إدارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة وآليات التصرّف القانوني والتحكيم
تعد مسألة توقيع مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة على شرط التحكيم من القضايا القانونية الحيوية التي تثير جدلاً بين الفقه والقضاء. فبينما يُعد الاتفاق على التحكيم من التصرفات التي تتطلب عادةً وكالة خاصة وفقاً لأحكام القانون المدني، تتخذ الأمور منحى أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الاعتبارية، وخصوصاً الشركات التجارية، حيث يخضع تصرف المديرين لقوانين خاصة تحدد مهامهم وصلاحياتهم بدقة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التركيز على الشركة ذات المسؤولية المحدودة، كونها الشكل القانوني الأكثر انتشاراً، وغالباً ما يُثار حول صلاحيات إدارتها في توقيع شرط التحكيم بعد إبرامه جدل قضائي وفكري واسع. فقد استقر القضاء على بطلان شرط التحكيم إذا لم يكن المدير يمتلك تفويضاً خاصاً من الجمعية العامة، أو إذا لم ينص عقد التأسيس صراحة على أحقيته في توقيع هذا النوع من الاتفاقيات.
ومع ذلك، ثمة اختلاف في الآراء الفقهية حول هذا الموضوع، خاصة بعد صدور القوانين الحديثة للشركات، ما جعل التفسيرات أكثر تنوعاً ومرونة. ويظهر من خلال قراءة النصوص القانونية السابقة أن إبطال شرط التحكيم ليس أمراً مطلقاً، بل يرتبط بحظر صريح من عقد التأسيس على توقيع المدير لهذا الشرط، وهو ما يتوافق مع نص المادة التي نصت على:
«يعين عقد التأسيس سلطة المديرين، فإذا سكت كان لمدير الشركة سلطة كاملة في النيابة عنها، وكل قرار يصدر من الجمعية العامة للشركاء بتقييد سلطة المديرين أو بتغييرهم لا يسري في حق الغير إلا بعد التأشير في السجل التجاري وفقاً لأحكام القانون.»
وكذلك نص القانون الحديث:
«إذا لم تُحدد سلطات مدير الشركة في عقد الشركة أو في القرار الصادر عن الجمعية العامة للشركاء بتعيينه، كان للمدير سلطة كاملة في القيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة.»
وعليه، فإن الجمعية العامة للشركة ملزمة بتحديد اختصاصات المدير في عقد التأسيس أو قرار التعيين، خاصة فيما يتعلق بأعمال التصرف الجوهرية مثل بيع أو رهن ممتلكات الشركة، ومنح الكفالات والقروض، وتوقيع اتفاقيات التحكيم. وفي حال لم تمنع الجمعية العامة هذه التصرفات، يكون الأصل هو جوازها وفق قاعدة الإباحة، بما يتوافق مع نصوص القانون التي تمنح المدير سلطة كاملة لتحقيق أغراض الشركة.
وبناءً عليه، إذا كان العقد المبرم ضرورياً لتحقيق أغراض الشركة وتضمن شرط التحكيم، فمن المنطقي أن يكون توقيع المدير خاضعاً لسلطته الكاملة طالما أن عقد التأسيس لم يحظر عليه إبرام مثل هذه العقود، وهو ما أكدته الفقهية الحديثة التي ذهبت إلى:
الرأي الأول:
«ينبغي تحديد سلطة مدير الشركة في عقد تأسيسها، فإذا لم يتم ذلك، فإن للمدير سلطة كاملة في إدارة الشركة وإجراء جميع التصرفات لتحقيق أغراضها. ويجب تفسير عبارة «سلطة كاملة» على أنها تعني قدرة المدير على العمل والتصرف دون قيود، ويكون على الجمعية العامة إذا رغبت في تقييد هذه السلطة أن تقوم بتقييد أو شهر قرارها في السجل التجاري، ولا يجوز الاحتجاج به أمام الغير قبل الشهر.»
«ولا يمكن تصور عدم تحديد عقد الشركة أو نطاقه للحدود والصلاحيات، حيث أن صلاحيات المدير وسلطاته من متطلبات عقد التأسيس في ظل القانون الحالي للشركات.»
(الوسيط في شرح قانون الشركات، طبعة سبتمبر 2013، ص 204، 486)
الرأي الثاني:
«تتحدد سلطات المدير وفقاً لعقد التأسيس، فإذا أغفل العقد ذلك، يكون للمدير سلطة كاملة للقيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة. ويترتب على ذلك أن المدير يمكنه مباشرة كافة الأعمال القانونية التي لا تتعارض مع غرض الشركة أو تؤثر على كيانها كشخص معنوي، بما في ذلك البيع والرهن لأموال الشركة عند الضرورة، وأعمال الإدارة العامة، وعقد القروض وسحب الأوراق التجارية. وتظل أعماله صحيحة وملزمة للشركة طالما أن الغرض الذي أنشئت من أجله الشركة قد تحقق ولم يخالف القانون.»
