أوروبا تعيد رسم خريطة الغاز عبر شراكات جديدة وتشريعات لضمان أمن الطاقة
مع تصاعد التوتر في الأزمة الروسية-الأوكرانية وما رافقها من خطوات اتخذتها موسكو للحد من إمدادات الغاز المتدفقة إلى الأسواق الأوروبية، شرعت المفوضية الأوروبية في البحث عن بدائل عاجلة واستراتيجية للغاز الروسي. ويهدف هذا التوجه إلى تأمين احتياجات القارة على المديين القريب والبعيد، وتحقيق الهدف المعلن بالتحرر الكامل من الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2027.
وفي هذا السياق، كثّفت المفوضية الأوروبية وشركات الطاقة الكبرى في القارة، مثل إيني وتوتال إنرجيز، مفاوضاتها مع كبار المورّدين التقليديين كالنرويج والجزائر وأذربيجان لزيادة الإمدادات عبر خطوط الأنابيب القائمة في أقرب وقت ممكن. كما اتجهت أوروبا إلى رفع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من الولايات المتحدة، مستفيدة من بنيتها التحتية الواسعة التي تضم عدداً كبيراً من المرافئ المجهزة لاستقبال شحنات الغاز المسال.
وقد بدأت نتائج هذه الجهود بالظهور من خلال بيان مشترك صدر في مارس 2022 بين المفوضية الأوروبية والولايات المتحدة، أكد أهمية تعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وتضمّن البيان الاتفاق على تشكيل فريق عمل مشترك يقوده ممثلون من الجانبين لمعالجة عدد من الملفات، أبرزها:
التزام الولايات المتحدة، عبر التعاون مع شركائها الدوليين، بتوفير ما لا يقل عن 15 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا خلال عام 2022، مع العمل على زيادة هذه الكميات في السنوات التالية.
كما تعهّدت المفوضية الأوروبية بالعمل مع حكومات دول الاتحاد للإسراع في إصدار الموافقات اللازمة لتطوير البنية التحتية المخصّصة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، بما يشمل الموانئ البرية الثابتة ومحطات التغويز العائمة (FSRUs) وخطوط الأنابيب، بما يضمن جاهزية أسرع لاستقبال كميات أكبر من الإمدادات.
وفي إطار تعزيز أمن الإمدادات على المدى الطويل، أعلنت المفوضية دعمها لآليات التعاقدات الممتدة والشراكات مع الولايات المتحدة، بما يسهم في توفير بيئة استثمارية مستقرة تشجع على اتخاذ القرارات النهائية للاستثمار (FID) في مشاريع تصدير واستيراد الغاز الطبيعي المسال.
كما اتفقت المفوضية الأوروبية مع الدول الأعضاء على العمل لتأمين طلب إضافي مستقبلي على الغاز الأميركي بنحو 50 مليار متر مكعب سنوياً حتى عام 2030، على أن تعكس الأسعار مبادئ السوق القائمة على التوازن والاستدامة.
وقد سمح البيان المشترك مع الولايات المتحدة بتدفق متزايد لشحنات الغاز الطبيعي المسال الأميركي، حيث استغلت واشنطن الفرصة لتعويض التراجع الكبير في الإمدادات الروسية عبر الأنابيب، وتعزيز مكانتها كمورّد رئيسي للأسواق الأوروبية التي تواجه طلباً قوياً.
وفي إطار البحث عن مصادر بديلة، وقّعت المفوضية الأوروبية مذكرة تفاهم ثلاثية في القاهرة خلال يونيو 2022 مع كل من مصر وفلسطين المحتلة، تهدف إلى زيادة الإمدادات الأوروبية عبر نقل كميات إضافية من غاز شرق المتوسط إلى منشآت الإسالة المصرية في دمياط وإدكو، التي تعمل دون طاقتها القصوى. ويقضي الاتفاق بتسييل الغاز في هذه المنشآت ومن ثم إعادة تصديره عبر الناقلات إلى السوق الأوروبية، على أن يستمر العمل بالمذكرة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائياً لعامين.
كما أصدرت المفوضية الأوروبية ووزارة البترول والطاقة في النرويج بياناً مشتركاً في الشهر ذاته، جدد التأكيد على أهمية النرويج كمصدر آمن وموثوق لإمدادات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي. وتضمّن الاتفاق تعزيز التعاون بين الجانبين بهدف زيادة صادرات الغاز النرويجية على المديين القريب والبعيد، وبما يسهم في الحد من الضغوط السعرية التي تواجه الأسواق الأوروبية.
