أسهم التكنولوجيا تقود المؤشرات الأميركية إلى مستويات قياسية
أنهت المؤشرات الأميركية الرئيسية جلسة الإثنين على ارتفاع جماعي، مدفوعة بمزيج من العوامل الإيجابية في مقدمتها صعود أسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتراجع أسعار النفط، وانحسار توقعات المستثمرين بشأن اتجاه مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل.
وجاءت المكاسب رغم استمرار الضغوط في سوق السندات الأميركية، حيث ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.31%، وهو مستوى مرتفع يعكس استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وتكلفة الاقتراض. ومع ذلك، تمكنت أسهم التكنولوجيا من تجاوز هذه الضغوط، لتقود المؤشرات الرئيسية إلى مستويات جديدة.
وارتفع مؤشر إس آند بي 500 بنحو 0.66% إلى 7,773.95 نقطة، ليقترب من مستواه القياسي السابق، فيما صعد مؤشر ناسداك المركب بنحو 1.1% إلى مستوى قياسي بلغ 27,477.31 نقطة، كما ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.18%، أو ما يقارب 90 نقطة، إلى 51,267.90 نقطة.
التكنولوجيا تقود الصعود
كان قطاع التكنولوجيا المحرك الرئيسي لمكاسب السوق، مع استمرار الإقبال على الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية.
وسجلت أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة أداءً قوياً، وفي مقدمتها إنفيديا التي ارتفعت بنحو 2.1% إلى مستوى قياسي جديد، فيما دعمت مكاسب مايكروسوفت، ميتا بلاتفورمز، تسلا الاتجاه الصعودي لمؤشر ناسداك. وبلغت القيمة السوقية لـ إنفيديا نحو 5.76 تريليون دولار، في انعكاس لحجم الرهان الذي يضعه المستثمرون على استمرار دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا الأداء استمرار تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد قصة نمو في قطاع التكنولوجيا إلى أحد أهم المحركات الرئيسية للأسواق الأميركية، خصوصاً مع استمرار الشركات الكبرى في الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويترقب المستثمرون في الوقت نفسه موسم نتائج الشركات للربع الثالث، والذي يبدأ بصورة أكثر وضوحاً خلال الأيام المقبلة مع إعلان عدد من الشركات الكبرى نتائجها، الأمر الذي سيشكل اختباراً مهماً لمدى قدرة الأرباح الفعلية على تبرير التقييمات المرتفعة لأسهم التكنولوجيا.
سوق العمل الأميركي يغير حسابات الفيدرالي
من أهم العوامل التي دعمت الأسهم خلال الجلسات الأخيرة صدور بيانات أضعف من المتوقع عن سوق العمل الأميركي.
وأظهرت بيانات الوظائف الأخيرة إضافة نحو 29 ألف وظيفة فقط، وهو مستوى ضعيف مقارنة بالتوقعات، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات اتجاه مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل.
ويعني تباطؤ سوق العمل بالنسبة للأسواق أن الاقتصاد الأميركي قد لا يكون بحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، خصوصاً في ظل وجود مؤشرات على تراجع قوة سوق العمل.
وهنا تظهر المعادلة المعقدة أمام الفدرالي: فمن ناحية، لا يزال التضخم وأسعار الطاقة وعوائد السندات مرتفعة، ومن ناحية أخرى بدأت سوق العمل تظهر علامات على التباطؤ.
ولهذا أصبح المستثمرون أكثر ميلاً إلى سيناريو تثبيت أسعار الفائدة بدلاً من رفعها في المدى القريب.
وتترقب الأسواق محضر اجتماع الفدرالي الأخير خلال هذا الأسبوع، بحثاً عن إشارات جديدة بشأن مسار السياسة النقدية، إضافة إلى البيانات الاقتصادية المرتقبة التي يمكن أن تؤثر في قرارات البنك المركزي خلال الأشهر المقبلة.
عوائد السندات.. التحدي الأكبر أمام الأسهم
رغم الصعود القوي للأسهم، فإن سوق السندات يرسل إشارة أكثر حذراً.
فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.31%، فيما أشارت بيانات السوق إلى بلوغه مستويات أعلى خلال الجلسة، في ظل موجة بيع واسعة في أسواق السندات.
وارتفاع العائد يمثل تحدياً لأسواق الأسهم، خصوصاً أسهم النمو والتكنولوجيا، لأن ارتفاع العائد الخالي من المخاطر يجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، كما يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الأرباح المستقبلية للشركات.
لكن ما حدث الإثنين كان لافتاً؛ إذ تمكنت أسهم التكنولوجيا من الارتفاع بقوة رغم ارتفاع العوائد، وهذا يشير إلى أن المستثمرين ما زالوا يمنحون قصة الذكاء الاصطناعي والنمو التكنولوجي وزناً أكبر من المخاوف المرتبطة بتكلفة التمويل في الوقت الحالي.
