تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة‭ ‬وآليات‭ ‬التصرّف‭ ‬القانوني‭ ‬والتحكيم

DT32

تعد‭ ‬مسألة‭ ‬توقيع‭ ‬مدير‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة‭ ‬على‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬القانونية‭ ‬الحيوية‭ ‬التي‭ ‬تثير‭ ‬جدلاً‭ ‬بين‭ ‬الفقه‭ ‬والقضاء‭. ‬فبينما‭ ‬يُعد‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬التحكيم‭ ‬من‭ ‬التصرفات‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬عادةً‭ ‬وكالة‭ ‬خاصة‭ ‬وفقاً‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭ ‬المدني،‭ ‬تتخذ‭ ‬الأمور‭ ‬منحى‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالأشخاص‭ ‬الاعتبارية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية،‭ ‬حيث‭ ‬يخضع‭ ‬تصرف‭ ‬المديرين‭ ‬لقوانين‭ ‬خاصة‭ ‬تحدد‭ ‬مهامهم‭ ‬وصلاحياتهم‭ ‬بدقة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة،‭ ‬كونها‭ ‬الشكل‭ ‬القانوني‭ ‬الأكثر‭ ‬انتشاراً،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يُثار‭ ‬حول‭ ‬صلاحيات‭ ‬إدارتها‭ ‬في‭ ‬توقيع‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬بعد‭ ‬إبرامه‭ ‬جدل‭ ‬قضائي‭ ‬وفكري‭ ‬واسع‭. ‬فقد‭ ‬استقر‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬بطلان‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المدير‭ ‬يمتلك‭ ‬تفويضاً‭ ‬خاصاً‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ينص‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬أحقيته‭ ‬في‭ ‬توقيع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاتفاقيات‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ثمة‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬الآراء‭ ‬الفقهية‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬القوانين‭ ‬الحديثة‭ ‬للشركات،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬التفسيرات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬ومرونة‭. ‬ويظهر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‭ ‬السابقة‭ ‬أن‭ ‬إبطال‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬ليس‭ ‬أمراً‭ ‬مطلقاً،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬بحظر‭ ‬صريح‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬المدير‭ ‬لهذا‭ ‬الشرط،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬نص‭ ‬المادة‭ ‬التي‭ ‬نصت‭ ‬على‭:‬
‮«‬يعين‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬سلطة‭ ‬المديرين،‭ ‬فإذا‭ ‬سكت‭ ‬كان‭ ‬لمدير‭ ‬الشركة‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬النيابة‭ ‬عنها،‭ ‬وكل‭ ‬قرار‭ ‬يصدر‭ ‬من‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للشركاء‭ ‬بتقييد‭ ‬سلطة‭ ‬المديرين‭ ‬أو‭ ‬بتغييرهم‭ ‬لا‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الغير‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬التأشير‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬التجاري‭ ‬وفقاً‭ ‬لأحكام‭ ‬القانون‭.‬‮»‬

وكذلك‭ ‬نص‭ ‬القانون‭ ‬الحديث‭:‬
‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُحدد‭ ‬سلطات‭ ‬مدير‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للشركاء‭ ‬بتعيينه،‭ ‬كان‭ ‬للمدير‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬القيام‭ ‬بجميع‭ ‬الأعمال‭ ‬والتصرفات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة‭.‬‮»‬
وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للشركة‭ ‬ملزمة‭ ‬بتحديد‭ ‬اختصاصات‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬أو‭ ‬قرار‭ ‬التعيين،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بأعمال‭ ‬التصرف‭ ‬الجوهرية‭ ‬مثل‭ ‬بيع‭ ‬أو‭ ‬رهن‭ ‬ممتلكات‭ ‬الشركة،‭ ‬ومنح‭ ‬الكفالات‭ ‬والقروض،‭ ‬وتوقيع‭ ‬اتفاقيات‭ ‬التحكيم‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬لم‭ ‬تمنع‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬هذه‭ ‬التصرفات،‭ ‬يكون‭ ‬الأصل‭ ‬هو‭ ‬جوازها‭ ‬وفق‭ ‬قاعدة‭ ‬الإباحة،‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬نصوص‭ ‬القانون‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المدير‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة‭.‬
وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العقد‭ ‬المبرم‭ ‬ضرورياً‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة‭ ‬وتضمن‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم،‭ ‬فمن‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬توقيع‭ ‬المدير‭ ‬خاضعاً‭ ‬لسلطته‭ ‬الكاملة‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬لم‭ ‬يحظر‭ ‬عليه‭ ‬إبرام‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العقود،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬الفقهية‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭:‬