الرأي الثالث:
«إذا لم تُحدد سلطات المدير في عقد الشركة أو في القرار الصادر عن الجمعية العامة للشركاء بتعيينه، يكون له سلطة كاملة للقيام بجميع الأعمال والتصرفات اللازمة لتحقيق أغراض الشركة، ومن ثم يمتلك السلطة الكاملة للنيابة عن الشركة في كافة الأعمال القانونية التي لا تتعارض مع عقد التأسيس وعرف الشركة، وبما يتطلبه واجب الأمانة والنزاهة وعدم إساءة استعمال أموال الشركة.»
الرأي الرابع:
«القاعدة العامة أن يحدد عقد التأسيس سلطات المدير، وإذا غفل العقد عن ذلك، يكون للمدير سلطات كاملة في النيابة عن الشركة. وتوضح القوانين الحديثة أن الأصل العام في الشركة ذات المسؤولية المحدودة، أنه إذا لم يحدد عقد التأسيس سلطة المديرين، تكون لهم سلطة كاملة في إدارة الشركة وتنفيذ الأعمال التي تحقق أغراضها، بما في ذلك الأعمال التي تتطلب موافقة الجمعية العامة في شركات المساهمة، كالاقتراض والرهن وإعطاء الكفالات، وكذلك الأعمال التي تتطلب وكالة خاصة مثل الصلح والتحكيم، فضلاً عن الأعمال العادية للإدارة مثل البيع والشراء لتحقيق أغراض الشركة، على أن يتم التصرف باسم الشركة وبما يحقق أغراضها دون الإخلال بالتزام المدير تجاه الشركة.»
في هذه الحالة، يُرجَّح العودة إلى القاعدة العامة التي تعتبر الأصل في الأشياء الإباحة، مع ربط ذلك بالنصوص التي تُلزم الجمعية العامة للشركة بتحديد صلاحيات المدير في عقد التأسيس أو قرار التعيين. وبالتالي، إذا حظرت الجمعية العامة بعض أعمال التصرف ضمن عقد التأسيس وسكتت عن الأخرى، يكون لمدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة كامل السلطة في إبرام التصرفات التي لم يُنص على حظرها.
كما أن عدم قيام الجمعية العامة بتحديد التصرفات المحظورة بدقة يُعد تقصيراً من جانبها في تطبيق أحكام القانون، ولا يجوز أن تستفيد الجمعية العامة من هذا التقصير، إذ ليس من المنطقي أن يستفيد المخطئ من خطأه.
وهذا التوجه يتماشى مع قاعدة عالمية متعارف عليها في مجال التحكيم تُعرف بـ (الاستوبل) (estoppel) أو قاعدة الإغلاق الحكمية، وهي قاعدة راسخة في مجال الإجراءات المدنية والعقود، وخصوصاً في القوانين الأنجلوسكسونية، وهدفها تحقيق استقرار المعاملات وحماية التوقعات المشروعة للأطراف. تنص القاعدة على أنه لا يجوز للشخص أن يناقض أقواله أو أفعاله بما يسبب ضرراً للغير، أي أن من سعى في نقض ما تم على يده يكون فسعيه مردوداً عليه.
وقد طبق هذا المبدأ في بعض الأحكام القضائية، إذ تقرر أنه:
«الطرف الذي يتسبب بفعله في حدوث مخالفة لاتفاق التحكيم أو لأي قانون آخر، لا يجوز له – بعد أن تعامل الطرف الآخر اعتماداً على صحة ما صدر عنه – أن ينقض ما تم على يده، طبقاً للقاعدة العالمية المستمدة من القانون الروماني (non concedit venire contra factum proprium)، أي منع التناقض إضراراً بالغير، والمعروفة بقاعدة الاستوبل (estoppel). وعلى الرغم من غياب نص تشريعي صريح، يجوز للقاضي تطبيقها استناداً إلى المبادئ العامة للقانون المدني، أو العرف، أو مبادئ الشريعة الإسلامية، أو مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، وفقاً للظروف الواقعية لكل دعوى.»
ويجدر بالذكر أن القوانين الحديثة للشركات حاولت إضفاء حماية على الأطراف التي تتعامل بحسن نية مع مديري الشركات ذات المسؤولية المحدودة، بحيث تلتزم الشركة بالأعمال والتصرفات التي يجريها مديرها حتى وإن تجاوز القيود المنصوص عليها في عقد التأسيس، ما لم يُثبت أن الطرف المتعامل كان يعلم أو كان في مقدوره أن يعلم أن المدير يتجاوز الصلاحيات الممنوحة له.
إنّ فهم حدود صلاحيات المدير في الشركة ذات المسؤولية المحدودة وسبل حماية الأطراف المتعاملة معه ليس مجرد مسألة قانونية، بل هو أساس لضمان استقرار الأعمال وحسن إدارة المعاملات. فالالتزام بالقوانين والضوابط، واعتبار مبادئ حسن النية والاستوبل عند توقيع العقود، يعزز الثقة بين الأطراف ويحد من النزاعات المحتملة، ويتيح للشركة أداء أعمالها بفعالية دون أن تهدد المخاطر القانونية مسارها الطبيعي.