إدارة المخاطر وصناعة الفرص في الأسواق المالية
الاستثمارات تنطوي على المخاطرة، القيمة السوقية لعقار أو لاستثمار في أسهم شركات كبرى، يمكن أن يتغير بشكل دراماتيكي في فترة زمنية صغيرة نسبياً، وحتى لو كان العائد الاسمي مضموناً، مثلما هي الحالة عليه في سندات عالية القيمة، فإن التغييرات التي تقع في أسعار الفائدة، أو نسب التضخم، يمكن أن تغير من قيم استثمارك، بشكل كبير، إذا كانت معظم ثروتك مربوطة بملكية قطعة من العقار، أو بعدد صغير من أسهم الشركات الكبيرة (أو أسوأ من ذلك بسهم واحد)، فإن انكشافك يكون خطراً، بشكل خاص.
التجارب الأخيرة لأولئك الذين يضعون نسبة كبيرة من ثروتهم في شركات مثل إنرون، وورلدكوم، يونايتد إيرلاينز، وتايم وورنر، تدل على ذلك.
يمكنك أن تخفض من مخاطرتك عن طريق التنويع، الاحتفاظ بعدد كبير من الملكيات غير المترابطة، التنويع يسخر قانون الأعداد الكبيرة، ليكون في خدمتك. وبينما يكون أداء بعض الاستثمارات سيئا، إلا أن أخرى سوف يكون أداؤها جيداً جداً، أداء الأخيرة يعوض عن سوء أداء الأولى، ونسبة المردود تبلغ الوسط.
بالنسبة لمعظم الناس، فإن شراء منزل قد يكون استثمارهم الأساسي، على الأقل في البداية، إذا كانت صيانة المنزل جيدة، وكان موقعه في محيط اجتماعي جذاب، فإن المنزل يعد استثماراً جيداً، وما بعد ذلك للذين يسعون إلى بناء ثروة بدون الإنغماس في قرارات يومية لأعمالهم، فإن السوق المالي يوفر مردوداً جذاباً، لقد فعل السوق ذلك تاريخياً، فعلى مدى القرنين الماضيين، وبعد أخذ التضخم في الاعتبار، كانت أسهم الشركات الكبرى تعطي مردوداً يساوي حوالي 7% سنوياً، بالمقارنة مع مردود حقيقي للسنوات يساوي 3%.
المخاطرة مع الأسهم هي أنه لا أحد يستطيع أن يتأكد حول ما ستؤول إليه قيمتها، في أي زمن معين في المستقبل، لا مناص من أنه ستكون هنالك فترات، تنزل خلالها قيمة استثمارك في الأسهم، بيد أن المخاطرة، وتعرف بالتقلب، هي سبب كبير، لماذا أن مردود الأسهم هو أعلى، بشكل كبير، من المردود على حسابات التوفير، شهادات السوق المالي وسندات الحكومة قصيرة المدى، وجميعها تعطيك ضماناً بدخل معين في المستقبل، وحيث إن معظم الناس يتمنون الضمان الإضافي في المردود الذي تعطيه السندات الحكومية قصيرة المدى وشهادات السوق المالية بالمقارنة مع الأسهم، فإن المردود على الأسهم لا بد وأن يكون أعلى، من أجل جذب المستثمرين، وتحويلهم عن الاستثمارات المضمونة.
الاستثمار طويل الأجل.. كيف يخفف الزمن أثر المخاطرة
تتراجع المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الأسهم بصورة ملحوظة كلما واصل المستثمر إضافة أصول جديدة إلى محفظته أو احتفظ بها على مدى فترات زمنية طويلة قد تمتد من ثلاثين إلى خمسة وثلاثين عاماً. وحتى المستثمر الصغير يستطيع تبني هذا النهج من خلال الصناديق الاستثمارية المجمعة، وهي مؤسسات تمتلك حصصاً في عدد كبير من الشركات، ما يتيح توزيع المخاطر على نطاق واسع.
وعندما يتم بناء محفظة متنوعة على مدى سنوات طويلة، فإنها تميل تاريخياً إلى تحقيق عوائد مرتفعة نسبياً مع تقلبات أقل في نسبة المردود. وتشير البيانات التاريخية إلى أن من يستثمر مبلغاً ثابتاً سنوياً على مدى خمسة وثلاثين عاماً في صندوق يضم أسهماً لمئات الشركات التي تمثل السوق بشكل عام، كان يحقق في المتوسط عائداً حقيقياً يقارب سبعة في المئة سنوياً بعد احتساب التضخم. والأهم من ذلك أن أسوأ عائد سنوي معدل بالتضخم خلال تلك الفترة الطويلة لم ينخفض إلى أقل من نحو 2.7 في المئة، وهو مستوى يوازي تقريباً ما تحققه الأدوات الاستثمارية الأكثر تحفظاً في الظروف العادية.
ويؤدي التنويع دوراً محورياً في الحد من تقلبات الاستثمار بطريقتين أساسيتين. فمن جهة، يعوض الأداء الجيد لبعض الشركات التراجع الذي قد يصيب شركات أخرى. فعلى سبيل المثال، يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تراجع أرباح شركات الطاقة، لكنه في المقابل يخفض كلفة الوقود على شركات الطيران، ما يدعم أسهمها. وبالمثل، فإن تراجع أسعار الفولاذ قد يضغط على أرباح شركات إنتاجه، لكنه يمنح شركات صناعة السيارات ميزة انخفاض التكاليف وارتفاع الهوامش.
