استخراج النفط في فنزويلا.. مهمة شاقة بتكلفة باهظة
سلطت التطورات الأخيرة الضوء مجددًا على قطاع النفط الفنزويلي بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدام القوة العسكرية للسيطرة على قيادة البلاد واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، ونقله إلى نيويورك لمحاكمته.
وفي الأيام التي تلت ذلك، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا وستستفيد من احتياطاتها النفطية، متهماً كراكاس بسرقة النفط الأميركي في إشارة إلى قرار الرئيس الراحل هوغو تشافيز قبل عقود تأميم أصول مملوكة لشركات أجنبية بينها شركات نفط أمريكية.
وأشار ترامب إلى خطة تسمح بعودة الشركات الأمريكية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي المتدهور، معلناً أن فنزويلا ستزود الولايات المتحدة بما بين 30 و50 مليون برميل من النفط.
وتأتي هذه الخطوات في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في دولة تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم. وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية احتياطي فنزويلا بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يعادل نحو 17 % من الإمدادات العالمية. غير أن تدهور البنية التحتية أدى إلى تراجع الإنتاج إلى نحو 1 % فقط من الإنتاج العالمي.
ترامب يدعو شركات نفط كبرى للاستثمار في فنزويلا
وحث ترامب شركات نفط عالمية كبرى على استغلال احتياطات فنزويلا الضخمة من الخام خلال اجتماع مع رؤسائها في البيت الأبيض، الجمعة.
وجمع ترامب رؤساء مجموعات نفطية عالمية عديد منها أميركية بالإضافة إلى شركتي إيني الإيطالية وريبسول الإسبانية.
وأعلن الرئيس الأميركي أن هذه الشركات مستعدة لاستثمار «ما لا يقل عن 100 مليار دولار» في فنزويلا.
إكسون موبيل تحذر
من جانبها حذرت شركة «إكسون موبيل» الأميركية من أن فنزويلا لا تزال «غير قابلة للاستثمار» دون إجراء «تغييرات جوهرية» في قطاع النفط، وذلك رداً على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشركات النفط لضخ مليارات الدولارات في إنعاش صناعة النفط الفنزويلية.
وأعرب الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل»، دارين وودز، عن معارضته للدعوة للعودة السريعة إلى البلاد المضطربة، مؤكداً أن الهياكل القانونية والتجارية القائمة تجعل فنزويلا غير قابلة للاستثمار في الوقت الحالي، وأن الإصلاحات الجوهرية ضرورية قبل أي ضخ للاستثمارات الكبيرة.
لكن وودز شدد على ضرورة توفير حماية استثمارية مستدامة وإجراء تعديلات على القوانين النفطية والغازية الفنزويلية، مشيراً إلى تجارب الشركة السابقة مع مصادرة الأصول في البلاد.
بينما أبدت بعض الشركات، مثل «شيفرون» و«ريبسول»، تفاؤلها بشأن الاستثمارات المستقبلية في فنزويلا، ظل وودز متشككاً حيال تقديم التزامات سريعة دون ضمانات واضحة من الحكومة الفنزويلية، سواء قانونية أو مالية أو أمنية.
تحديات اقتصادية ومالية تواجه الاستثمار في نفط فنزويلا
اهتمام شركات الطاقة الأميركية بالدخول والاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي، يواجه تحديات اقتصادية ومالية لا تبرز في الإعلام الأميركي، لأن من مواصفات النفط الفنزويلي أنه ثقيل، وتكلفة الإنتاج مرتفعة على مستوى النفقات الرأسمالية أو التشغيلية، إذ تتراوح بين 15 و30 دولاراً للبرميل، بينما بعض المنتجين في أوبك ينتجون بتكلفة بين 5 و10 دولارات للبرميل.
ويرى الخبراء أن تكلفة إنتاج النفط الفنزويلي تبلغ ضِعف التكلفة لدى منتجي أوبك، وهذا أول تحدٍ ستواجهه الشركات الأميركية بشأن زيادة إنتاج النفط في فنزويلا، كما أن أسعار النفط غير مستقرة، ولذا فهذه الشركات ستعمل في بيئة غير مؤكدة.
«يوجد ترويج سياسي لدخول الشركات الأميركية إلى فنزويلا، ولكن هناك أيضاً عدم يقين بشأن الصورة الواقعية الاقتصادية التي تقود عملية الاستثمار والإنتاج في فنزويلا».
ومن المتوقع أن تعاني الشركات الأميركية في تسويق النفط الفنزويلي الثقيل بجانب عوامل سلبية أخرى منها عدم استقرار السوق، كما أن زيادة الإنتاج ستضغط على الأسعار خاصة لخام «WTI» نظراً لقرب فنزويلا من الولايات المتحدة، لكن العقود التي ستوقعها هذه الشركات في فنزويلا بشأن تقاسم الإنتاج ستكون شروطها إيجابية جداً لمنتجي النفط الأميركيين.
وتشير بيانات شركة ريستاد إنرجي إلى أن سعر التعادل (أي الحد الأدنى للسعر الذي يجعل إنتاج البرميل مربحاً) يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل بالنسبة للنفط الثقيل في حزام أورينوكو، شرقي فنزويلا وهذا الرقم أعلى بكثير من سعر خام «برنت»، المعيار الدولي، الذي يزيد قليلاً عن 60 دولاراً، ما يجعل إنتاج النفط في فنزويلا باهظ التكلفة وغير جذاب اقتصادياً في الظروف الحالية.
بمعنى آخر، النفط الفنزويلي غير منافس اقتصادياً في الوقت الراهن، فطالما بقي سعر برنت دون 80 دولاراً، فإن استخراج الخام الثقيل من حزام أورينوكو غير مربح تجارياً، وهو ما يعني أن لا جدوى تقريباً من خطة ترامب
صراع في المعسكر النفطي الأميركي
الانخراط الأمريكي القوي في فنزويلا فجّر غضباً واسعاً داخل قطاع النفط الصخري الأمريكي، خصوصاً في ولايات مثل تكساس النفطية، حيث يُعد المنتجون المستقلون من أبرز الداعمين السياسيين لترامب، ويرى هؤلاء في فتح النفط الفنزويلي انتقالاً خطيراً من سياسة حماية الإنتاج المحلي إلى إدارة السوق عبر الإغراق السعري، بما يهدد نموذج النفط الصخري برمته.
وتعزز هذه المخاوف أرقاماً مقلقة، فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية تتوقع في بيانات راجعها بقش أن يتراجع إنتاج النفط الأمريكي بنحو 100 ألف برميل يومياً في 2026، وهو أول انخفاض سنوي منذ جائحة كورونا، مع تراجع عدد منصات الحفر بنسبة 15 %.
ويحتاج منتجو النفط الصخري إلى سعر يتجاوز 60 دولاراً لبرميل خام غرب تكساس لتحقيق الربحية طبقاً لقراءة بقش، في وقت هبطت فيه الأسعار إلى ما دون 56 دولاراً، مع توقعات بمتوسط 51 دولاراً خلال العام، بالتزامن مع زيادة إنتاج «أوبك».