الرأي‭ ‬الأول‭:‬

‮«‬ينبغي‭ ‬تحديد‭ ‬سلطة‭ ‬مدير‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬تأسيسها،‭ ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬للمدير‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬وإجراء‭ ‬جميع‭ ‬التصرفات‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراضها‭. ‬ويجب‭ ‬تفسير‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬سلطة‭ ‬كاملة‮»‬‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تعني‭ ‬قدرة‭ ‬المدير‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬والتصرف‭ ‬دون‭ ‬قيود،‭ ‬ويكون‭ ‬على‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬إذا‭ ‬رغبت‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بتقييد‭ ‬أو‭ ‬شهر‭ ‬قرارها‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬التجاري،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬الاحتجاج‭ ‬به‭ ‬أمام‭ ‬الغير‭ ‬قبل‭ ‬الشهر‭.‬‮»‬
‮«‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تصور‭ ‬عدم‭ ‬تحديد‭ ‬عقد‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬نطاقه‭ ‬للحدود‭ ‬والصلاحيات،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬صلاحيات‭ ‬المدير‭ ‬وسلطاته‭ ‬من‭ ‬متطلبات‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬القانون‭ ‬الحالي‭ ‬للشركات‭.‬‮»‬
‭(‬الوسيط‭ ‬في‭ ‬شرح‭ ‬قانون‭ ‬الشركات،‭ ‬طبعة‭ ‬سبتمبر‭ ‬2013،‭ ‬ص‭ ‬204،‭ ‬486‭)‬

الرأي‭ ‬الثاني‭:‬

‮«‬تتحدد‭ ‬سلطات‭ ‬المدير‭ ‬وفقاً‭ ‬لعقد‭ ‬التأسيس،‭ ‬فإذا‭ ‬أغفل‭ ‬العقد‭ ‬ذلك،‭ ‬يكون‭ ‬للمدير‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬للقيام‭ ‬بجميع‭ ‬الأعمال‭ ‬والتصرفات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة‭. ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المدير‭ ‬يمكنه‭ ‬مباشرة‭ ‬كافة‭ ‬الأعمال‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬غرض‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬كيانها‭ ‬كشخص‭ ‬معنوي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البيع‭ ‬والرهن‭ ‬لأموال‭ ‬الشركة‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭ ‬وأعمال‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة،‭ ‬وعقد‭ ‬القروض‭ ‬وسحب‭ ‬الأوراق‭ ‬التجارية‭. ‬وتظل‭ ‬أعماله‭ ‬صحيحة‭ ‬وملزمة‭ ‬للشركة‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الغرض‭ ‬الذي‭ ‬أنشئت‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬الشركة‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬ولم‭ ‬يخالف‭ ‬القانون‭.‬‮»‬

الرأي‭ ‬الثالث‭:‬

‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُحدد‭ ‬سلطات‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬الشركة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للشركاء‭ ‬بتعيينه،‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬للقيام‭ ‬بجميع‭ ‬الأعمال‭ ‬والتصرفات‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يمتلك‭ ‬السلطة‭ ‬الكاملة‭ ‬للنيابة‭ ‬عن‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬الأعمال‭ ‬القانونية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬وعرف‭ ‬الشركة،‭ ‬وبما‭ ‬يتطلبه‭ ‬واجب‭ ‬الأمانة‭ ‬والنزاهة‭ ‬وعدم‭ ‬إساءة‭ ‬استعمال‭ ‬أموال‭ ‬الشركة‭.‬‮»‬
الرأي‭ ‬الرابع‭:‬

