إبرام عقود التحكيم في الشركات ذات المسؤولية المحدودة
لا خلاف على أن الاتفاق على التحكيم يعد من أعمال التصرف التي تتطلب وكالة خاصة وفقاً لأحكام القانون المدني. غير أن الأمر يختلف حين يتعلق بالأشخاص الاعتبارية، لا سيما الشركات التجارية، حيث يتطلب النظر في هذه المسألة دقة وشمولية أكبر، خصوصاً لوجود قوانين خاصة تنظم تصرفات الإدارة ومهامها لكافة أنواع الشركات.
في هذا السياق، نركز على إدارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة كونها الأكثر انتشاراً، وغالباً ما ينشأ جدل حول صحة توقيع مديرها على شرط التحكيم. هناك استقرار قضائي على بطلان شرط التحكيم الموقَّع من قبل مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة إذا لم يكن المدير مخولاً بتفويض خاص من الجمعية العامة، ولم ينص عقد التأسيس صراحة على منحه هذه الصلاحية.
إلا أن العديد من الآراء الفقهية تختلف مع هذا التوجه القضائي، وظهر هذا الخلاف بشكل واضح بعد صدور القانون رقم (25) لسنة 2012 بشأن الشركات، وما تلاه من القانون رقم (1) لسنة 2016.
ومن وجهة نظرنا، حتى في ظل القانون رقم (15) لسنة 1960 (الذي ألغي لاحقاً)، لا يجب إبطال شرط التحكيم إلا إذا كان عقد التأسيس يحظر صراحة توقيع المدير على مثل هذا الشرط، وهو ما يتوافق مع نص المادة (203) من القانون السابق، والتي نصت على أن:
«يعين عقد التأسيس سلطة المديرين، فإذا سكت كان لمدير الشركة سلطة كاملة في النيابة عنها، وكل قرار يصدر من الجمعية العامة للشركاء بتقييد سلطة المديرين أو بتغييرهم لا يسري في حق الغير إلا بعد التأشير في السجل التجاري وفقاً لأحكام القانون.»
كما جاء في المادة (105) من القانون رقم (1) لسنة 2016:
«إذا لم تحدد سلطات مدير الشركة في عقد الشركة أو في القرار الصادر عن الجمعية العامة بتعيينه، كان للمدير سلطة كاملة في القيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة.»
وبناءً على ذلك، فإن الجمعية العامة ملزمة بتحديد اختصاصات المدير في عقد التأسيس أو قرار التعيين، لا سيما فيما يتعلق بأعمال التصرف الأساسية، مثل بيع أو رهن عقارات الشركة، وإعطاء الكفالات والقروض، والاتفاق على التحكيم.
سلطة المدير في إبرام عقود التحكيم
إذا لم تحظر الجمعية العامة بعض التصرفات في عقد التأسيس، فإن القاعدة المتعارف عليها هي أن الأصل في الأمور الإباحة. ونصوص القانون واضحة في منح مدير الشركة سلطة كاملة للقيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة.
وعليه، إذا كان العقد لازماً لتحقيق أغراض الشركة ويتضمن شرط تحكيم، فمن المنطقي أن يكون المدير مخولاً بالتوقيع عليه، ما لم ينص عقد التأسيس على العكس. هذا ما تؤكده الفقهية الحديثة، التي ترى أن:
«ينبغي تعيين سلطة المديرين في عقد التأسيس، فإذا لم تُحدد، يكون للمدير سلطة كاملة لإدارة الشركة وإجراء جميع التصرفات اللازمة لتحقيق أغراضها. وأي تقييد لهذه السلطة، مثل بيع أو رهن عقارات الشركة، أو الاقتراض، أو الكفالات، يجب أن يُقيد ويُشهر في السجل التجاري قبل الاحتجاج به أمام الغير.»
ويشير الفقه إلى أن عدم تحديد صلاحيات المدير في عقد التأسيس نادر، إذ تُعد هذه الصلاحيات من متطلبات العقد في ظل القانون الحالي، بما يضمن وضوح نطاق أعمال المدير وصلاحياته.
