تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إشكالية‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بين‭ ‬التمويل‭ ‬والاستقرار‭ ‬النقدي

CB33

يشكل‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتفعيل‭ ‬الصناعات‭ ‬الريفية‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬الفعالة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬متوازن،‭ ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تحسين‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭. ‬ويستند‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬خدمية‭ ‬أساسية‭ ‬مثل‭ ‬شق‭ ‬الطرق‭ ‬وبناء‭ ‬المدارس،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهميتها‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬الموسمية‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭. ‬كما‭ ‬يتميز‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬بكونه‭ ‬أقل‭ ‬عرضة‭ ‬لإثارة‭ ‬ضغوط‭ ‬تضخمية‭ ‬أو‭ ‬أعباء‭ ‬ضريبية،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يتركز‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬ذات‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر‭.‬
وفي‭ ‬حين‭ ‬تتم‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬خارج‭ ‬آليات‭ ‬السوق‭ ‬التقليدية،‭ ‬فإن‭ ‬الصناعات‭ ‬الريفية‭ ‬ترتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بالسوق‭ ‬المحلي،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬الإنتاج‭ ‬داخل‭ ‬القرى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المصانع‭ ‬الكبرى‭. ‬وتبرز‭ ‬التجربة‭ ‬الهندية‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬إذ‭ ‬عملت‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خلال‭ ‬إحدى‭ ‬الخطط‭ ‬الخمسية‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬إنتاج‭ ‬المصانع‭ ‬من‭ ‬الأقمشة‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬ضريبية،‭ ‬بهدف‭ ‬إفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬المنتجات‭ ‬الريفية‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أهمية‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بين‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة‭ ‬المنتجة‭ ‬للسلع‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والقطاعات‭ ‬المنزلية‭ ‬الصغيرة‭ ‬الموجهة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬المحلي‭. ‬فبينما‭ ‬يمكن‭ ‬توظيف‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الكبرى،‭ ‬تظل‭ ‬الصناعات‭ ‬المنزلية‭ ‬أداة‭ ‬فعالة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬فائض‭ ‬العمالة،‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬مشكلات‭ ‬البطالة‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬رأسمالية‭ ‬ضخمة‭.‬

التكنولوجيا‭ ‬الحديثة

تواجه‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تحدياً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬النماذج‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الملائمة‭ ‬لظروفها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬التقنيات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مصممة‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬البشري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭. ‬لذلك،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬تكنولوجية‭ ‬تراعي‭ ‬هذه‭ ‬الخصوصية،‭ ‬إما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبني‭ ‬تقنيات‭ ‬قديمة‭ ‬نسبياً‭ ‬لكنها‭ ‬أكثر‭ ‬توافقاً‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬حلول‭ ‬محلية‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬الكثيف‭ ‬للعمل‭ ‬وتوفير‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
وقد‭ ‬شهدت‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬معدات‭ ‬وتقنيات‭ ‬مستعملة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬تخلت‭ ‬عنها‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬صناعة‭ ‬النسيج‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬البريطانية‭ ‬المستعملة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لانخفاض‭ ‬تكلفتها،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬لملاءمتها‭ ‬لهيكل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬كثافة‭ ‬رأسمالية‭ ‬عالية‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تطوير‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬محلية‭ ‬يظل‭ ‬خياراً‭ ‬محفوفاً‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬نظراً‭ ‬للتكاليف‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭ ‬المرتبط‭ ‬بعمليات‭ ‬الابتكار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬تبنيه‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البدائل‭ ‬العملية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬نامية‭ ‬أخرى‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬تقنيات‭ ‬مناسبة‭ ‬لظروفها،‭ ‬أو‭ ‬اعتماد‭ ‬نهج‭ ‬تدريجي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬مراحل،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬توزيع‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬وتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتحول‭ ‬التكنولوجي‭.‬

المساعدات‭ ‬الفنية

لم‭ ‬تعد‭ ‬المساعدات‭ ‬الفنية‭ ‬تُنظر‭ ‬إليها‭ ‬اليوم‭ ‬باعتبارها‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بعدما‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬نقل‭ ‬الخبرات‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬النتائج‭ ‬المرجوة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتكيف‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للدول‭ ‬المستفيدة‭. ‬فغياب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬محدوديته‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬النامية‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬المعرفة‭ ‬الفنية‭ ‬بالشكل‭ ‬الأمثل،‭ ‬بل‭ ‬ويفرض‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬والترشيد‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يتجه‭ ‬المهندسون‭ ‬والخبراء‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬حلول‭ ‬تقنية‭ ‬بسيطة‭ ‬نسبياً،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬المعدات،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬إنتاج‭ ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬كثافة‭ ‬رأسمالية‭ ‬مرتفعة‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬إدراكاً‭ ‬متزايداً‭ ‬لأهمية‭ ‬مواءمة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬الموارد‭ ‬المحلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬استنساخ‭ ‬نماذج‭ ‬جاهزة‭.‬
كما‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تضييق‭ ‬الفجوة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المانحة‭ ‬للمساعدات‭ ‬وتلك‭ ‬المتلقية‭ ‬لها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأهيل‭ ‬الكوادر‭ ‬الوطنية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬وتكييف‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬أوضاعها‭. ‬وتُظهر‭ ‬بعض‭ ‬التجارب،‭ ‬مثل‭ ‬اعتماد‭ ‬الهند‭ ‬على‭ ‬الأساليب‭ ‬اليابانية‭ ‬في‭ ‬زراعة‭ ‬الأرز،‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الأقرب‭ ‬للظروف‭ ‬المحلية‭ ‬يحقق‭ ‬نتائج‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭ ‬من‭ ‬استيراد‭ ‬نماذج‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭.‬
وعند‭ ‬انتقال‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المباشرة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تصاحبها‭ ‬تقنيات‭ ‬متقدمة‭ ‬تعكس‭ ‬قناعة‭ ‬المستثمرين‭ ‬بجدواها‭ ‬الإنتاجية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات،‭ ‬رغم‭ ‬حداثتها،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬دائماً‭ ‬الأنسب‭ ‬لقدرات‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬كثافة‭ ‬رأسمالية‭ ‬عالية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يميل‭ ‬بعض‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬الترويج‭ ‬لهذه‭ ‬المشاريع‭ ‬بوصفها‭ ‬رمزاً‭ ‬للتقدم،‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفرضها‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭.‬

السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬والضريبية

يثير‭ ‬دور‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬والضريبية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مقابل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬نقاشاً‭ ‬مستمراً،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬أهداف‭ ‬النمو‭ ‬والتوازن‭ ‬النقدي‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الفنية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬واقعية‭ ‬تتعلق‭ ‬بسلوك‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭.‬
ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬التضخم‭ ‬أو‭ ‬الانكماش‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لقصور‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬اختلالاً‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬الدقيق‭ ‬يشكل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬تحديات‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭.‬
ويمكن‭ ‬للحكومات‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬عبر‭ ‬تشجيع‭ ‬الادخار‭ ‬وتوجيهه‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصدار‭ ‬السندات‭ ‬أو‭ ‬تحفيز‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭. ‬كما‭ ‬تظل‭ ‬الضرائب‭ ‬أحد‭ ‬المصادر‭ ‬الأساسية‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العامة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬محدودية‭ ‬الادخار‭ ‬وصعوبة‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬إضافية‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬عبر‭ ‬إصدار‭ ‬النقد،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬تضخمية‭ ‬واضحة،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬والأجور،‭ ‬ويؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬المحدودة‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬تصبح‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬كرفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬أقل‭ ‬فعالية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الادخار،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المجتمع‭ ‬مستعداً‭ ‬لتحمل‭ ‬كلفة‭ ‬تقليص‭ ‬الاستهلاك‭ ‬لصالح‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمار‭.‬
التحفظات‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬التنمية

تواجه‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬التوسعية،‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬لدفع‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية،‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬تتركز‭ ‬بالأساس‭ ‬حول‭ ‬مخاطر‭ ‬التضخم‭. ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬منتقدو‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬النقدي‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اختلالات‭ ‬فورية‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬حيث‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬التوازن‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬دون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬التداعيات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬توجيه‭ ‬السيولة‭ ‬الجديدة‭ ‬نحو‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭.‬
ويؤدي‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإقراض‭ ‬من‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬نسب‭ ‬الاحتياطي،‭ ‬أو‭ ‬تمويل‭ ‬العجز‭ ‬عبر‭ ‬الجهاز‭ ‬المصرفي،‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الكتلة‭ ‬النقدية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يترجم‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬تضخمية‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬التضخم،‭ ‬تتراجع‭ ‬الحوافز‭ ‬على‭ ‬الادخار،‭ ‬إذ‭ ‬يفقد‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالنقود‭ ‬جاذبيته‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تآكل‭ ‬قوتها‭ ‬الشرائية،‭ ‬كما‭ ‬تتأثر‭ ‬كفاءة‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمار،‭ ‬حيث‭ ‬تميل‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬أنشطة‭ ‬غير‭ ‬إنتاجية،‭ ‬مثل‭ ‬المضاربات‭ ‬أو‭ ‬اقتناء‭ ‬الأصول‭ ‬الكمالية‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬على‭ ‬الداخل،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخارجي،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الواردات‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للصادرات،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تشجيع‭ ‬خروج‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭.‬
وتشير‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التضخم‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬بالضرورة‭ ‬محفزاً‭ ‬لزيادة‭ ‬الادخار‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار،‭ ‬فقد‭ ‬سجلت‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬من‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬معدلات‭ ‬تضخم‭ ‬مرتفعة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بدول‭ ‬أخرى‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬نقدي‭ ‬نسبي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬هناك‭ ‬استثناءات،‭ ‬حيث‭ ‬تمكنت‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬مثل‭ ‬المكسيك،‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬ضغوط‭ ‬تضخمية،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬مصحوباً‭ ‬بتكاليف‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭.‬
كما‭ ‬يُلاحظ‭ ‬أن‭ ‬آثار‭ ‬التضخم‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬السياق،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬ظاهرة‭ ‬محدودة‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وتبرز‭ ‬تجربة‭ ‬إيران‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يؤدِ‭ ‬توقف‭ ‬تدفقات‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬معينة‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل،‭ ‬بل‭ ‬اقتصر‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬القدرة‭ ‬الاستيرادية‭ ‬لشريحة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭.‬
وبذلك،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬السياسات‭ ‬التوسعية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬يتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬عالياً‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬والدقة،‭ ‬لتفادي‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬اختلالات‭ ‬نقدية‭ ‬قد‭ ‬تقوض‭ ‬الأهداف‭ ‬التنموية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
للحديث‭ ‬بقية

رجوع لأعلى