إعادة بناء التخطيط الاستراتيجي لمواجهة تحديات نمو الشركات
تمثل آليات التخطيط الاستراتيجي أدوات أساسية تساعد الشركات على بناء رؤية طويلة المدى لاستثمار قدراتها وتعظيم الفرص التي يتيحها السوق. غير أن النماذج التقليدية لهذا النوع من التخطيط تظل محصورة في إطار الشركة واحتياجاتها التشغيلية والإدارية، من دون أن تلامس الخصوصية التي تميز شركات العائلات، حيث تتداخل الأبعاد المهنية مع الروابط الأسرية والقيم المشتركة.
وتنشأ في الشركات التي تمتلكها وتديرها العائلات علاقة عمل تمتد عبر الأجيال، ما يفرض عليها مستوى أعلى من التركيز في إدارة القرارات والمسارات المستقبلية. وفي هذا السياق، تبرز قدرة أفراد العائلة على العمل كوحدة واحدة بوصفها عاملًا حاسمًا في الحفاظ على الانسجام واستمرارية الملكية، وهو ما يمنح التخطيط الاستراتيجي المتوازي بعدًا مختلفًا عن الأساليب التقليدية، إذ يدمج نظام العائلة ضمن عملية التخطيط نفسها.
ويؤدي هذا الدمج إلى توسيع منظور التخطيط ليأخذ في الحسبان التفاعل المتبادل بين نظامي العائلة والشركة، بحيث لا ينفصل التخطيط الأسري عن التخطيط المؤسسي، بل يتكاملان في إطار واحد. وتُمنح قيم العائلة وأهداف الشركة الوزن ذاته في صياغة الاستراتيجية النهائية، لتغدو الخطة المعتمدة انعكاسًا واضحًا لرؤية العائلة للمستقبل، بقدر ما هي استجابة لمتطلبات السوق وتحديات النمو.
وفي المرحلة الأولى من هذا النهج، تستكشف العائلة قيمها الجوهرية وفلسفتها في إدارة الشركة، وتحدد رؤيتها لأهدافها بعيدة المدى، بما يرسخ الالتزام الإداري طويل الأجل. أما في المرحلة التالية، فتتبلور الاستراتيجية الشاملة، وتوضع خطة استمرارية العمل العائلي إلى جانب الخطة الاستراتيجية للأعمال، في وقت تتأمل فيه العائلة أدوارها ومسؤولياتها المرتبطة بالملكية والإدارة.
وبالتوازي، تعمل الإدارة على تقييم القدرات الاستراتيجية للشركة وصياغة الخيارات والقرارات الاستثمارية المحتملة، وصولًا إلى إعداد برامج تنفيذية تفصيلية تدعم تحقيق غايات العائلة والشركة معًا، وتعزز فرص نجاحهما في الوصول إلى رؤيتهما المشتركة.
التخطيط الاستراتيجي
المتوازي للشركات
لا يضع هذا النموذج إطارًا زمنيًا محددًا لعملية التخطيط المتوازي بين العائلة والشركة، إذ يفترض أن تخطيط العائلة يمكن أن يجري على مستويين مستقلين، من دون أن يقدم آلية واضحة تربط بينهما بشكل متين. ونتيجة لذلك، قد يستغرق الوصول إلى رؤية مشتركة تجمع العائلة بالشركة وقتًا طويلًا، ما يترك شركة العائلة في حالة من عدم الاستقرار إلى أن تتبلور هذه الرؤية، كما لا يقدم النموذج تقويمًا مسبقًا لفلسفات العائلة قبل الشروع في وضع التخطيط الاستراتيجي للشركة.
ويركــز التخطيط التقليـدي لشركات العائلات على محورين أساسيين، أولهما التخطيط الداخلي للشركة، وثانيهما انتقال المسؤولية والملكية إلى الجيل اللاحق. وتشير الأدبيات المتخصصة إلى أن فلسفة العائلة تجاه الشركة تتخذ ثلاثة أنماط رئيسية، فقد تكون العائلة متمحورة حول الشركة، أو تكون الشركة متمحورة حول العائلة، أو يتوازن التركيز بين الطرفين.
في الحالة الأولى، تُمنح الشركة أولوية تفوق أهداف العائلة ومقاصدها، وهو ما ينعكس غالبًا في ضعف التزام أفراد العائلة على المدى الطويل وتراجع الحافز لدى المالكين لمتابعة مسار الشركة وتطويرها. أما في الحالة الثانية، حيث تتقدم أهداف العائلة على أهداف الشركة، فتضيق مساحة حرية الإدارة، وقد تصل الأمور إلى استنزاف موارد الشركة لتلبية احتياجات العائلة، بما يحد من قدرتها على النمو والاستدامة.
