إعادة تشكيل أسواق الطاقة بين اضطراب الإمدادات وتوسع الطلب
وخلال عام 2022، اضطر المشترون الأوروبيون إلى التوجه بقوة نحو سوق الغاز الطبيعي المسال لتعويض التراجع الحاد في إمدادات الغاز القادمة عبر خطوط الأنابيب من روسيا، وهو ما أعاد رسم خريطة التدفقات التجارية العالمية للغاز المسال. وفي المقابل، لجأت بعض الدول الآسيوية إلى بدائل طاقوية أخرى على حساب الغاز الطبيعي المسال. ومع بعض التغييرات المحدودة في ترتيب المراكز الأولى، واصلت قطر وأستراليا تصدر قائمة كبار المصدّرين خلال عام 2022، بإجمالي صادرات بلغ نحو 79 مليون طن لقطر و78.5 مليون طن لأستراليا، تلتها الولايات المتحدة في المركز الثالث بصادرات بلغت 75.4 مليون طن. وجاءت روسيا رابعًا بنحو 32 مليون طن، ثم ماليزيا بصادرات بلغت 27.6 مليون طن. وعلى غرار ما كان عليه الحال في عام 2012، استحوذت قطر وأستراليا والولايات المتحدة مجتمعة على قرابة 60 % من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
أما في عام 2023، فظل عدد الدول المصدّرة مستقرًا عند 20 دولة قامت بتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى مختلف أنحاء العالم، من بينها 10 دول في كل من إفريقيا والشرق الأوسط، ما يعكس استمرار تنوع مصادر الإمداد وتوسعها الجغرافي.
وبالنظر إلى الآفاق المستقبلية، يتضح أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة توسع واسع في تصدير الغاز الطبيعي المسال، مدفوعة بإعادة توظيف محطات إعادة التحويل إلى محطات تسييل. ومن المرجح أن تنافس قطر على صدارة المصدّرين العالميين خلال السنوات المقبلة، ولا سيما في أعقاب الاتفاق الموقع في 25 مارس 2022 بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتعزيز التعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة، وتأمين إمدادات السوق الأوروبية بالغاز المسال الأميركي، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي. وبالفعل، تصدرت الولايات المتحدة قائمة أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال عالميًا خلال النصف الأول من عام 2023، متقدمة على جميع منافسيها، بما في ذلك قطر، وفقًا لتقرير حديث صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
الدول المستوردة
شهدت خريطة استيراد الغاز الطبيعي المسال تحولات لافتة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها ما أعقب حادث «فوكوشيما – داييتشي»، إذ دفعت تداعياته اليابان إلى رفع وارداتها من الغاز المسال من نحو 71 مليون طن سنوياً في 2010 إلى قرابة 88 مليون طن في 2012، بزيادة بلغت 24% خلال عامين فقط، ما رسّخ موقعها في صدارة الدول المستوردة لعدة سنوات متتالية.
وفي السياق نفسه، ارتفعت حصة كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين من إجمالي الواردات العالمية من 56 % إلى 62 %، مدفوعة أساساً بتوسع الطلب الصيني، الذي سجل نمواً بنحو 6 % خلال ست سنوات. وفي عام 2022، استعادت اليابان رسمياً لقب أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم متقدمة على الصين، رغم أن واردات البلدين جاءت أقل مقارنة بالعام السابق.
أما تراجع واردات الصين، فيُعزى إلى عوامل متعددة، أبرزها إجراءات الإغلاق وارتفاع الأسعار خلال جائحة كورونا، ما حدّ من الطلب. فقد استقبلت الصين نحو 63.44 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال في عام 2023، بانخفاض نسبته 19.5 % مقارنة بعام 2022. وفي ذلك العام، بلغ عدد الدول المستوردة 45 دولة، مع دخول السلفادور إلى السوق عبر وحدة التخزين العائمة وإعادة التغويز «أكاجوتلا»، التي تبلغ طاقتها نحو مليوني طن سنوياً.
وخلال عام 2023، ارتفع عدد الدول أو الأسواق المستوردة إلى 48، بزيادة ثلاث دول، مع انضمام وافدين جدد للمرة الأولى، من أبرزهم ألمانيا التي استوردت كميات كبيرة من الغاز المسال. في المقابل، ظل عدد الدول المصدّرة مستقراً عند 20 دولة. وعلى مستوى السوق، سجلت تجارة الغاز الطبيعي المسال نمواً متواضعاً بنسبة 2.1 % لتصل إلى 401 مليون طن، وهو معدل أقل من نمو 5.6 % المسجل في عام 2022. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالطلب في آسيا بنحو 7 ملايين طن، إضافة إلى الأميركيتين بزيادة قدرها 1.2 مليون طن، بينما استقر الطلب الأوروبي عند حدود 121 مليون طن.
