تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬النفوذ‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي

WW.33

لا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مجالاً‭ ‬واسعاً‭ ‬للجدل‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬تقليص‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬اليوان‭ ‬ليكون‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬حقيقي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬عبر‭ ‬فهم‭ ‬مبسط‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬استخدام‭ ‬العملة،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نسخه‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬النجاح‭ ‬المرجو‭.‬
فالمشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬مبدأ‭ ‬تدويل‭ ‬العملة‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬تسريع‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬أولاً‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬النقدي‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬العملات‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬مهيمنة‭ ‬لمجرد‭ ‬انتشارها،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬صلبة‭ ‬تجعل‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭ ‬أمراً‭ ‬صعباً‭.‬
عند‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬العملات‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬رئيسية‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬تسوية‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنمية‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬فقط‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ازدهار‭ ‬تلك‭ ‬الأسواق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬صعود‭ ‬العملة،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬كنتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬له‭.‬
وفي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬تدويل‭ ‬العملات،‭ ‬لا‭ ‬تلعب‭ ‬العملة‭ ‬نفسها‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم،‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأعمق‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬تعثر‭ ‬تجربة‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬اليابانية،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬التجربة‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬أسواقها‭ ‬الخارجية‭ ‬بالتشكل‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتوسعت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬السبعينيات،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الدولار‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬ترسخ‭ ‬بالفعل‭ ‬كعملة‭ ‬مهيمنة‭ ‬منذ‭ ‬اعتماد‭ ‬نظام‭ ‬اتفاقية‭ ‬بريتون‭ ‬وودز،‭ ‬متقدماً‭ ‬على‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فالوضع‭ ‬يختلف‭ ‬نسبياً‭. ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬توحيد‭ ‬العملة‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬سوق‭ ‬مالية‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬داخل‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المصدرة‭ ‬للسندات‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬نفسها‭. ‬وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬لليورو‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬امتداد‭ ‬للأسواق‭ ‬الداخلية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬اليورو‭ ‬لم‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬السوق‭ ‬الموحدة‭ ‬داخلياً‭.‬
ومن‭ ‬زاوية‭ ‬تاريخية‭ ‬أخرى،‭ ‬وباستثناء‭ ‬التجربة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الفريدة،‭ ‬اعتمدت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬صعود‭ ‬عملتيهما‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬مختلف،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬مدعوماً‭ ‬بشبكات‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬ويعني‭ ‬تصدير‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المالية،‭ ‬ترسيخ‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬ارتباطها‭ ‬بالذهب‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬استقرار‭ ‬قيمتها،‭ ‬بينما‭ ‬يتمثل‭ ‬مادياً‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬السلع‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والاستثمارات‭.‬
وقد‭ ‬تجسد‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬البريطانية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الأميركي‭ ‬خلال‭ ‬وبعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشروع‭ ‬مارشال‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي‭.‬
ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬إلا‭ ‬بمرحلة‭ ‬معاكسة‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ«إعادة‭ ‬التدفق‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تعود‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬المصدّرة‭ ‬لرأس‭ ‬المال،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬وسلع‭ ‬وسيطة‭ ‬ومنتجات‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬التزامات‭ ‬مالية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بعملتها،‭ ‬وبمعنى‭ ‬أبسط،‭ ‬تموّل‭ ‬الدولة‭ ‬الخارج،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬هذا‭ ‬التمويل‭ ‬إليها‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬عبر‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬الالتزامات‭ ‬المالية‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى،‭ ‬سواء‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬وتوجيه‭ ‬تدفقات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجارة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬لتشكّل‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬البنية‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬قوة‭ ‬العملة‭ ‬وانتشارها‭.‬

الطريق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لتعزيز‭ ‬
الحضور‭ ‬النقدي

إذا‭ ‬كان‭ ‬التاريخ‭ ‬مرآة‭ ‬يُستدل‭ ‬بها،‭ ‬فإن‭ ‬الدرس‭ ‬الأوضح‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬الإصلاحين‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬توسّع‭ ‬القاعدة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والمالية‭. ‬فتعزيز‭ ‬الدور‭ ‬الدولي‭ ‬لأي‭ ‬عملة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هدفاً‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لقوة‭ ‬داخلية‭ ‬متماسكة‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الإصلاح‭ ‬الداخلي‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬الانفتاح‭ ‬الخارجي‮»‬،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التسرع‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬قبل‭ ‬استكمال‭ ‬متطلبات‭ ‬النضج‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ففتح‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬دون‭ ‬جاهزية‭ ‬داخلية‭ ‬كافية‭ ‬قد‭ ‬يعرّض‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لمخاطر‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬الأصول‭ ‬الخارجية،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬استراتيجية‭ ‬التوسع‭ ‬الخارجي‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة،‭ ‬وتحسين‭ ‬هيكل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الدولية‭ ‬الصافية‭. ‬وتشير‭ ‬التحليلات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬مناطق‭ ‬تمتلك‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬والقدرة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬فرص‭ ‬النمو‭ ‬ويخلق‭ ‬امتدادات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬وتأثيراً‭.‬

التخطيط‭ ‬الشامل‭ ‬ومواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬المنظومية

تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬الحديثة‭ ‬أن‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تمنحه‭ ‬من‭ ‬مرونة،‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬تُنتج‭ ‬مخاطر‭ ‬مالية‭ ‬كامنة‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬نظامي‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬بعينه،‭ ‬إذ‭ ‬تُعد‭ ‬تجربة‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬تعقيدات‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬سياسات‭ ‬نقدية‭ ‬موحدة‭ ‬وأنظمة‭ ‬مالية‭ ‬لامركزية‭. ‬فرغم‭ ‬توحيد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬خاضعة‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬تباينات‭ ‬داخلية‭ ‬يصعب‭ ‬ضبطها‭ ‬بالكامل‭.‬
وقد‭ ‬اختارت‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬تعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭ ‬وتوحيد‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬مثلث‭ ‬المستحيل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬ظهور‭ ‬اختلالات‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭. ‬فالمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اللامركزية‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬موحدة‭ ‬دون‭ ‬اتحاد‭ ‬مالي‭ ‬حقيقي‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬البنية،‭ ‬تسعى‭ ‬الدول‭ ‬بقصد‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬قصد‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬الموحدة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬التمويل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاوتات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬بينها‭.‬
ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬نسب‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬لم‭ ‬تبقَ‭ ‬ثابتة،‭ ‬بل‭ ‬اتسعت‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬خاصة‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬الموحدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬تنسيق‭ ‬مالي‭ ‬كامل،‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الفوارق‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تقليصها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية‭ ‬أمام‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬البنية‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬الراهنة

وإذا‭ ‬انتقلنا‭ ‬من‭ ‬الإطار‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬تقدم‭ ‬نموذجاً‭ ‬معاصراً‭ ‬يجسد‭ ‬هذه‭ ‬التعقيدات‭ ‬بوضوح‭. ‬فرغم‭ ‬الفوارق‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬النموذج‭ ‬النقدي‭ ‬الصيني‭ ‬الموجّه‭ ‬نحو‭ ‬التنمية،‭ ‬وما‭ ‬يُعرف‭ ‬بسياسة‭ ‬‮«‬تمويل‭ ‬الأجور‮»‬‭ ‬في‭ ‬منطقـة‭ ‬اليورو،‭ ‬فـإن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينهما‭ ‬يظهر‭ ‬عند‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭.‬
ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬اندفاع‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يولّد‭ ‬آثاراً‭ ‬جانبية‭ ‬سلبية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي‭.‬
وقد‭ ‬برزت‭ ‬هذه‭ ‬التداعيات‭ ‬بوضوح‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬حين‭ ‬ارتفعت‭ ‬مستويات‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬أي‭ ‬نسبة‭ ‬إجمالي‭ ‬الالتزامات‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭. ‬فبعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الانخفاض‭ ‬النسبي‭ ‬بين‭ ‬2003‭ ‬و2008،‭ ‬عادت‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬للارتفاع‭ ‬نتيجة‭ ‬تراجع‭ ‬القيود‭ ‬المالية،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تطبيق‭ ‬حزمة‭ ‬تحفيزية‭ ‬ضخمة‭ ‬لدعم‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬عُرفت‭ ‬بسياسة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الحكومية‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬تريليونات‭. ‬ولتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬جرى‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬المحلية،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لها‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬الاقتراض‭.‬

اختلال‭ ‬هيكل‭ ‬الديون‮…‬‭ ‬
دائرة‭ ‬تتغذى‭ ‬على‭ ‬نفسها

أدى‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬هيكل‭ ‬الخصوم‭ ‬داخل‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬لتنشأ‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الرفع‭ ‬المالي‭ ‬وتدهور‭ ‬جودة‭ ‬الديون‭. ‬ويمكن‭ ‬تفكيك‭ ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬مكونات‭ ‬رئيسية‭: ‬القروض‭ ‬المصرفية،‭ ‬والسندات،‭ ‬والائتمان‭ ‬بين‭ ‬البنوك،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬غير‭ ‬المالية‭.‬
ومع‭ ‬تقلب‭ ‬السياسات‭ ‬بين‭ ‬التيسير‭ ‬والتشديد‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأفعوانية‮»‬‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬الهيكل‭ ‬تحولات‭ ‬لافتة‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬أهمية‭ ‬أدوات‭ ‬التمويل‭ ‬التقليدية‭ ‬تدريجياً،‭ ‬مقابل‭ ‬صعود‭ ‬واضح‭ ‬لأشكال‭ ‬التمويل‭ ‬غير‭ ‬التقليدية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬انخفضت‭ ‬حصة‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الخصوم‭.‬
ولا‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬مجرد‭ ‬تغيّر‭ ‬في‭ ‬الأدوات،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬اختلالات‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬وآليات‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬التمويل‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬أداة‭ ‬لضبط‭ ‬السيولة،‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬التفافية‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتجاوز‭ ‬القيود‭ ‬التنظيمية‭ ‬عبر‭ ‬قروض‭ ‬مرنة‭ ‬وغير‭ ‬مباشرة،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المشهد‭ ‬المالي‭ ‬ويرفع‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬الكامنة‭ ‬داخله‭.‬

بين‭ ‬الطموح‭ ‬والمخاطر‮…‬‭ ‬من‭ ‬يصنع‭ ‬الهيمنة‭ ‬النقدية؟

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يثبت‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬الهيمنة‭ ‬النقدية‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬عبر‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬أو‭ ‬الاستخدام‭ ‬الواسع‭ ‬للعملة‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وإدارة‭ ‬متوازنة‭ ‬لدورات‭ ‬التدفق‭ ‬المالي‭.‬
فالعملات‭ ‬لا‭ ‬تصبح‭ ‬عالمية‭ ‬لأنها‭ ‬تُستخدم،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها‭. ‬وبين‭ ‬طموح‭ ‬التدويل‭ ‬ومخاطر‭ ‬الانكشاف،‭ ‬يبقى‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الإصلاح‭ ‬الداخلي‭ ‬والانفتاح‭ ‬الخارجي،‭ ‬وهو‭ ‬التوازن‭ ‬الذي‭ ‬سيحدد‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭.‬

رجوع لأعلى