تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أوروبا‭ ‬تطلق‭ ‬تجربة‭ ‬واسعة‭ ‬لشفافية‭ ‬الأجور

أوروبا‭ ‬تطلق‭ ‬تجربة‭ ‬واسعة‭ ‬لشفافية‭ ‬الأجور

ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن القارة الأوروبية تستعد لإطلاق واحدة من أكبر التجارب العالمية في مجال شفافية الأجور، حيث ستتمكن ملايين النساء خلال الأشهر الثمانية عشر المقبلة من الاطلاع بصورة أوضح على مستوى المساواة في أجورهن مقارنة بالرجال داخل أماكن العمل. ويأتي ذلك في إطار توجيه جديد للاتحاد الأوروبي يجعل الإبلاغ عن فجوة الأجور بين الجنسين إلزامياً بالنسبة للشركات الكبرى.
وبحسب التقرير، تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن النساء في دول الاتحاد يحصلن في المتوسط على 0.88 يورو مقابل كل يورو واحد يحصل عليه الرجال. ويقيس هذا المؤشر الفجوة في الأجور بين الجنسين بناءً على الأجر بالساعة عبر مختلف المسميات الوظيفية ومستويات الأقدمية. وترى المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، أن تضييق هذه الفجوة يمكن أن يعزز الاستقلال الاقتصادي للمرأة، كما يسهم في تحسين القدرة التنافسية للشركات ورفع الإنتاجية في الاقتصاد الأوروبي ككل.
ووفقاً لما نقلته الصحيفة، سيدخل النظام الجديد حيز التنفيذ اعتباراً من يونيو 2027، حيث سيتعين على جميع المؤسسات التي تضم أكثر من 250 موظفاً في دول الاتحاد الأوروبي نشر بيانات سنوية توضح ما تدفعه للرجال والنساء، سواء على مستوى الأجور العامة أو في الوظائف المتشابهة. كما سيُطلب من الشركات التي تظهر لديها فجوة غير مبررة تتجاوز 5 % توضيح أسباب هذا التفاوت ووضع خطة لمعالجته وتقليصه.
لكن التقرير يشير إلى أن هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى قدرة التوسع في متطلبات الإبلاغ على تقليص الفجوة فعلياً بين أجور النساء والرجال. فالأدلة المتوافرة من الدول التي طبقت سياسات مماثلة حتى الآن تُظهر نتائج متباينة، بل إن بعض الدراسات رصدت آثاراً غير متوقعة لهذه السياسات.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن إيما دوشيني، الخبيرة في اقتصاديات فجوة الأجور بين الجنسين في جامعة إسكس، قولها إن تأثير هذه السياسات يختلف من دولة إلى أخرى، موضحة أن هناك دائماً عوامل دقيقة ومتداخلة تحدد نتائجها. وأضافت: «هناك اختلافات دقيقة في كل دولة، وبالتالي فإن آثار هذه السياسات لا تكون متطابقة في جميع الحالات».

القوى العاملة

كما نقل التقرير عن كاتي بينيت، مسؤولة تقارير القوى العاملة في شركة برايس ووترهاوس كوبرز في المملكة المتحدة، أن السؤال الأساسي الذي يطرحه الخبراء هو ما إذا كان الإبلاغ عن فجوة الأجور يمثل بالفعل أداة فعالة لإحداث التغيير المطلوب. وقالت: «يبقى السؤال دائماً: هل يؤدي الإبلاغ عن فجوة الأجور إلى تحفيز التغيير؟ يعتمد ذلك على ما إذا كنا نعتبر الفجوة مؤشراً مبكراً للتغيير أم مجرد انعكاس متأخر له».
وأشارت الصحيفة إلى أن بعض المؤشرات تبدو مشجعة، إذ تظهر البيانات أن فجوة الأجور بين الجنسين تقلصت منذ عام 2014 في 31 دولة من أصل 36 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تتوفر فيها بيانات قابلة للمقارنة. ووفق تحليل أجرته فايننشال تايمز، فإن الدول التي تطبق أنظمة إلزامية للإبلاغ عن فجوة الأجور تمكنت من تقليص الفجوة بنسبة 25 % في المتوسط، مقارنة بنحو 17 % فقط في الدول التي لا تطبق هذه الأنظمة.
وتشير بعض الأبحاث الأكاديمية إلى أن جزءاً من هذا التحسن قد يكون مرتبطاً مباشرة بإلزام الشركات بنشر بيانات الأجور. ففي المملكة المتحدة، التي كانت من أوائل الاقتصادات الكبرى التي طبقت نظام الإبلاغ الإلزامي، وجد الباحثون أن الشركات التي يزيد عدد موظفيها قليلاً على عتبة 250 موظفاً – وهي العتبة التي تستوجب الإبلاغ – تمكنت من تقليص فجوة الأجور بنسبة أكبر من الشركات الأصغر التي لا ينطبق عليها هذا الالتزام.
ويرى بعض الباحثين أن هذا الأمر يشير إلى فعالية ما يسمى بنهج «التشهير» أو الضغط العلني على الشركات التي لا تحقق تقدماً في تقليص الفجوة بين الجنسين في الأجور.