وبوجه عام، عكس أداء عام 2023 حالة من التباطؤ النسبي في نمو السوق العالمي للغاز الطبيعي المسال، مع وصول حجم التداول إلى 401 مليون طن، في إشارة إلى دخول السوق مرحلة من الاستقرار بعد سنوات من التوسع السريع. وخلال العام نفسه، جرى استيراد نحو 141 مليون طن عبر صفقات فورية أو قصيرة الأجل، وهو ما يمثل قرابة 35 % من إجمالي الكميات المتداولة.
وتقوم العلاقة بين الدول المستوردة والمصدّرة للغاز الطبيعي المسال على «تاريخ مشترك» تشكّل أساسه العقود الإطارية بين الدول المنتجة والمستهلكة. وتقليدياً، اتخذت معظم عقود التوريد شكل اتفاقيات بيع وشراء طويلة الأجل (LTCs)، غالباً ما تتضمن بنوداً تتيح تمديدها أو تجديدها، ما أسهم في ترسيخ استقرار الإمدادات وتعزيز الثقة المتبادلة بين أطراف السوق.
يمكن القول إن المسار التاريخي للعلاقة الخاصة بين مصدّري ومستوري الغاز الطبيعي المسال يعود إلى عام 1964، تاريخ تصدير أول شحنة من الجزائر إلى المملكة المتحدة. ومنذ ذلك الحين، ظل هذا النشاط محصوراً لسنوات طويلة في نطاق محدود شمل أقل من عشر دول مصدّرة ومستوردة خلال سبعينات القرن الماضي، قبل أن يتوسع تدريجياً ليصل مع مطلع العقد الحالي إلى ما يقارب ستة أضعاف ذلك العدد. وبحلول عام 2023، وفي أعقاب الأزمة الراهنة التي أعادت رسم مسارات التبادل التجاري في أسواق الغاز المسال، بلغ عدد الدول المنخرطة في هذا السوق نحو 68 دولة، من بينها 20 دولة مصدّرة، تشمل عشر دول في إفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب 48 دولة مستوردة.
وعلى صعيد القدرات الإنتاجية، وصلت الطاقة العالمية لتسييل الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 476.5 مليون طن سنوياً بنهاية عام 2022، مع إضافة طاقات جديدة بلغت 14.9 مليون طن سنوياً خلال العام نفسه. وفي عام 2023، دخلت حيز التشغيل عدة مشاريع تصدير بارزة، من بينها مشروع Calcasieu Pass في الولايات المتحدة بطاقة 10 ملايين طن سنوياً، ومصنع بورتوفايا في روسيا بقدرة 1.5 مليون طن سنوياً، إلى جانب إنتاج أول شحنة من مشروع Coral South FLNG قبالة سواحل موزمبيق بطاقة 3.4 مليون طن سنوياً. كما استأنف مشروع Snohvit LNG في النرويج، بطاقة إنتاجية تبلغ 4.2 مليون طن سنوياً، عملياته بعد توقف مؤقت.
وفي عام 2022، جرى اتخاذ ثلاثة قرارات استثمارية نهائية لمشاريع جديدة بقدرة إجمالية تقارب 26 مليون طن سنوياً، شملت المرحلة الثالثة من مشروع «كوربوس كريستي» بطاقة 10.4 مليون طن سنوياً، والمرحلة الأولى من مشروع «بلاكماينز» في الولايات المتحدة بطاقة 13.3 مليون طن سنوياً، إضافة إلى منشأة الغاز الطبيعي المسال العائمة في ماليزيا بطاقة مليوني طن سنوياً.
أما في مجال إعادة التغويز، فقد بلغت القدرة العالمية بنهاية عام 2022 نحو 1.068 مليار طن سنوياً، مع بدء تشغيل تسع محطات جديدة لإعادة تحويل الغاز إلى حالته الغازية، بإجمالي طاقة بلغت 23.4 مليون طن سنوياً. وشهد العام نفسه انضمام السلفادور إلى قائمة الدول المستوردة للغاز الطبيعي المسال، مع تشغيل محطة «أكاجوتلا» المعتمدة على وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة بطاقة مليوني طن سنوياً، ليرتفع عدد الدول المستوردة إلى 45 دولة، مقابل 20 دولة مصدّرة.
تسعير الغاز الطبيعي المسال والعقود
في ضوء التحولات المتسارعة التي شهدها السوق خلال السنوات الأخيرة، يُتوقع أن يشهد تسويق الغاز الطبيعي المسال في أوروبا، ولا سيما في دول الاتحاد الأوروبي، تغيرات جوهرية خلال المرحلة المقبلة. ويعود ذلك إلى بروز لاعبين كبار جدد في سوق الغاز، واشتداد المنافسة بين كبار المصدّرين العالميين مثل قطر والولايات المتحدة وأستراليا، إلى جانب التوسع الكبير في قدرات التسييل العالمية، ولا سيما في قطر والولايات المتحدة. كما تسهم عملية تطوير أسواق جديدة، واتساع قاعدة الدول المستوردة، وفتح مسارات تجارية إضافية، بما في ذلك توسيع قناة بنما واستكشاف طريق بحر الشمال، في إعادة تشكيل أنماط التسعير والعقود الحاكمة لتجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.