‮«‬القاعدة‭ ‬العامة‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬سلطات‭ ‬المدير،‭ ‬وإذا‭ ‬غفل‭ ‬العقد‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬يكون‭ ‬للمدير‭ ‬سلطات‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬النيابة‭ ‬عن‭ ‬الشركة‭. ‬وتوضح‭ ‬القوانين‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬الأصل‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة،‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحدد‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬سلطة‭ ‬المديرين،‭ ‬تكون‭ ‬لهم‭ ‬سلطة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أغراضها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬موافقة‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬المساهمة،‭ ‬كالاقتراض‭ ‬والرهن‭ ‬وإعطاء‭ ‬الكفالات،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬وكالة‭ ‬خاصة‭ ‬مثل‭ ‬الصلح‭ ‬والتحكيم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الأعمال‭ ‬العادية‭ ‬للإدارة‭ ‬مثل‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬لتحقيق‭ ‬أغراض‭ ‬الشركة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬التصرف‭ ‬باسم‭ ‬الشركة‭ ‬وبما‭ ‬يحقق‭ ‬أغراضها‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بالتزام‭ ‬المدير‭ ‬تجاه‭ ‬الشركة‭.‬‮»‬
في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬يُرجَّح‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬القاعدة‭ ‬العامة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬الإباحة،‭ ‬مع‭ ‬ربط‭ ‬ذلك‭ ‬بالنصوص‭ ‬التي‭ ‬تُلزم‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للشركة‭ ‬بتحديد‭ ‬صلاحيات‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬أو‭ ‬قرار‭ ‬التعيين‭. ‬وبالتالي،‭ ‬إذا‭ ‬حظرت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بعض‭ ‬أعمال‭ ‬التصرف‭ ‬ضمن‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس‭ ‬وسكتت‭ ‬عن‭ ‬الأخرى،‭ ‬يكون‭ ‬لمدير‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة‭ ‬كامل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬إبرام‭ ‬التصرفات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يُنص‭ ‬على‭ ‬حظرها‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬بتحديد‭ ‬التصرفات‭ ‬المحظورة‭ ‬بدقة‭ ‬يُعد‭ ‬تقصيراً‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬أحكام‭ ‬القانون،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التقصير،‭ ‬إذ‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المنطقي‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬المخطئ‭ ‬من‭ ‬خطأه‭.‬
وهذا‭ ‬التوجه‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬قاعدة‭ ‬عالمية‭ ‬متعارف‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التحكيم‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭ (‬الاستوبل‭) (‬estoppel‭) ‬أو‭ ‬قاعدة‭ ‬الإغلاق‭ ‬الحكمية،‭ ‬وهي‭ ‬قاعدة‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإجراءات‭ ‬المدنية‭ ‬والعقود،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬القوانين‭ ‬الأنجلوسكسونية،‭ ‬وهدفها‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬المعاملات‭ ‬وحماية‭ ‬التوقعات‭ ‬المشروعة‭ ‬للأطراف‭. ‬تنص‭ ‬القاعدة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬للشخص‭ ‬أن‭ ‬يناقض‭ ‬أقواله‭ ‬أو‭ ‬أفعاله‭ ‬بما‭ ‬يسبب‭ ‬ضرراً‭ ‬للغير،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬سعى‭ ‬في‭ ‬نقض‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬يكون‭ ‬فسعيه‭ ‬مردوداً‭ ‬عليه‭.‬

وقد‭ ‬طبق‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية،‭ ‬إذ‭ ‬تقرر‭ ‬أنه‭:‬
‮«‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يتسبب‭ ‬بفعله‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬مخالفة‭ ‬لاتفاق‭ ‬التحكيم‭ ‬أو‭ ‬لأي‭ ‬قانون‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬له‭ ‬–‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعامل‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬صدر‭ ‬عنه‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬ينقض‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬على‭ ‬يده،‭ ‬طبقاً‭ ‬للقاعدة‭ ‬العالمية‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الروماني‭ (‬non concedit‭ ‬venire contra factum proprium‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬منع‭ ‬التناقض‭ ‬إضراراً‭ ‬بالغير،‭ ‬والمعروفة‭ ‬بقاعدة‭ ‬الاستوبل‭ (‬estoppel‭). ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬نص‭ ‬تشريعي‭ ‬صريح،‭ ‬يجوز‭ ‬للقاضي‭ ‬تطبيقها‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬المبادئ‭ ‬العامة‭ ‬للقانون‭ ‬المدني،‭ ‬أو‭ ‬العرف،‭ ‬أو‭ ‬مبادئ‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬أو‭ ‬مبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الطبيعي‭ ‬وقواعد‭ ‬العدالة،‭ ‬وفقاً‭ ‬للظروف‭ ‬الواقعية‭ ‬لكل‭ ‬دعوى‭.‬‮»‬
ويجدر‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬القوانين‭ ‬الحديثة‭ ‬للشركات‭ ‬حاولت‭ ‬إضفاء‭ ‬حماية‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬بحسن‭ ‬نية‭ ‬مع‭ ‬مديري‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة،‭ ‬بحيث‭ ‬تلتزم‭ ‬الشركة‭ ‬بالأعمال‭ ‬والتصرفات‭ ‬التي‭ ‬يجريها‭ ‬مديرها‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تجاوز‭ ‬القيود‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬التأسيس،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُثبت‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬المتعامل‭ ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدوره‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬المدير‭ ‬يتجاوز‭ ‬الصلاحيات‭ ‬الممنوحة‭ ‬له‭.‬
إنّ‭ ‬فهم‭ ‬حدود‭ ‬صلاحيات‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬ذات‭ ‬المسؤولية‭ ‬المحدودة‭ ‬وسبل‭ ‬حماية‭ ‬الأطراف‭ ‬المتعاملة‭ ‬معه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬قانونية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬لضمان‭ ‬استقرار‭ ‬الأعمال‭ ‬وحسن‭ ‬إدارة‭ ‬المعاملات‭. ‬فالالتزام‭ ‬بالقوانين‭ ‬والضوابط،‭ ‬واعتبار‭ ‬مبادئ‭ ‬حسن‭ ‬النية‭ ‬والاستوبل‭ ‬عند‭ ‬توقيع‭ ‬العقود،‭ ‬يعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬المحتملة،‭ ‬ويتيح‭ ‬للشركة‭ ‬أداء‭ ‬أعمالها‭ ‬بفعالية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تهدد‭ ‬المخاطر‭ ‬القانونية‭ ‬مسارها‭ ‬الطبيعي‭.‬

رجوع لأعلى