وفي العاصمة باكو، وقّعت المفوضية الأوروبية في يوليو 2022 مذكرة تفاهم مع أذربيجان تهدف إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين في مجال الطاقة. وشملت المذكرة التزاماً واضحاً بمضاعفة صادرات الغاز الأذربيجاني إلى الاتحاد الأوروبي عبر «ممر الغاز الجنوبي» لتصل إلى 20 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027، دعماً لجهود أوروبا الرامية إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي.
وأكدت أذربيجان استعدادها لرفع صادراتها من الغاز من 8.1 مليار متر مكعب في عام 2021 إلى 12 مليار متر مكعب في عام 2022، مع زيادتها تدريجياً للوصول إلى الهدف المعلن البالغ 20 مليار متر مكعب سنوياً مع نهاية 2027.
وبتوقيع هذه المذكرة، يرتفع عدد الاتفاقيات التي أبرمتها المفوضية الأوروبية منذ بدء الأزمة الروسية–الأوكرانية إلى أربع اتفاقيات رئيسية، تستهدف جميعها تعزيز مصادر الإمداد البديلة وتقليص مخاطر تراجع تدفقات الغاز الروسي.
وفي موازاة هذه التحركات الخارجية، اتخذت المفوضية الأوروبية سلسلة من الإجراءات التنظيمية الداخلية لضمان أمن إمدادات الغاز خلال شتاء 2022/2023، والعمل على تخفيف الضغط على الطلب ودعم مستويات التخزين. وشملت هذه الخطوات:
1. اللائحة التنظيمية (1023/2022 EU) الخاصة بمستويات التخزين
ألزمت دول الاتحاد الأوروبي ببلوغ معدل ملء للمخزونات لا يقل عن 80 % بحلول 1 نوفمبر 2022، قبل أن يرتفع الحد الأدنى إلى 90 % سنوياً حتى نهاية ديسمبر 2025، لضمان توفر احتياطات كافية خلال فترات الذروة الشتوية.
2. اللائحة التنظيمية (1369/2022 EU) لتقليل الطلب على الغاز
دعت إلى خفض استهلاك الغاز بنسبة 15 % خلال الفترة من أغسطس 2022 حتى مارس 2023 مقارنة بمتوسط السنوات الخمس السابقة، وتم تمديد العمل بها مرتين لتستمر حتى مارس 2025.
3. اللائحة التنظيمية (2576/2022 EU) لدعم التضامن بين الدول الأعضاء
نصت على تنفيذ أول تجربة مشتركة لخطة الطوارئ الأوروبية، وتعزيز تدفق الغاز عبر الحدود لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء. كما أسست لآلية الشراء المشترك للغاز، التي وافق عليها مجلس وزراء الاتحاد في ديسمبر 2022، بحيث تلتزم الدول بشراء ما لا يقل عن 15 % من احتياجات مخزونها عبر هذه الآلية.
وإلى جانب هذه اللوائح، اعتمد المجلس الأوروبي في ديسمبر 2022 آلية مؤقتة لضبط ارتفاع أسعار الغاز حسب مؤشر TTF الهولندي، بعدما لامست الأسعار مستوى 346 يورو/ميجاوات ساعة في أغسطس 2022. وتهدف الآلية إلى حماية المستهلكين والأسواق من التقلبات الحادة، وتُفعَّل عند تحقق شرطين معاً:
● تجاوز أسعار العقود المستقبلية لمؤشر TTF مستوى 180 يورو/ميجاوات ساعة لمدة ثلاثة أيام عمل متتالية.
● أن تزيد هذه الأسعار بنحو 35 يورو/ميجاوات ساعة عن أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية خلال الفترة ذاتها.
وتُعطّل الآلية بعد 20 يوم عمل إذا انخفضت الأسعار دون هذا المستوى. ورغم دخولها حيز التنفيذ في فبراير 2023، إلا أنه لم يتم تفعيلها فعلياً، نظراً لتحسن المعروض وتوافر شحنات الغاز المسال، إضافة إلى اعتدال درجات الحرارة خلال الشتاء، ما خفّف الضغط على الطلب.