تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسواق‭ ‬الغاز‭ ‬بين‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الاستقرار

p40

شهدت أسواق الغاز العالمية خلال الأعوام الممتدة من 2021 إلى 2024 تحولات عميقة اتسمت بحدة التقلب وسرعة الانعطاف. وكان عام 2023 على وجه الخصوص عاملاً مفصليًا، إذ تداخلت فيه عوامل مناخية واقتصادية وجيوسياسية أعادت رسم ملامح السوق، حتى مع الاتجاه النزولي العام لأسعار الطاقة، سواء الكهرباء أو الغاز، عقب تدخلات تنظيمية أوروبية هدفت إلى كبح جماح الارتفاعات القياسية.
في هذه المرحلة، برزت خمسة محركات رئيسية أثرت في ديناميكيات السوق. تمثلت أولًا في موجات البرد القاسية التي ضربت شمال شرق آسيا، ما رفع الطلب على الغاز في توقيتات حساسة. كما لعب التشدد الطبيعي في أساسيات السوق دورًا في تقليص المرونة بين العرض والطلب، إلى جانب تشدد مصطنع ناتج عن سياسات وتدخلات تنظيمية حدّت من انسيابية الإمدادات. وازدادت التقلبات حدة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي شكّل نقطة تحول في سوق الطاقة العالمي، فضلًا عن حالة عدم اليقين الهيكلي التي أصبحت سمة ملازمة للأسواق في ظل تغير موازين القوى وتبدل أنماط الاعتماد الطاقوي.
وتشير القراءة الأولية لهذه التطورات إلى أن تقلبات الأسعار أعادت التأكيد على مركزية أمن الطاقة بوصفه أولوية استراتيجية. فقد أظهرت الأسواق هشاشتها أمام الصدمات الجيوسياسية، في حين عادت الأسعار تدريجيًا إلى مستويات أقرب إلى طبيعتها بعد القفزات الحادة التي سجلتها في عام 2022. كما عكس الأداء السعري لعام 2023 بأكمله هذا الاتجاه النزولي، إذ بلغ متوسط السعر المحقق ما يعادل 68.6 دولارًا للبرميل من النفط المكافئ.
غير أن عودة الأسعار في فترات معينة إلى مستويات مقبولة لا تعني بالضرورة استقرارًا دائمًا أو خروجًا كاملًا من دائرة الأزمة. فالعوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي دفعت أسعار الغاز والنفط إلى الارتفاع في أوروبا لا تزال قائمة، ولا يزال المشهد الجيوسياسي يلقي بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية، بما يحول دون ترسيخ حالة استقرار طويلة الأمد.

الجغرافيا السياسية ومعضلة أمن الطاقة الأوروبي

أحدث الانفصال الطاقوي عن روسيا، في أعقاب غزو أوكرانيا، تحولًا جذريًا في بنية أمن الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي. ولم يقتصر هذا التحول على كشف هشاشة استراتيجية التنويع الأوروبية، بل أظهر أيضًا حدود النهج الليبرالي الذي اعتمدته بروكسل في إدارة أسواق الطاقة من منظور جيوسياسي. فالاتحاد يجد نفسه اليوم أمام معضلة معقدة تتعلق بكيفية الحفاظ على نموذج الأسواق المفتوحة والمحررة، وفي الوقت ذاته التكيف مع عالم أكثر واقعية تفرض فيه الجغرافيا السياسية والاعتبارات الأمنية إيقاع السياسات الطاقوية واختلالات السوق.
وتتعمق هذه المعضلة مع التحدي المزدوج المتمثل في التوفيق بين الأهداف المناخية بعيدة المدى، والتطلعات الآنية لأمن الإمدادات واستقلال الطاقة. فمسار الانتقال إلى نظام طاقة أخضر منخفض الكربون لا يخلو من تبعيات جديدة على صعيد الإمدادات، ولا من مخاطر قد تعيد إنتاج أشكال مختلفة من الاعتماد الخارجي.
وفي هذا السياق، يدفع الواقع الجيوسياسي الراهن الاتحاد الأوروبي إلى محاولة حل ما يُعرف بالمعضلة الثلاثية للطاقة، التي تجمع بين الاستدامة وأمن الإمدادات والقدرة التنافسية. وتتكرر في هذه المرحلة الحساسة أسئلة جوهرية حول كيفية تحقيق سيادة الطاقة وضمان استقلال القرار الطاقوي الأوروبي في مواجهة تقلبات السوق العالمية والتوترات الجيوسياسية.
ومع تجدد الأزمات، عادت مفاهيم السيادة إلى صلب الخطاب السياسي الأوروبي، لتحتل سيادة الطاقة موقعًا متقدمًا في أجندة السياسات العامة، ليس فقط بوصفها خيارًا اقتصاديًا، بل باعتبارها قضية استراتيجية تمس جوهر الاستقرار السياسي والاقتصادي للقارة.

