أوروبا في قلب سباق الغاز وسط تحولات درامية في خريطة الإمدادات العالمية
تعكس هذه الإجراءات حجم القلق الذي خيّم على الأسواق الأوروبية مع تراجع تدفقات الغاز الروسي، والسعي المستمر لتجنب أي أزمة محتملة في الإمدادات خلال فصل الشتاء، الذي يشهد عادةً ذروة الطلب على الغاز داخل أوروبا.
تطورات سوق الغاز في الاتحاد الأوروبي بعد تراجع الدور الروسي
تغيّر هيكل الواردات
أدت الخطوات التي اتخذتها المفوضية الأوروبية إلى إحداث تحول جوهري في سوق الغاز داخل الاتحاد، سواء من حيث معدلات الاستهلاك أو مزيج الإمدادات، بعد الانخفاض الحاد في الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب.
فعلى مستوى الاستهلاك، تراجع إجمالي استهلاك الغاز في دول الاتحاد الأوروبي (EU-27) خلال عام 2022 إلى 356 مليار متر مكعب، بانخفاض نسبته 13.8 % مقارنة بعام 2021 الذي بلغ فيه الاستهلاك 413 مليار متر مكعب. ومع استمرار تطبيق إجراءات خفض الطلب الطوعي على الغاز الموصى بها للدول الأعضاء، إلى جانب الشتاء الدافئ نسبياً في عام 2023 الذي قلل الحاجة للتدفئة، واصل الاستهلاك تراجعه ليصل إلى 330 مليار متر مكعب في 2023، بانخفاض 7.3 % عن 2022، وبنحو 20 % مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة الروسية-الأوكرانية.
أما على صعيد الواردات، فقد بدأت كميات الغاز الروسي المنقولة عبر الأنابيب في الانخفاض منذ الربع الأول من عام 2022، حيث سجلت 26.4 مليار متر مكعب، قبل أن تتراجع إلى 22 مليار متر مكعب في الربع الثاني مع توقف خط Yamal-Europe. وبلغت الإمدادات مستوى تاريخياً متدنياً مع توقف خط نورد ستريم مطلع سبتمبر 2022، لتصل إلى 9.6 مليار متر مكعب في الربع الثالث، ثم تراجعت أكثر في الربع الرابع بعد توقف الخط الذي كان يوفّر وحده نحو نصف صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، لتسجل الواردات 6.8 مليار متر مكعب فقط.
بنهاية عام 2022، وصلت صادرات روسيا من الغاز عبر الأنابيب إلى الاتحاد الأوروبي (EU-27) إلى مستوى تاريخي منخفض، مسجلة 64.9 مليار متر مكعب فقط، مقارنة بـ140 مليار متر مكعب في عام 2021، أي بتراجع بلغ 53 %. أما في عام 2023، ومع استمرار توقف خطوط التصدير الرئيسية، مثل نورد ستريم ويامال–أوروبا، فقد هبطت الصادرات إلى 27.3 مليار متر مكعب، أي أقل بنسبة تفوق 80 % عن مستويات 2021.
ورغم هذا الانهيار في صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب، تمكنت موسكو من فتح نافذة محدودة لتعويض جزء بسيط من حصتها السوقية من خلال زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال، مستفيدة من الارتفاع الكبير في الطلب الأوروبي على هذا النوع من الوقود. ففي عام 2022، ارتفعت صادرات الغاز المسال الروسي إلى الاتحاد الأوروبي إلى 19 مليار متر مكعب، مقارنة بـ14 مليار متر مكعب في 2021. ورغم تراجعها إلى 18 مليار متر مكعب في عام 2023، فإنها بقيت أعلى من مستويات ما قبل اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية.