وفي المقابل، يقوم النهج المتوازن على وضع حاجات العائلة والشركة على قدم المساواة، ويُنظر إليه بوصفه الأساس الأكثر ملاءمة لبناء تخطيط استراتيجي مستقر وقابل للتطور.
ويُلاحظ أن نموذج التخطيط المتوازي لا يسلط الضوء بشكل كافٍ على التقويم المسبق لفلسفة العائلة أو الكشف المنهجي عن هذه الأنماط الثلاثة قبل الدخول في عملية التخطيط. كما لا يحدد نقطة انطلاق واضحة لأنواع شركات العائلات المختلفة داخل هذا النموذج، بل يربط مشاركة العائلة بخطط استمرارية الشركة أكثر من ارتباطها برؤية شاملة لفلسفة الملكية والإدارة.
ويركز النموذج في هذا الإطار على دور مجالس العائلة في مناقشة القضايا الخلافية، مثل ترتيبات الخلافة، وتوزيع الأرباح، وخطط التقاعد، وآليات المشاركة في الإدارة، بهدف تطوير ملكية فاعلة وإعداد قيادات إدارية من داخل العائلة. غير أنه لا يتناول بصورة تفصيلية تصميم وتوثيق وتطبيق “دستور العائلة”، الذي يمثل إطارًا أوضح وأكثر تنظيمًا من مجرد النقاشات الدورية في مجالس العائلة.
إعادة النظر في التخطيط الاستراتيجي لشركات العائلات
يُنظر إلى التخطيط الاستراتيجي في شركات العائلات بوصفه قريبًا في جوهره من التخطيط المعتمد في المؤسسات الأخرى، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في انخراط العائلة المباشر في إدارة الشركة وملكيتها، وفي كون عملية التخطيط تنطلق من رؤية موحدة تشمل العائلة والشركة معًا. وفي هذا السياق، تبرز نماذج متعددة تسعى إلى تقديم أفضل السبل للتخطيط، من بينها نماذج الدوائر الثلاث والدوائر الأربع، التي تحدد مجموعة من العوامل المؤثرة، مثل العوامل الأسرية، والسمات الشخصية لأفراد العائلة، ومعطيات الشركة، ومتغيرات السوق.
وتحاول هذه النماذج رصد مناطق التقاطع بين هذه العوامل ومستوياتها المختلفة، بما يكشف طبيعة التفاعل فيما بينها وأثره في صياغة الاستراتيجية. غير أن التطبيق العملي يظهر أن هذه المقاربات تركز في الغالب على إبراز أهداف العائلة كنقطة انطلاق أساسية، وهو ما قد يخلق تناقضًا حين تتقدم الغايات الأسرية على متطلبات التنافسية في السوق وقدرة الشركة على النمو والاستدامة.
ويميل هذا الاتجاه إلى ضبط العلاقات داخل العائلة أكثر من اهتمامه بتقويم المسار الاستراتيجي القائم للشركة أو تقديم توصيات واضحة لاختيار استراتيجيات تتلاءم مع البيئة الخارجية وتحدياتها المتغيرة. كما تتسم هذه النماذج بطابع وصفي يغلب على التحليل الكمي، إذ تكتفي بتحديد القوى المؤثرة من دون تفكيكها إلى عوامل رئيسية قابلة للقياس والتقييم المنهجي.
وتكمن إحدى ميزات هذه النماذج في قدرتها على إبراز مساحات التوتر والتقاطع بين العوامل الثلاثة الأساسية، العائلة، والشركة، والسوق، بما يساعد على إدارة العلاقات الداخلية وتقليل النزاعات المحتملة. إلا أنها، في المقابل، لا تقدم إطارًا تفصيليًا عمليًا لبناء خطة استراتيجية متكاملة قابلة للتطبيق عبر مراحل مختلفة من دورة حياة الشركة.
ويُضاف إلى ذلك أن هذه النماذج لا تنطبق على جميع شركات العائلات، ولا توفر آلية مستقرة لتحديد المرحلة العمرية التي تمر بها الشركة، الأمر الذي يجعل من الصعب مواءمة الخطة الاستراتيجية مع مستوى النضج التنظيمي ومتطلبات كل مرحلة من مراحل تطور شركة العائلة.