تخطي إلى المحتوى الرئيسي

استثمارات الطاقة المتجددة في المغرب العربي… سباق استراتيجي قبل 2050

استثمارات الطاقة المتجددة في المغرب العربي… سباق استراتيجي قبل 2050

تشهد دول المغرب العربي تحولاً متسارعاً نحو الطاقة المتجددة، مدفوعة بتنامي الطلب العالمي على الطاقة النظيفة، والضغوط المرتبطة بالتغير المناخي، إلى جانب السعي لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. ولا يقتصر هذا التوجه على تلبية الاحتياجات المحلية، بل يفتح آفاقاً اقتصادية واسعة لتصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، وجذب استثمارات خليجية ودولية تضع المنطقة في قلب خريطة الطاقة العالمية خلال العقود المقبلة.
ويتقدم المغرب دول المنطقة من حيث حجم الاستثمارات والمشاريع المنجزة أو قيد التطوير، يليه كل من الجزائر وتونس، ثم موريتانيا التي بدأت في استقطاب استثمارات خليجية، فيما لا تزال ليبيا في مرحلة التخطيط. ويعكس هذا الترتيب اختلاف مستويات الجاهزية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن التحول الطاقي أصبح خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه.
ويُعد المغرب النموذج الأبرز في مجال الطاقة النظيفة، بعدما أطلق منذ سنوات استراتيجية متكاملة للتحول الطاقي، جعلته في صدارة الدول العربية في هذا القطاع. ويبرز مشروع «نور ورزازات» للطاقة الشمسية كأحد أكبر المشاريع عالمياً، إذ يمثل حجر الأساس للاستراتيجية المغربية الهادفة إلى تغطية 42% من الطلب على الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2050. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى حاجة المغرب لنحو 78 مليار دولار لاستكمال مسار التحول الأخضر حتى منتصف القرن.
إلى جانب ذلك، يعكس مشروع «سيلا أتلانتيك» الطموح المغربي في تصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، عبر كابل بحري يمتد لنحو 4800 كيلومتر لنقل 26 تيراواط/ساعة سنوياً إلى ألمانيا، بتكلفة تتراوح بين 30 و40 مليار يورو، مع توقع بدء التشغيل في 2034.
وفي تونس، تتسارع الخطوات لتعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة من خلال مشاريع للطاقة الشمسية والرياح، أبرزها مشروع «قيروان للطاقة الشمسية» بقدرة 100 ميغاواط وتكلفة إنتاج منخفضة. كما تراهن تونس على مشروع الربط الكهربائي مع الجزائر وإيطاليا «Medlink»، الذي يستهدف إنشاء قدرة إنتاجية تصل إلى 10 غيغاواط، ما يتيح لها تصدير الكهرباء وتعزيز أمنها الطاقي.
أما الجزائر، ورغم اعتمادها الكبير على الغاز الطبيعي، فقد بدأت تنفيذ مشاريع للطاقة الشمسية والرياح، بالتوازي مع مشاركتها في مشروع «Medlink» الذي نال موافقة الاتحاد الأوروبي ليصبح ضمن مشاريع البنية التحتية ذات الاهتمام المشترك، ما يفتح المجال أمام تمويلات أوروبية لدعم تصدير الطاقة النظيفة.
وتبرز موريتانيا كوجهة واعدة بفضل إمكاناتها الكبيرة في الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى موقعها المؤهل لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر. وقد وقّعت مذكرة تفاهم مع السعودية لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة، في خطوة تعكس تنامي الاستثمارات الخليجية في المنطقة. أما ليبيا، فرغم التحديات السياسية، فقد بدأت العمل على خطط للربط الكهربائي مع تونس والجزائر ضمن رؤية مستقبلية لتصدير الطاقة.
ويحظى التحول الطاقي في المغرب العربي بدعم قوي من المؤسسات الدولية، حيث قدّم البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية تمويلات بمليارات الدولارات لمشاريع الطاقة النظيفة، إلى جانب مشاركة الاتحاد الأوروبي في تمويل مشاريع الربط الكهربائي. كما تلعب السعودية دوراً متزايداً عبر شركات كبرى، مثل «أكوا باور»، في دعم مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر.
ورغم الفرص الواعدة، تواجه دول المنطقة تحديات تتمثل في الحاجة إلى تمويلات ضخمة للبنية التحتية، وتحديث الأطر التشريعية، ومعالجة المخاطر الجيوسياسية، وبناء القدرات البشرية. ومع ذلك، يبقى التحول نحو الطاقة المتجددة مشروعاً اقتصادياً واستراتيجياً يعِد بإعادة رسم موقع المغرب العربي في سوق الطاقة العالمية، شرط تسريع الإصلاحات ومواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

رجوع لأعلى