وعند جمع صادرات الغاز عبر الأنابيب والغاز المسال، بلغ إجمالي ما وصل من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2022 نحو 83.9 مليار متر مكعب، بتراجع 46 % عن العام السابق. ثم واصل هذا الإجمالي انخفاضه ليسجل 45.3 مليار متر مكعب في 2023، أي أقل بأكثر من 70 % مقارنة بعام 2021، ما يبرز نجاح الاتحاد الأوروبي في خفض اعتماده على الغاز الروسي بأكثر من الثلثين، وإن تحقق ذلك فعليًا في عام 2023 وليس 2022 كما كان مخططاً.
وفي تلك الفترة، اتجهت الأسواق الأوروبية إلى تكثيف وارداتها من شحنات الغاز الطبيعي المسال الفورية لتعويض الانخفاض في الإمدادات الروسية، مستفيدة من الاستثمارات الضخمة التي ضُخت على مدى عقود في تطوير البنية التحتية لاستقبال الغاز المسال. إذ تمتلك أوروبا اليوم أكثر من 20 مرفأ ضخماً لاستقبال الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى العديد من المشاريع الجديدة التي لا تزال قيد الإنشاء.
استفادت الولايات المتحدة بشكل كبير من التحول الأوروبي نحو الغاز الطبيعي المسال، بفضل امتلاكها محطات ضخمة للإسالة تُعد من الأكبر عالمياً. ففي عام 2022 ارتفعت صادراتها إلى أوروبا إلى 50.1 مليار متر مكعب، مقارنة بـ18.9 مليار متر مكعب في عام 2021، أي بزيادة قدرها 31.2 مليار متر مكعب، متجاوزة بذلك الهدف المتفق عليه في البيان الأميركي–الأوروبي الصادر في فبراير 2022، والذي كان يقضي بزيادة الإمدادات الأميركية بما لا يقل عن 15 مليار متر مكعب خلال العام نفسه. وواصلت الولايات المتحدة تعزيز حضورها داخل السوق الأوروبية في 2023، لتصل صادراتها إلى 56.3 مليار متر مكعب، متخطية للمرة الأولى تاريخياً حجم الصادرات الروسية إلى دول الاتحاد الأوروبي.
وفي مقابل الانخفاض الحاد في الإمدادات الروسية، شهدت دول الاتحاد الأوروبي نمواً في وارداتها من مصادر أخرى، على رأسها النرويج التي صدرت 89.7 مليار متر مكعب في عام 2022 مقارنة بـ79.5 مليار متر مكعب في 2021، فيما استقرت الإمدادات عند 87.8 مليار متر مكعب في 2023. كما رفعت أذربيجان صادراتها إلى أوروبا لتصل إلى 11.3 مليار متر مكعب في 2022، ثم إلى 11.4 مليار متر مكعب في 2023، مقابل 8.8 مليار متر مكعب في 2021، وفق بيانات المفوضية الأوروبية.
وقد انعكست هذه التحولات بوضوح على مزيج واردات الغاز داخل الاتحاد الأوروبي. فبعد أن كان الغاز الطبيعي المسال يشكل نحو 20 % من إجمالي الواردات في عام 2021، مقابل 41 % للغاز الروسي عبر الأنابيب، تضاعفت حصة الغاز المسال لتصل إلى 42 % في عام 2023، بينما تراجعت حصة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب إلى 8 % فقط، وفق أحدث بيانات المفوضية الأوروبية لعام 2024.
تطور أسعار الغاز نتيجة تراجع الإمدادات الروسية وانعكاساتها على فاتورة الواردات
على مدى العقد الذي سبق اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية مطلع عام 2022، تراوحت أسعار الغاز في أوروبا، وفق مؤشر TTF الهولندي (المؤشر المرجعي للأسعار الأوروبية)، بين 5 و35 يورو لكل ميجاوات ساعة. غير أن المشهد تغيّر جذرياً مع بداية الأزمة وما رافقها من اضطرابات شديدة في تدفقات الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية، ما أدى إلى قفزات حادّة وغير مسبوقة في الأسعار، وسط مخاوف من عدم كفاية الإمدادات قبيل شتاء 2022/2023، وهو الاختبار الأصعب الذي واجهته أوروبا منذ عقود في ما يتعلق بأمن الطاقة.