تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬تلتهم‭ ‬أرباح‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية

أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬تلتهم‭ ‬أرباح‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية

لم‭ ‬يعد‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين‭ ‬العالمي‭ ‬مجرد‭ ‬قطاع‭ ‬خدمي‭ ‬يتبع‭ ‬حركة‭ ‬التجارة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬رادار‮»‬‭ ‬جيوسياسي‭ ‬عالي‭ ‬الحساسية،‭ ‬يقيس‭ ‬نبض‭ ‬الصراعات‭ ‬قبل‭ ‬وقوعها‭ ‬ويحدد‭ ‬ثمن‭ ‬السلم‭ ‬والحرب‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬إن‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم،‭ ‬والناجم‭ ‬عن‭ ‬التوترات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالملف‭ ‬الإيراني‭ ‬وتصاعد‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬ومحيطها،‭ ‬يمثل‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬لنموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬جديد‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬المخاطر‭ ‬الدائمة‮»‬‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬الموسع،‭ ‬نسبر‭ ‬أغوار‭ ‬التحولات‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التأمين،‭ ‬ونحلل‭ ‬كيف‭ ‬تحول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬من‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬ارتكاز‮»‬‭ ‬لتسعير‭ ‬الأصول‭ ‬العالمية،‭ ‬وكيف‭ ‬أدت‭ ‬قفزات‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التجارة‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

أولاً‭: ‬الانهيار‭ ‬المعرفي‭ ‬لنماذج‭ ‬التأمين‭ ‬التقليدية

لأكثر‭ ‬من‭ ‬خمسين‭ ‬عاماً،‭ ‬اعتمدت‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬ونيويورك‭ ‬وطوكيو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬النماذج‭ ‬الاحتمالية‭ ‬التاريخية‮»‬‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬هي‭ ‬أحداث‭ ‬‮«‬نادرة‮»‬‭ ‬و«محدودة‭ ‬زمنياً‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬التوترات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬أثبتت‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭.‬
من‭ ‬الاحتمال‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬التشغيلي‭: ‬سابقاً،‭ ‬كان‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرب‭ (‬War Risk‭ ‬Insurance‭) ‬يُعد‭ ‬إضافياً‭ ‬وبأسعار‭ ‬زهيدة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬0‭.‬1‭ % ‬إلى‭ ‬0.25‭ %. ‬اليوم،‭ ‬انتقل‭ ‬الخطر‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬حدثت‭ ‬الحرب؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬ندير‭ ‬الحرب‭ ‬القائمة؟‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أجبر‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬‮«‬التسعير‭ ‬اللحظي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬ترتبط‭ ‬قيمة‭ ‬القسط‭ ‬بالنشاط‭ ‬العسكري‭ ‬اليومي،‭ ‬وحركة‭ ‬المسيرات،‭ ‬وتهديدات‭ ‬الألغام‭ ‬البحرية‭.‬
إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الأصول‭ ‬القابلة‭ ‬للتأمين‭: ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التأمين‭ ‬يغطي‭ ‬السفينة‭ ‬كجسم‭ ‬مادي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليشمل‭ ‬‮«‬استمرارية‭ ‬الأعمال‮»‬‭. ‬إن‭ ‬التهديد‭ ‬الإيراني‭ ‬للملاحة‭ ‬لم‭ ‬يرفع‭ ‬أسعار‭ ‬تأمين‭ ‬السفن‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬رفع‭ ‬تكلفة‭ ‬تأمين‭ ‬المنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬البرية،‭ ‬ومحطات‭ ‬تحلية‭ ‬المياه،‭ ‬وحتى‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬المنطقة‭.‬

ثانياً‭: ‬زلزال‭ ‬الأقساط‭.. ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬الصادمة

عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬قفزة‭ ‬مـن‭ ‬0‭.‬25‭ % ‬إلى‭ ‬3‭ % ‬أو‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أرقام‭ ‬مجردة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬العالمية‭.‬
نموذج‭ ‬محاكاة‭ ‬لكلفة‭ ‬ناقلة‭ ‬نفط‭: ‬ناقلة‭ ‬نفط‭ ‬عملاقة‭ (‬VLCC‭) ‬تبلغ‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬مع‭ ‬شحنتها‭ ‬نحو‭ ‬250‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭. ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬السلم،‭ ‬كانت‭ ‬كلفة‭ ‬تأمين‭ ‬رحلتها‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬150‭,‬000‭ ‬دولار‭. ‬اليوم،‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬الأقساط‭ ‬إلى‭ ‬3‭ %‬،‭ ‬قفزت‭ ‬الكلفة‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬7.5‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬للرحلة‭ ‬الواحدة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬أياماً‭ ‬قليلة‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الجنوني‭ ‬يعادل‭ ‬ميزانيات‭ ‬تشغيلية‭ ‬لشركات‭ ‬شحن‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬سابقة‭.‬
●‭ ‬التقلب‭ ‬الساعي‭: ‬أصبحت‭ ‬غرف‭ ‬الاكتتاب‭ ‬في‭ ‬‮«‬لويدز‭ ‬لندن‮»‬‭ ‬تعمل‭ ‬بنظام‭ ‬الطوارئ‭. ‬في‭ ‬حالات‭ ‬التصعيد‭ ‬المباشر،‭ ‬يتم‭ ‬تعليق‭ ‬عروض‭ ‬الأسعار‭ ‬وإعادة‭ ‬إصدارها‭ ‬كل‭ ‬60‭ ‬دقيقة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬‮«‬فرط‭ ‬التقلب‮»‬‭ (‬Hyper-volatility‭) ‬يجعل‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي‭ ‬للمستوردين‭ ‬والمصدرين‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭.‬

ثالثاً‭: ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.. ‬‮«‬خناق‮»‬‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

يمثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الحالة‭ ‬الدراسية‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التأمين‭ ‬المعاصر‭. ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬نحو‭ ‬21‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬نفط‭ ‬يومياً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭.‬
سلاح‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬اليقين‮»‬‭: ‬تدرك‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬إيران،‭ ‬أن‭ ‬التأمين‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الحلقة‭ ‬الأضعف‮»‬‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭. ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬لإغلاق‭ ‬المضيق‭ ‬عسكرياً؛‭ ‬يكفي‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬أمنية‭ ‬مهتزة‭ ‬لترفع‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬أسعارها،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خنق‮»‬‭ ‬التدفقات‭ ‬التجارية‭ ‬دون‭ ‬إطلاق‭ ‬رصاصة‭ ‬واحدة‭.‬
●‭ ‬الانسحاب‭ ‬القسري‭: ‬سجلت‭ ‬التقارير‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬بنسبــة‭ ‬95‭ % ‬فـي‭ ‬بعض‭ ‬الفترات‭ ‬الحرجة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬بسبب‭ ‬غرق‭ ‬السفن،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬رفض‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬تقديم‭ ‬تغطية،‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬شروط‭ ‬تعجيزية‭ ‬تجعل‭ ‬الرحلة‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭.‬

رابعاً‭: ‬شركات‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭.. ‬الجندي‭ ‬المجهول‭ ‬في‭ ‬الأزمة

إذا‭ ‬كانت‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬المباشر‭ ‬هي‭ ‬الواجهة،‭ ‬فإن‭ ‬شركات‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭ (‬Reinsurance‭) ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الخلفي‭ ‬الذي‭ ‬يتحمل‭ ‬الصدمات‭ ‬الكبرى‭.‬
●‭ ‬نزيف‭ ‬رأس‭ ‬المال‭: ‬تواجه‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬ميونخ‭ ‬ري‮»‬‭ ‬و«سويس‭ ‬ري‮»‬‭ ‬ضغوطاً‭ ‬هائلة‭. ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬حجم‭ ‬المطالبات‭ ‬المحتملة‭ ‬إلى‭ ‬160‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بدأ‭ ‬‮«‬مقص‮»‬‭ ‬إعادة‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬تم‭ ‬تقليص‭ ‬حدود‭ ‬التغطية،‭ ‬وزيادة‭ ‬‮«‬مبالغ‭ ‬التحمل‮»‬‭ (‬Deductibles‭) ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تدفعها‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬الأصلية‭.‬
إشعارات‭ ‬الإلغاء‭ (‬Notice of Cancellation‭): ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬أصبح‭ ‬استخدام‭ ‬بند‭ ‬‮«‬إلغاء‭ ‬التغطية‭ ‬خلال‭ ‬48‭ ‬ساعة‮»‬‭ ‬شائعاً‭. ‬هذا‭ ‬البند‭ ‬يمنح‭ ‬المعيدين‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬التأمين‭ ‬فور‭ ‬اندلاع‭ ‬نزاع‭ ‬مسلح،‭ ‬مما‭ ‬يترك‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬دون‭ ‬غطاء‭ ‬قانوني،‭ ‬ويجبر‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬كـ‭ ‬‮«‬مؤمن‭ ‬ملاذ‭ ‬أخير‮»‬‭.‬