وول ستريت بين قوتين متعارضتين
تتحرك الأسواق الأميركية حالياً بين قوتين متعارضتين؛ الأولى تدعم استمرار الصعود وتحسن معنويات المستثمرين، في حين تفرض الثانية ضغوطاً تحد من مكاسب الأسهم وتزيد من حالة الحذر في السوق.
وتتمثل العوامل الداعمة في استمرار النمو القوي لقطاع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب متانة أرباح شركات التكنولوجيا الكبرى، فضلاً عن تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية في المدى القريب. كما يشكل انخفاض أسعار النفط عاملاً إيجابياً للأسواق، بالتزامن مع تحسن شهية المستثمرين تجاه أسهم النمو وترقب موسم نتائج الشركات بقدر من التفاؤل.
في المقابل، تواجه الأسواق مجموعة من العوامل الضاغطة، في مقدمتها ارتفاع عوائد سندات الخزانة، إلى جانب بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة تاريخياً، وهو ما يبقي مخاطر التضخم حاضرة. كذلك تثير الارتفاعات الكبيرة في تقييمات أسهم التكنولوجيا مخاوف بشأن مدى قدرتها على مواصلة الصعود، فيما تضيف المخاطر الجيوسياسية مزيداً من عدم اليقين إلى حركة الأسواق.
ويبقى العامل الأكثر أهمية هو مسار السياسة النقدية الأميركية، إذ إن استمرار التضخم أو عودة الضغوط السعرية قد يدفعان مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بما قد يحد من قدرة الأسهم على مواصلة مكاسبها بنفس الزخم.
وبالتالي فإن استمرار صعود الأسهم لا يعني اختفاء المخاطر، بل يعكس في الوقت الحالي قدرة المستثمرين على استيعابها طالما بقيت أرباح الشركات قوية ولم تتدهور توقعات الاقتصاد بصورة حادة.
مؤشر ناسداك في منطقة قياسية
وارتفع المؤشر المركب بنحو 1.1% خلال جلسة الإثنين، مسجلاً مستوى إغلاق قياسياً عند 27,477.31 نقطة. وبذلك أصبح المؤشر مرتفعاً بنحو 18.2% منذ بداية العام، وفق بيانات السوق في نهاية الجلسة.
ويعكس ذلك استمرار تفوق أسهم التكنولوجيا على قطاعات أخرى من السوق، غير أن قوة ناسداك لا تعني بالضرورة أن الصعود موزع بالتساوي على جميع الأسهم. فهناك فجوة واضحة بين أداء شركات التكنولوجيا الكبرى وأجزاء أخرى من السوق، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى اتساع قاعدة الصعود.
وتشير بعض بيانات السوق إلى وجود عدد كبير من الأسهم التي لا تزال بعيدة عن مستوياتها القياسية، رغم وصول ناسداك نفسه إلى قمة جديدة. وهذا يعني أن المؤشر يستفيد بصورة كبيرة من الوزن الضخم للشركات العملاقة في قطاع التكنولوجيا.
داو جونز.. مكاسب أقل من التكنولوجيا
في المقابل، كان أداء داو جونز أكثر اعتدالاً، إذ ارتفع بنحو 0.18% إلى 51,267.90 نقطة، وهذا الفارق بين داو جونز وناسداك يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث يميل المستثمرون إلى الشركات ذات معدلات النمو المرتفعة والمرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بدلاً من التركيز بنفس القوة على الأسهم الصناعية والدفاعية التقليدية.
ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع داو جونز لثلاث جلسات متتالية يعكس عدم وجود موجة بيع واسعة في السوق.
صفقات الاستحواذ تضيف دعماً للأسواق
لم يكن الأداء الإيجابي مرتبطاً فقط بالعوامل الاقتصادية والنقدية، فقد حصلت الأسواق أيضاً على دفعة من نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ.
ومن أبرز الصفقات إعلان شنايدر إلكتريك الاستحواذ على شركة المؤسسة العامة للاتصالات في صفقة تبلغ قيمتها نحو 22.6 مليار دولار، الأمر الذي دفع سهم المؤسسة العامة للاتصالات إلى الارتفاع بنحو 33% خلال الجلسة.
كما استفادت أسهم أخرى من أخبار صفقات الاستحواذ، وهو ما ساهم في تحسين شهية المخاطرة لدى المستثمرين، وتعتبر عودة نشاط الاندماجات والاستحواذات مؤشراً مهماً، لأنها تعكس استعداد الشركات والمؤسسات المالية لتوظيف رؤوس الأموال في عمليات توسع استراتيجية رغم ارتفاع تكلفة التمويل.