في المحافظ الاستثمارية كجزء من سلة السلع، مؤكدًا أهمية الحفاظ على توزيع متوازن بين السلع والأسهم، وعدم المبالغة في الرهانات الأحادية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة First Financial Markets نديم السبع، إن التوترات الجيوسياسية الحالية تلعب دورًا رئيسيًا في دفع الذهب لمستويات قياسية.
وذكر السبع أن تحركات الذهب اليومية القوية تعكس وجود طلب حقيقي وليس مضاربات فقط.
وأشار إلى أن الفضة أكثر حساسية للمخاطر بعد ارتفاعات تجاوزت 130 %.
لماذا تضاعف سعر الفضة مرتين في عام 2025؟
ومن جهة أخرى ذكرت مجلة فوربس في تقرير حديث أن صعود الفضة في عام 2025 لم يكن حركة عابرة في أسواق السلع، بل كان تحوّلاً لافتاً أعاد المعدن الأبيض إلى واجهة المشهد الاستثماري العالمي، بعدما ظل لسنوات في ظل الذهب.
وبحسب فوربس، لم يكن هذا الصعود نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل 3 مسارات مترابطة أعادت تشكيل سوق الفضة خلال عام 2025.
المسار الأول تمثل في التحول الحاد في تدفقات الاستثمار: فبعد سنوات من خروج الأموال من الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة، شهد عام 2025 انعكاسًا واضحًا، حيث «ارتفعت حيازات الصناديق المتداولة وتدفقت الاستثمارات بوتيرة قوية»، مما حوّل الطلب الورقي إلى محرك فعلي للأسعار.
وتشير المجلة إلى أن عدة صناديق فضة حققت عوائد تقارب 100 % أو أكثر خلال العام، مع تكرار الإشارة إلى تدفقات الصناديق كعامل رئيسي في دفع الأسعار صعودًا.
المسار الثاني كان عودة الطلب الصناعي بقوة: وتوضح فوربس أن الفضة «ليست معدناً نقدياً أو ملاذاً آمناً فقط»، بل عنصرا صناعيا أساسيا يُستخدم في الخلايا الشمسية، والإلكترونيات، وتقنيات الجيل الخامس، والتقنيات الخضراء.
ومع استمرار الطلب القوي على مكونات الطاقة الشمسية والإلكترونيات، ارتفع ما تصفه المجلة بـ»السحب الفيزيائي» على المخزونات المحدودة.
أما المسار الثالث فكان بيئة الاقتصاد الكلي والسياسات النقدية: فضعف الدولار الأميركي في فترات حاسمة، إلى جانب خفض أسعار الفائدة، وإجراءات تنظيمية -من بينها تصنيف الفضة كمعدن حرج أو ما يشبه ذلك- أسهمت في تغيير مزاج المستثمرين تجاه الأصول الملموسة.
ومع تراجع العوائد الحقيقية وارتفاع عدم اليقين الجيوسياسي، عززت الفضة موقعها «كمعدن صناعي ووسيلة تحوط في آن واحد»، وفق فوربس.
ماذا بعد؟ 3 سيناريوهات محتملة
ترسم فوربس 3 سيناريوهات واقعية لمسار أسعار الفضة خلال المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول هو الامتداد الصعودي، حيث يمكن لاستمرار تدفقات الصناديق المتداولة مع ثبات الطلب الصناعي أن يدفع الأسعار نحو 70 دولارًا للأونصة بحلول مطلع 2026.
وترى المجلة أن هذا السيناريو «قابل للتصديق» إذا استمرت ضغوط العرض والعوامل الداعمة من ضعف الدولار وانخفاض العوائد الحقيقية.
السيناريو الثاني هو مرحلة التماسك. فبعد مكاسب تجاوزت 100 %، قد يؤدي جني الأرباح وتقلب الأخبار إلى فترة استقرار تمتد لأسابيع، مع احتمال تراجع الأسعار إلى نطاق 45–55 دولاراً للأونصة.
وتشدد فوربس على أن هذا السيناريو «لا يقوض الأسس الهيكلية»، لكنه يخفف من المخاطر الاتجاهية على المدى القصير.
أما السيناريو الثالث فهو الارتداد الحاد نحو المتوسط، في حال حدوث تحول متشدد مفاجئ في توجيهات البنوك المركزية، أو صعود قوي للدولار، أو عمليات تصفية مفاجئة من قبل مستثمرين كبار في الصناديق المتداولة.
ورغم أن الرافعة المالية في سوق الفضة أقل مقارنة ببعض العقود المستقبلية الأخرى، فإن «تحركات كبيرة لا تزال ممكنة»، وفق تحذير فوربس.