(الوسيط في شرح قانون الشركات الكويتي، د. طعمة الشمري ود. عبد الله الحيان، 2013، ص. 204، 486)
آراء فقهية حول سلطة المدير في الشركة ذات المسؤولية المحدودة
الرأي الأول:
سلطات المدير تحددها مواد عقد التأسيس، فإذا أغفل العقد ذلك، يكون للمدير سلطة كاملة لمباشرة جميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة، بما يشمل البيع والرهن والإدارة وعقد القروض وسحب الأوراق التجارية، طالما لم تُخالف هذه التصرفات أحكام القانون أو أغراض الشركة.
(المرجع: أحكام قانون الشركات الكويتي رقم 1 لسنة 2016، دراسة مقارنة – ص. 914)
الرأي الثاني:
في حال لم تُحدد سلطات المدير في عقد التأسيس أو قرار الجمعية العامة، يكون له السلطة الكاملة للقيام بجميع الأعمال القانونية بما لا يتعارض مع عقد التأسيس أو عرف الشركة، مع الالتزام بواجب الأمانة والنزاهة وعدم إساءة استخدام أموال الشركة.
(المرجع: شرح قانون الشركات التجارية رقم 25 لسنة 2012 – ص. 346)
الرأي الثالث:
الأصل أن يحدد عقد التأسيس صلاحيات المديرين، وإذا خلت الوثائق من هذا التحديد، يكون للمديرين سلطة كاملة في النيابة عن الشركة، بما يشمل الأعمال التي تتطلب عادة موافقة الجمعية العامة أو وكالة خاصة، مثل التحكيم والصلح والإقرارات والتبرعات، فضلاً عن الأعمال العادية كبيع وشراء لتحقيق أغراض الشركة، شريطة أن تكون التصرفات باسم الشركة وتخدم أغراضها.
(المرجع: قانون الشركات التجارية الكويتي المقارن – أ.د. أحمد الملحم، ص. 1233)
وتتوافق هذه الآراء مع المبادئ المنطقية للتجارة السريعة وحسن النية في العقود، وتؤكد أنه إذا حظرت الجمعية العامة بعض التصرفات ولم تُنص على غيرها، يكون للمدير سلطة كاملة في إبرام التصرفات غير المحظورة، بما يعكس قاعدة عالمية في التحكيم تعرف بـ الاستوبل (estoppel)، التي تمنع الشخص من التناقض مع أفعاله السابقة بما يضر الآخرين، لضمان استقرار المعاملات وحماية التوقعات المشروعة للأطراف.
تطبيق قاعدة منع التناقض
وإعمالها في التحكيم والشركات
في توجه محمود أمام محكمة النقض المصرية، تم تطبيق قاعدة منع التناقض إضراراً بالغير (الاستوبل – estoppel)، حيث قضت المحكمة بأن:
«الطرف الذي تسبب بفعله في مخالفة اتفاق التحكيم أو أي قانون آخر، ولا يجوز له بعد أن تعامل الطرف الآخر اعتماداً على صحة ما صدر عنه، أن ينقض ما تم على يديه. ويجوز للقاضي تطبيق هذه القاعدة بموجب المادة (2) من القانون المدني، إذا لم يوجد نص تشريعي صريح، بالاعتماد على العرف أو مبادئ الشريعة أو العدالة.»
(طعن بالنقض رقم 18309 لسنة 89، جلسة 27/10/2020)
وينطبق هذا المبدأ على جميع المعاملات وليس التحكيم فقط، ويتيح للقاضي تقدير مدى توافر شروط تطبيقه حسب ظروف كل دعوى.
وقد حاول قانون الشركات الكويتي رقم 1 لسنة 2016، من خلال المادة (21)، حماية الأطراف حسن النية الذين أبرموا تصرفات مع مديري الشركات ذات المسؤولية المحدودة، بحيث تلتزم الشركة بهذه التصرفات حتى لو تجاوز المدير حدود صلاحياته، ما لم يكن المتصرف يعلم أو كان في مقدوره أن يعلم بتجاوز المدير للصلاحيات.