إعادة الهيكلة بين الوقاية من الإفلاس وحماية الدائنين
أضحى التعثّر المالي ظاهرة متكررة في أعقاب جائحة كوفيد-19، بفعل آثارها المباشرة على بيئة الأعمال والمشاريع التجارية في دولة الكويت. وأمام هذا الواقع، برزت الحاجة التشريعية إلى إطار قانوني متكامل ينظّم أوضاع المشاريع المتعثرة، فصدر قانون الإفلاس رقم 71 لسنة 2020 بوصفه أداة قانونية لمعالجة الاختلالات المالية قبل بلوغ مرحلة الانهيار الكامل. وإذا كان تخفيف حدّة الآثار الصارمة لقواعد الإفلاس يُعدّ هدفًا تشريعيًا مشروعًا في ظل الظروف الاقتصادية والاستثمارية الدقيقة، فإن هذا التوجه لا يُعفي المشرّع من التزامه المتوازي بحماية حقوق الدائنين، وترسيخ الثقة في المعاملات التجارية، بما يضمن توازنًا دقيقًا بين مصلحة المشروع المتعثر ومصالح الأطراف الدائنة.
وفي هذا السياق، يتناول هذا الجزء الكيفية التي عالج بها المشرّع مفهوم إعادة الهيكلة بوصفه آلية وقائية، ثم يحدّد الإطار القانوني للتعثّر الذي يبرّر اللجوء إلى إعادة الهيكلة.
نظرة المشرّع إلى إعادة الهيكلة
عندما يبلغ المشروع التجاري درجة من التعثّر الجوهري، يصبح الاستمرار بذات البنية التشغيلية والهيكل المالي والتدفقات النقدية السابقة مساراً محفوفاً بخطر الإفلاس. فالإبقاء على النموذج ذاته في ظل اختلال التوازن المالي لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتسريع الانهيار.
ومع ذلك، لا يكون المشروع في هذه المرحلة قد فقد بالضرورة مقوماته الأساسية، إذ قد يظل محتفظاً بأصوله الجوهرية، وعلاقاته التعاقدية، وشبكات التوريد والتصريف التي يمكن، إذا أُعيد تنظيمها، أن تعيد المشروع إلى مسار الربحية والاستدامة.
غير أن العامل الحاسم في إمكانية إنقاذ المشروع يتمثل في موقف الدائنين، فمطالبة كل دائن بحقوقه فوراً وبصورة منفردة من شأنه أن يُسقط مشروعاً ما زال قابلاً للإنقاذ، نتيجة تراكم الالتزامات المالية وضغط المطالبات المتزامنة، ومن هنا، تتجلّى أهمية الاتفاق الجماعي مع الدائنين كمدخل أساسي لاستمرار المشروع.
ويتمثل هذا الاتفاق في إعادة جدولة الديون، أو تقسيطها، أو الاتفاق على صيغ قانونية أخرى تؤجّل أو تنظّم الوفاء بالالتزامات، بما يحول دون المطالبة الفورية بكامل الديون في وقت واحد، مع الحفاظ في المقابل على حقوق الدائنين وفق إطار قانوني منظم.
وفي مقابل هذه التسهيلات، يلتزم المشروع المدين بتقديم خطة واضحة تعكس جديته وقدرته على التعافي، وذلك عبر مخطط جديد للنشاط والهيكل المالي والمعاملات المستقبلية. وهنا يتجسد المفهوم القانوني لإعادة الهيكلة.
فإعادة الهيكلة تعني إعداد مخطط متكامل يعيد تنظيم المشروع من حيث أمواله، وشكله القانوني، ورأس ماله، بما في ذلك الأسهم وفق ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز التجارية (الطعن رقم 13 لسنة 2001، جلسة 8/4/2002)، فضلًا عن احتياطياته ونشاطه وعلاقاته التعاقدية.
وعليه، فإن «إعادة الهيكلة الوقائية» (Preventive Restructuring) تقوم على إخضاع الهيكل المالي القائم بكامله لإعادة النظر والتعديل، بقصد إصلاح أوضاع المشروع قبل تفاقم التعثّر، وهو ما يبرّر تسميتها أيضاً بإعادة التنظيم المالي.
ويتمثل الهدف النهائي من إعادة الهيكلة في التوصل إلى هيكل جديد قابل للحياة، من جهة، وقادر على الوفاء بالديون وفق صيغها المعدّلة أو جداولها الزمنية الجديدة المنصوص عليها في اتفاق إعادة الهيكلة.