ومن جهة أخرى، حتى في ظل التغيرات العامة في الدورة الاقتصادية، سواء في فترات الركود أو التوسع، يظل أثر التنويع قائماً. فرغم أن أسعار الأسهم قد تتحرك في الاتجاه نفسه على نطاق واسع، فإن حجم التأثير يختلف من شركة إلى أخرى، إذ قد يستفيد بعضها من ظروف معينة أكثر من غيره. فالتراجع الذي يضر بسلاسل بيع فاخرة قد يعزز في المقابل مبيعات متاجر التجزئة منخفضة الكلفة، ما يخلق توازناً داخل المحفظة الاستثمارية.
وفي سياق آخر، تقدم بعض الشركات لموظفيها برامج ادخار أو تقاعد تقوم على مطابقة مشترياتهم من أسهم الشركة أو إتاحة شرائها بأسعار مخفضة، وهو ما يجعل الاستثمار في أسهم جهة العمل خياراً مغرياً لمن يثق في مستقبلها. غير أن هذه البرامج غالباً ما تسمح ببيع الأسهم بعد فترة احتفاظ محددة، تكون في العادة نحو ثلاث سنوات. وعند بلوغ هذه المرحلة، يصبح من الحكمة استغلال الفرصة لإعادة توجيه العائد نحو استثمارات أخرى أكثر تنوعاً.
فالإبقاء على جزء كبير من الثروة في أسهم الشركة التي يعمل لديها المستثمر يضعه في موقف مزدوج المخاطر، حيث تصبح الوظيفة وقيمة الاستثمارات معاً رهينتين لنجاح جهة عمل واحدة. ومن هنا تأتي أهمية توزيع الأصول لتفادي هذا النوع من الانكشاف الذي قد يضاعف الخسائر في حال تعرضت الشركة لأي هزة مفاجئة.
خيار الاسهم لبناء ثروة
لكي يتمكن الأفراد من تعظيم إمكاناتهم المالية، يصبح من الضروري توجيه مدخراتهم نحو استثمارات قادرة على تحقيق عوائد مجزية، وقد أظهرت التجربة التاريخية أن الاستثمار في الأسهم كان من بين أكثر الخيارات تحقيقاً للنمو على المدى الطويل. وتوفر الصناديق الاستثمارية المشتركة فرصة حتى للمستثمر الصغير لامتلاك محفظة متنوعة، مع إمكانية الإضافة إليها بشكل منتظم وبكلفة معاملات منخفضة نسبياً.
والاستثمار في محفظة أسهم موزعة على قطاعات وشركات متعددة، ولمدة زمنية طويلة، يقلل من مخاطر التملك إلى مستويات يمكن إدارتها. ورغم أن جميع أشكال الاستثمار تنطوي على قدر من عدم اليقين، فإن التنويع يمنح المستثمر درجة عالية من الثقة في أن العوائد المتحققة على المدى البعيد ستكون، في الغالب، أعلى من تلك التي توفرها حسابات التوفير أو السندات أو شهادات الإيداع أو صناديق سوق المال وغيرها من الأدوات المالية ذات الطابع التحفظي. ولهذا السبب، يكتسب الاستثمار عبر الصناديق المشتركة جاذبية خاصة لدى فئة الشباب الذين يدخرون من أجل تأمين مستقبلهم التقاعدي وبناء قاعدة مالية مستقرة.
وفي هذا السياق، تبرز صناديق المؤشرات كأداة فعالة تتيح للمستثمر الاستفادة من أداء السوق ككل من دون الحاجة إلى مجاراة الخبراء أو تحمل مخاطر انتقاء الأسهم الفردية. فكثير من المستثمرين يعزفون عن دخول سوق الأسهم لأنهم يعتقدون أنهم لا يمتلكون الوقت أو الخبرة اللازمة لتحديد الشركات التي ستنجح مستقبلاً، وهو تصور يجد ما يبرره في صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار أو الأداء المستقبلي لأي سهم على حدة.
ويتبنى عدد كبير من الاقتصاديين ما يُعرف بنظرية “السوق الكفء”، التي تفترض أن الأسعار الحالية للأسهم تعكس أفضل المعلومات المتاحة حول أرباح الشركات المستقبلية، وحالة الاقتصاد، والعوامل المختلفة المؤثرة في السوق. وبناء على هذا المنطق، فإن تحركات الأسعار المستقبلية تكون في الغالب نتيجة أحداث مفاجئة أو تطورات غير متوقعة، لا يمكن التنبؤ بها مسبقاً. فلو كانت هذه العوامل قابلة للتوقع، لكانت قد انعكست بالفعل على مستويات الأسعار السائدة في الوقت الراهن.
بهذا المعنى، يصبح الاستثمار طويل الأجل في محفظة متنوعة، مدعومة بصناديق المؤشرات أو الصناديق المشتركة، خياراً عملياً لمن يسعى إلى موازنة الطموح نحو تحقيق نمو أعلى مع تقليص المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق، في معادلة تقوم على الصبر والانضباط أكثر مما تقوم على التنبؤ والمضاربة.