إمدادات الطاقة بين السيادة
والاستدامة في أوروبا

أعادت أزمتا كوفيد 19 والحرب في أوكرانيا ترتيب أولويات صناع القرار في أوروبا، ودفعتهم إلى مراجعة شاملة لنماذج الإنتاج والعرض والاستهلاك، ولا سيما في قطاع الطاقة والصناعات الاستخراجية. وخلال هذه المراجعة، برز إدراك أوروبي متأخر لنقاط ضعف بنيوية تتعلق بتكنولوجيات الطاقة منخفضة الكربون وسلاسل القيمة الصناعية المرتبطة بها، وهي قضايا لم تحظَ بالاهتمام الكافي في السنوات السابقة.
في المقابل، نجح لاعبون دوليون آخرون في ترسيخ مواقع مهيمنة على امتداد هذه السلاسل، وفي مقدمتهم الصين التي عززت حضورها في مجالات التعدين وتكرير المعادن وتكنولوجيات النقل النظيف وطاقة الرياح. ويُعزى ذلك إلى امتلاك بكين قدرات إنتاجية واسعة النطاق تتيح لها تحقيق اقتصاديات الحجم، وهي ميزة تفتقر إليها القارة الأوروبية، ما يضعف قدرتها التنافسية في سباق التحول الطاقوي.
وإذا لم يتحرك صناع القرار بسرعة وحزم، فإن المخاطر التي تواجه أوروبا تنقسم إلى مسارين متوازيين. الأول يتمثل في خسائر محتملة في الوظائف نتيجة التحولات الصناعية غير المتوازنة، والثاني في ارتفاع درجة التعرض للصدمات الجيوسياسية والجيواقتصادية، حتى عند حدوث اضطرابات محدودة. وقد وصلت أوروبا بالفعل إلى هذه المرحلة الحرجة، وهو ما يفسر عودة السياسة الصناعية إلى واجهة النقاش العام، في سياق السعي إلى إزالة الكربون وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة.
وتتركز هذه الصحوة الصناعية على تعزيز إنتاج المعادن الحرجة اللازمة للتحول الطاقوي، مثل الليثيوم والنحاس والنيكل وغيرها، باعتبارها عناصر أساسية في سلاسل القيمة الجديدة للطاقة النظيفة. ومن هنا، بات ضمان إمدادات هذه الموارد شرطًا لا غنى عنه لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول مدى كفاية المقترحات والسياسات المطروحة حاليًا لمواجهة هذا التحدي المتصاعد.