من جهة أخرى، وقد عالج القضاء المقارن، ولا سيما القضاء الأمريكي، نماذج متعددة لإعادة الهيكلة، من بينها توحيد عدة منشآت تجارية في كيان واحد، مع اعتماد آلية تشغيل مبسّطة للمنشأة الموحّدة، بما يعزز الكفاءة ويخفض التكاليف.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن تلخيص رؤية المشرّع الكويتي لإعادة الهيكلة، بوصفها نظاماً مستحدثاً في قانون الإفلاس رقم 71 لسنة 2020، على النحو الذي سيتم بيانه لاحقًا.
ملامح إعادة الهيكلة في قانون
الإفلاس الكويتي
تُعدّ إعادة الهيكلة وفقًا لقانون الإفلاس الكويتي آلية قانونية معقّدة، تتجاوز مجرد تنظيم سداد الديون، لتطال البنية المالية والقانونية والتشغيلية للمشروع، وهو ما استدعى إحاطتها بضمانات إجرائية وإشراف قضائي مباشر.
أولًا: إعادة الهيكلة إجراء معقّد يستلزم المساعدة الفنية والإشراف القضائي
انطلاقاً من الطبيعة المركّبة لإعادة الهيكلة، أوجب قانون الإفلاس الاستعانة بشخص مختص يُعيّنه قاضي الإفلاس، يُعرف بـ«أمين إعادة الهيكلة» (المادة 34 من قانون الإفلاس)، يتولى مساعدة المشروع في إعداد الخطة، ومتابعة تنفيذها، ويتم اقتراح هذا الأمين من قبل لجنة الإفلاس التي يُشكّلها وزير التجارة والصناعة من ذوي الخبرة في الشؤون المالية أو القانونية أو الاقتصادية (المادة 11 من القانون)، مع بقاء قاضي الإفلاس مشرفاً مباشراً على إجراءات إعادة الهيكلة (المادة 1).
غير أنّ هذا التنظيم لا يخلو من ملاحظة نقدية، إذ إن حصر اقتراح الأمين في لجنة الإفلاس قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى تعيين شخص لا تتوافر لديه الخبرة المتخصصة التي تتطلبها طبيعة نشاط المشروع محل إعادة الهيكلة، لا سيما إذا كانت هذه الطبيعة تخرج عن الإطار الفني أو المالي العام، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على فعالية الخطة وجدوى التنفيذ.
ثانياً: إعادة الهيكلة إجراء قانوني يهدف إلى إحداث تغيير جوهري في المشروع
لم يعتبر المشرّع إعادة الهيكلة إجراءً استباقيًا محضًا يقتصر على إرادة المدين، بل نظّمها بوصفها طلبًا لإحداث تغيير جوهري في المشروع، يجوز أن يصدر عن المدين، أو الدائنين، أو الجهة الرقابية المختصة (المادة 97 من قانون الإفلاس).
وتشمل الجهة الرقابية، وفق التعريف الوارد في المادة الأولى من القانون، كلاً من بنك الكويت المركزي، وهيئة أسواق المال، ووزارة التجارة والصناعة، ووحدة تنظيم التأمين، بحسب طبيعة نشاط المشروع، ويُستفاد من ذلك أن إعادة الهيكلة ليست امتيازاً حصرياً للمدين، بل أداة قانونية يمكن فرضها عند الاقتضاء لحماية المشروع والاقتصاد ومصالح الدائنين.
وعليه، فإن إعادة الهيكلة لا تعني مجرد إعادة ترتيب آلية سداد الديون، بل تنطوي على تغيير في «وجه المشروع» ذاته، وقد تأتي في صورة التزام قانوني يُقرّه قاضي الإفلاس، بناءً على ما يقتضيه الوضع المالي والاقتصادي للمشروع.
ومع ذلك، يُؤخذ على قانون الإفلاس الكويتي أنه لم يحدّد بصورة صريحة ماهية «التغيير الجذري» الذي يميّز إعادة الهيكلة عن غيرها من الإجراءات، تاركاً هذا التقدير لقاضي الإفلاس، بمعاونة أمين إعادة الهيكلة، وفقاً لظروف كل حالة، وكان من الأجدر، من الناحية التشريعية، وضع افتراضات إرشادية أو أمثلة معيارية لهذا التغيير، مثل تخفيض رأس المال، أو تعديل الشكل القانوني للشركة، أو إعادة هيكلة العمالة والأجور، وغيرها من التدابير الجوهرية.
تابع الجزء الثاني غداً