خامساً‭: ‬‮«‬عدوى‭ ‬المخاطر‮»‬‭ ‬واقتصاد‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي

لا‭ ‬تظل‭ ‬أزمة‭ ‬التأمين‭ ‬حبيسة‭ ‬الموانئ،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سلة‭ ‬الغذاء‮»‬‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬ثلاث‭ ‬قنوات‭:‬
●‭ ‬التضخم‭ ‬الهيكلي‭: ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬تكلفة‭ ‬التأمين‭ ‬بنسبة‭ ‬1000‭ %‬،‭ ‬تضاف‭ ‬هذه‭ ‬الكلفة‭ ‬إلى‭ ‬سعر‭ ‬الوقود،‭ ‬القمح،‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬الآن‭ ‬‮«‬تضخماً‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بالمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬علاجه‭ ‬برفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
ارتباك‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭: ‬هروباً‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬الباهظة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬أو‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬تضطر‭ ‬السفن‭ ‬لاتخاذ‭ ‬مسارات‭ ‬أطول‭ (‬مثل‭ ‬طريق‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح‭). ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الرحلة‭ ‬بنسبة‭ ‬30‭ %‬،‭ ‬وزيادة‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود،‭ ‬ونقصاً‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الحاويات‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭.‬
●‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭: ‬أصبحت‭ ‬مصافي‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬تدفع‭ ‬‮«‬ضريبة‭ ‬أمنية‮»‬‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭. ‬تأمين‭ ‬شحنات‭ ‬الطاقة‭ ‬أصبح‭ ‬يمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬معتبراً‭ ‬من‭ ‬السعر‭ ‬النهائي‭ ‬للبرميل،‭ ‬مما‭ ‬يضعف‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬للنفط‭.‬

سادساً‭: ‬التداعيات‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬والشحن‭ ‬الجوي

لم‭ ‬يكن‭ ‬قطاع‭ ‬الطيران‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الصدمة‭. ‬إن‭ ‬التحليق‭ ‬فوق‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬يتطلب‭ ‬الآن‭ ‬أقساط‭ ‬تأمين‭ ‬خاصة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬أخطار‭ ‬الحرب‭ ‬الجوية‮»‬‭.‬
●‭ ‬تغيير‭ ‬المسارات‭: ‬أدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬التأمين‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬ممرات‭ ‬جوية‭ ‬حيوية،‭ ‬مما‭ ‬أطال‭ ‬مدة‭ ‬الرحلات‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬بمعدل‭ ‬ساعتين‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يتبع‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬انبعاثات‭ ‬الكربون‭ ‬وتكاليف‭ ‬الصيانة‭.‬
●‭ ‬تأمين‭ ‬الطائرات‭ ‬على‭ ‬الأرض‭: ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬صاروخية‭ ‬أو‭ ‬بمسيرات‭ ‬جعلت‭ ‬تأمين‭ ‬الطائرات‭ ‬الرابضة‭ ‬في‭ ‬مطارات‭ ‬المنطقة‭ ‬يرتفع‭ ‬بشكل‭ ‬جنوني،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬لنقل‭ ‬أساطيلها‭ ‬إلى‭ ‬مطارات‭ ‬بديلة‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬أماناً‮»‬‭ ‬ليلاً‭.‬