تداعيات الحرب على المثلث الأوروبي الأميركي الصيني

إلى جانب آثارها المباشرة، أفرزت الحرب في أوكرانيا تداعيات جيوسياسية عميقة امتدت إلى بنية العلاقات داخل المثلث الاستراتيجي الذي يضم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين. ومن منظور أوروبي، أعادت هذه الحرب صياغة المقاربات تجاه بكين، في ظل تصاعد الشعور بالتهديد الذي تمثله روسيا لكل من أوروبا وواشنطن.
وقد أدى تنامي التقارب الروسي الصيني إلى إدراج هذا العامل في صلب الحسابات الغربية تجاه الصين، في تحول يُعد الأعمق منذ نهاية الحرب الباردة. ولم يقتصر هذا التحول على الأبعاد السياسية والعسكرية، بل شمل قطاع الطاقة بوصفه أحد أهم ساحات التنافس الاستراتيجي.
وفي هذا الإطار، شكّل اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ في موسكو في مارس 2023 محطة مفصلية، حيث ناقش الطرفان مشروعًا ضخمًا جديدًا للبنية التحتية يعرف باسم «قوة سيبيريا 2»، يهدف إلى نقل الغاز الروسي إلى الصين عبر الأراضي المنغولية. وقد توصلت روسيا والصين ومنغوليا إلى تفاهمات عامة بشأن استكمال خط الأنابيب، الذي يُفترض أن يتيح لروسيا تصدير ما لا يقل عن 98 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين في الفترة ما بين 2026 و2030.
ورغم هذه التفاهمات، أشارت تصريحات روسية لاحقة إلى أن بعض التفاصيل الفنية والتجارية للمشروع لا تزال قيد البحث، ما يعكس تعقيداته وحساسيته الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن مجرد المضي في هذا المسار يعكس تحولات عميقة في خريطة الطاقة العالمية، ويؤكد أن الحرب في أوكرانيا لم تقتصر تداعياتها على أوروبا وحدها، بل أعادت رسم توازنات الطاقة داخل أحد أهم مثلثات القوة في النظام الدولي.

تحول استراتيجي في مسار
الغاز الروسي

طرحت روسيا فكرة هذا المسار منذ سنوات، غير أن المشروع اكتسب زخمًا وإلحاحًا غير مسبوقين في المرحلة الراهنة، في ظل سعي موسكو إلى تعويض السوق الأوروبية بالسوق الصينية بوصفها الوجهة الرئيسية لصادرات الغاز. وفي هذا السياق، بدأت شركة غازبروم إعداد دراسات الجدوى للمشروع منذ عام 2020، واضعة هدفًا لبدء تدفق الغاز بحلول عام 2026، أو في موعد أقصاه 2030، وهو ما يعكس مقاربة روسية استباقية تهدف إلى تقليص الاعتماد على المشترين الأوروبيين في المدى المتوسط والطويل.
وتسعى موسكو من خلال هذا المشروع إلى إثبات أن خط أنابيب الغاز، الذي يمتد لمسافة تقارب 2600 كيلومتر ويربط سيبيريا بإقليم شينجيانغ في شمال غربي الصين، يسير وفق المخطط له. ومن المتوقع أن ينقل الخط نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، بما يجعل قدرته التشغيلية قريبة من قدرة خط «نورد ستريم 2» المثير للجدل، الذي كان يربط روسيا بألمانيا قبل أن يتعثر مساره لأسباب سياسية وجيوسياسية.

مقاربة جديدة لأمن الطاقة

تتجسد الميزة الجيوسياسية لأمن الطاقة، في مفهومه الحديث، في تحقيق قدر أعلى من المرونة، إلى جانب امتلاك أدوات تمنح ميزة اقتصادية في ساحة المنافسة العالمية. ومع تطور هذا المفهوم، تراجع التركيز التقليدي على امتلاك الموارد المادية الخام، ليحل محله الاهتمام بقدرة الحكومات والشركات على تعبئة رأس المال وتوجيهه نحو تمكين الطاقات منخفضة أو منعدمة الكربون، وتعزيز مرونة أنظمة الطاقة.
وفي هذه الرؤية الجديدة، لا يُختزل أمن الطاقة في وفرة الإمدادات الأولية، بل يتجسد أساسًا في توفير ذكي وفعال لخدمات الطاقة، يعتمد على أصول ثابتة قائمة على التكنولوجيا، وعلى أطر تنظيمية ومؤسسات قادرة على إدارتها ودعمها. وبهذا المعنى، ينتقل مركز الثقل من منطق العرض إلى منطق الابتكار النظيف، وإدارة الطلب، وآليات التمويل، باعتبارها ركائز أساسية لضمان أمن الطاقة في عالم يتسم بارتفاع المخاطر وتعدد مصادر عدم اليقين.

رجوع لأعلى