نتائج مشابهة

كما توصلت دراسات أخرى إلى نتائج مشابهة في دول مثل فرنسا وسويسرا والدنمارك. ففي الدنمارك، على سبيل المثال، تقلصت فجوة الأجور بشكل واضح في الشركات التي خضعت لقواعد الإبلاغ منذ تطبيقها عام 2006.
لكن في المقابل، وجدت دراسات أجريت في النمسا والسويد أن أنظمة الإبلاغ لم يكن لها تأثير ملحوظ أو مباشر على فجوة الأجور بين الجنسين في المؤسسات المعنية، وهو ما يعكس التباين الكبير في نتائج هذه السياسات.
وترى إيما دوشيني أن السبب وراء هذه الاختلافات يعود إلى تباين السياقات الاجتماعية والاقتصادية بين الدول، بما في ذلك الأدوار الاجتماعية السائدة وهيكل سوق العمل. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، كشفت دراسة أجريت عام 2018 أن نحو 75 % من فجوة الأجور بين الجنسين تعود إلى عوامل هيكلية مثل تركّز النساء في وظائف ذات أجور منخفضة.
كما تلعب اختلافات تصميم أنظمة الإبلاغ بين الدول دوراً مهماً في تحديد فعاليتها. وتقول إحدى الباحثات في هذا المجال إن السياسات لا يمكن تطبيقها بشكل موحد في سياقات مختلفة مع توقع تحقيق النتائج نفسها تلقائياً.
وعلى سبيل المثال، لا يُلزم أصحاب العمل في بعض الدول مثل السويد وألمانيا بنشر بيانات فجوة الأجور علناً. ففي ألمانيا، يتعين على الموظفين تقديم طلب رسمي للحصول على هذه المعلومات. ووفق تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2023، فإن مثل هذه القيود، إضافة إلى ضعف تطبيق القوانين في بعض الحالات، قد يقلل من التأثير الفعلي لسياسات الإبلاغ.
كذلك قد يؤدي نشر رقم إجمالي واحد لفجوة الأجور على مستوى الشركة – كما هو الحال في المملكة المتحدة – إلى إخفاء بعض التفاوتات الداخلية. ولهذا السبب تطبق دول أخرى، مثل أستراليا وفرنسا، أنظمة أكثر تفصيلاً تتطلب تصنيف البيانات حسب الفئة الوظيفية أو العمر أو عوامل أخرى.
كما أظهرت بعض الدراسات أن الإبلاغ عن فجوة الأجور قد يكشف أحياناً أنماطاً غير متوقعة. ففي المملكة المتحدة والدنمارك، على سبيل المثال، وجد باحثون في عامي 2019 و2023 أن معدل نمو أجور الرجال قد تباطأ، في حين لم ترتفع أجور النساء بالوتيرة المتوقعة. وتشير دوشيني إلى أن نشر البيانات قد يمنح بعض أصحاب العمل مبرراً لرفض زيادات الأجور للرجال.
وفيما يتعلق بالتوجيه الأوروبي الجديد بشأن شفافية الأجور، تشير فايننشال تايمز إلى أن التفاصيل المتعلقة بكيفية تحويل هذه المتطلبات إلى قوانين وطنية لا تزال غير واضحة بالكامل، إذ لم تنشر العديد من الدول حتى الآن مسودات تشريعاتها.
ومع ذلك، فإن قواعد الشفافية الجديدة تشكل جزءاً من حزمة أوسع من الإجراءات التي يعتزم الاتحاد الأوروبي تطبيقها لتعزيز المساواة في الأجور. وتشمل هذه الإجراءات إلزام إعلانات الوظائف بتحديد نطاقات الرواتب، إضافة إلى حظر سؤال المتقدمين للوظائف عن تاريخ أجورهم السابقة.
وترى كاتي بينيت من شركة برايس ووترهاوس كوبرز أن اعتماد هذا النهج الشامل يعد مؤشراً إيجابياً، موضحة أن معالجة الفجوة في الأجور تتطلب إصلاحات هيكلية طويلة الأمد. وأضافت: «إحداث تغييرات من هذا النوع يستغرق وقتاً طويلاً، والإبلاغ عن فجوة الأجور ليس بالتأكيد الحل الوحيد».
ورغم التحديات، يتوقع الباحثون أن تكون البيانات التي ستنتج عن القوانين الأوروبية الجديدة مصدر معلومات مهماً لنحو 200 مليون عامل مشمولين بهذه التشريعات، كما ستوفر للحكومات في مختلف أنحاء العالم مرجعاً مهماً عند دراسة ما إذا كان ينبغي تبني سياسات مماثلة، وكيفية تصميمها بطريقة أكثر فاعلية.

رجوع لأعلى