سابعاً‭: ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬التأمين‭ ‬السيادي‮»‬‭ ‬والبدائل‭ ‬الحكومية

أمام‭ ‬عجز‭ ‬السوق‭ ‬الخاص‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬الضخمة،‭ ‬بدأنا‭ ‬نرى‭ ‬عودة‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬التدخلية‮»‬‭:‬
صناديق‭ ‬الضمان‭ ‬الحكومية‭: ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬صناديق‭ ‬سيادية‭ ‬لتأمين‭ ‬سفنهـا‭ ‬الوطنيــة،‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬السلع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬دون‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬‮«‬لويدز‮»‬‭ ‬المتقلب‭.‬
●‭ ‬التأمين‭ ‬المتبادل‭ (‬P&I Clubs‭): ‬زاد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نوادي‭ ‬الحماية‭ ‬والتعويض،‭ ‬وهي‭ ‬تجمعات‭ ‬لملاك‭ ‬السفن‭ ‬يشاركون‭ ‬المخاطر‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬النوادي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬لرفع‭ ‬اشتراكاتها‭ ‬بسبب‭ ‬ضغوط‭ ‬المعيدين‭.‬

ثامناً‭: ‬التكنولوجيا‭ ‬كحل‭.. ‬هل‭ ‬ينقذ‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬القطاع؟

في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد،‭ ‬يتجه‭ ‬القطاع‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬التأمين‭ ‬الرقمي‭ ‬الجيوسياسي‮»‬‭:‬
●‭ ‬التحليل‭ ‬التنبؤي‭: ‬استخدام‭ ‬الخوارزميات‭ ‬لتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬المفتوحة‭ (‬OSINT‭)‬،‭ ‬وصور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬وحركة‭ ‬القوات‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بالتصعيد‭ ‬قبل‭ ‬وقوعه‭ ‬بـ‭ ‬24‭-‬48‭ ‬ساعة،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بتعديل‭ ‬الأقساط‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭.‬
●‭ ‬العقود‭ ‬الذكية‭ (‬Blockchain‭): ‬يتم‭ ‬تطوير‭ ‬عقود‭ ‬تأمين‭ ‬تُفعل‭ ‬آلياً‭ ‬وتصرف‭ ‬التعويضات‭ ‬بمجرد‭ ‬وقوع‭ ‬‮«‬حدث‭ ‬أمني‮»‬‭ ‬موثق‭ ‬رقمياً،‭ ‬مما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬القانونية‭ ‬الطويلة‭ ‬بين‭ ‬المؤمن‭ ‬والمؤمن‭ ‬له‭.‬

تاسعاً‭: ‬السيناريوهات‭ ‬المستقبلية‭.. ‬أين‭ ‬يتوقف‭ ‬النزيف؟

نحن‭ ‬أمام‭ ‬ثلاثة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬محتملة‭ ‬لمستقبل‭ ‬التأمين‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭:‬
●‭ ‬السيناريو‭ ‬الأول‭ (‬التعايش‭ ‬المتوتر‭): ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلم‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬بقاء‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬دائمة‭ (‬High Plateau‭)‬،‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ضريبة‭ ‬جغرافية‮»‬‭ ‬ثابتة‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬
السيناريو‭ ‬الثاني‭ (‬الانفجار‭ ‬الشامل‭): ‬في‭ ‬حال‭ ‬اندلاع‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة،‭ ‬قد‭ ‬ينهار‭ ‬سوق‭ ‬التأمين‭ ‬الخاص‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬تدخلاً‭ ‬عسكرياً‭ ‬دولياً‭ ‬لتأمين‭ ‬الممرات،‭ ‬أو‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬تأمين‭ ‬دولي‭ ‬مدعوم‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭.‬
●‭ ‬السيناريو‭ ‬الثالث‭ (‬الاستقرار‭ ‬التقني‭): ‬نجاح‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬تحوط‭ ‬مالية‭ ‬معقدة‭ (‬مثل‭ ‬سندات‭ ‬الكوارث‭ ‬الجيوسياسية‭) ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬المستثمرين،‭ ‬مما‭ ‬يخفف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬الأقساط‭.‬

رجوع لأعلى