استخراج النفط في فنزويلا.. ثروة ثقيلة بين الفرص والتحديات
سلطت التطورات الأخيرة الضوء مجددًا على قطاع النفط الفنزويلي بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدام القوة العسكرية للسيطرة على قيادة البلاد واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، ونقله إلى نيويورك لمحاكمته.
وفي الأيام التي تلت ذلك، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا وستستفيد من احتياطاتها النفطية، متهماً كراكاس بسرقة النفط الأميركي في إشارة إلى قرار الرئيس الراحل هوغو تشافيز قبل عقود تأميم أصول مملوكة لشركات أجنبية بينها شركات نفط أمريكية.
وأشار ترامب إلى خطة تسمح بعودة الشركات الأمريكية لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي المتدهور، معلناً أن فنزويلا ستزود الولايات المتحدة بما بين 30 و50 مليون برميل من النفط.
وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مُقدَّرة في العالم، رغم أن إنتاجها الفعلي لا يمثل سوى جزء محدود من طاقتها النفطية، وذلك نتيجة العقوبات الأميركية الصارمة، ونقص الاستثمارات، وغياب التقنيات الحديثة في قطاع الطاقة.
وتُقدَّر احتياطيات فنزويلا بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يعادل قرابة 17 % من الاحتياطيات النفطية العالمية، متقدمة على المملكة العربية السعودية التي تُعد أكبر منتج للنفط في العالم، وفق وكالة رويترز.
ويُعد خام «ميري 16» الخام القياسي في فنزويلا، وهو نفط ثقيل حامضي يشكّل الجزء الأكبر من صادرات شركة النفط الفنزويلية الحكومية، ويُنتج أساسًا في حزام أورينوكو النفطي، حيث يُحضَّر عبر مزج نفط فائق الثقل مع مواد مخفِّفة، ما يُسهّل نقله وتداوله وتكريره، وفق منصة شيل المتخصصة في شؤون الطاقة والتعدين.
ومنذ إدراجه ضمن سلة خامات منظمة الدول المصدّرة للنفط في يناير 2009، أصبح خام ميري 16 ركيزة أساسية للاقتصاد الفنزويلي.
غير أن هذا الخام يواجه تحديات كبيرة، أبرزها العقوبات الدولية، وتقلبات الأسعار العالمية، وارتفاع كلفة التكرير المرتبطة بخصائصه الثقيلة ومحتواه المرتفع من الكبريت.
ويتناول هذا التقرير أهمية خام ميري 16، ومواصفاته الفنية الأساسية، وأوجه الاختلاف بينه وبين الخامات النفطية الأخرى، إلى جانب المصافي الملائمة لمعالجته ومناطق انتشارها حول العالم.
● ما هي مواصفات خام ميري 16 الأساسية؟
خام ميري 16 هو نفط ثقيل يُنتج في فنزويلا، ويتميّز بدرجة كثافة منخفضة تبلغ نحو 16 درجة، وبمحتوى كبريت مرتفع يصل إلى قرابة 2.7 %، إضافة إلى نقطة انسكاب منخفضة تبلغ 15.9 تحت الصفر، وفق شركة جي دي للخدمات والمستلزمات النفطية.
ويُعرَّف النفط الخام الثقيل بأنه النفط الذي تقل درجة كثافته عن عشرين درجة، وتندرج القيم النموذجية لخام ميري ضمن نطاق يتراوح بين 15.9 و16.2 درجة، وفق منصة شيل المتخصصة.
● ما هو مقياس الكثافة النفطية؟
مقياس الكثافة النفطية هو معيار وضعه معهد البترول الأميركي لقياس مدى خفة أو ثِقل النفط مقارنة بالماء، وكلما انخفضت درجة الكثافة، زادت لزوجة النفط وصعوبة استخراجه ونقله وتكريره، وارتفعت في المقابل كلفة معالجته داخل المصافي.
● ما أهمية خام ميري 16؟
تكمن أهمية خام ميري 16 في حجم إنتاجه الكبير والطلب القوي عليه من المصافي المتخصصة في معالجة النفط الخام الثقيل. ويُعد هذا الخام مثاليا للمصافي المزوّدة بوحدات تحويل عميقة، القادرة على إنتاج مشتقات عالية القيمة مثل البنزين والديزل والكيروسين.
ويُشكّل خام ميري العمود الفقري للإنتاج النفطي الفنزويلي، ويحظى بطلب واسع في الأسواق الدولية، ولا سيما في الولايات المتحدة وآسيا، وفق شركة جي دي للخدمات ومنصة شيل.
ما أوجه الاختلاف بينه وبين الخامات النفطية الأخرى؟
النفط الخام ليس مادة متجانسة. فقد تبدو براميله متشابهة من الخارج، غير أن الفروق الجوهرية تظهر بوضوح داخل وحدات التكرير. فبعض الخامات يتدفق بسهولة أشبه بسائل خفيف، بينما يكون بعضها الآخر كثيفا ولزجا، أقرب إلى العسل الثقيل.
ولا تُعد هذه الفروق مسألة تقنية هامشية، بل عوامل حاسمة تحدد كلفة التكرير، ونوعية المشتقات المنتجة، وكفاءة تشغيل المصافي، وربحية كل برميل نفط.
ويُصنَّف النفط الخام إلى ثلاثة أنواع رئيسية، وفق مجموعة جت جلوبال:
النفط الخام الخفيف
يُعد النفط الخام الخفيف الأكثر تفضيلا في الأسواق، لسهولة تدفقه وقدرته العالية على التحول إلى مشتقات مرتفعة القيمة مثل البنزين ووقود الطائرات والديزل. ويُعد خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت من أبرز الأمثلة على هذا النوع.
النفط الخام المتوسط
يُشكّل النفط الخام المتوسط خيارًا متوازنًا، إذ لا ينساب بسهولة الخام الخفيف، لكنه قابل للمعالجة في معظم المصافي. وقد صُممت العديد من المصافي الآسيوية خصيصا للعمل مع هذا النوع، لما يحققه من توازن بين السعر والعائد.
النفط الخام الثقيل
يتطلب النفط الخام الثقيل تجهيزات خاصة وصبراً تشغيلياً. فهو داكن اللون وعالي اللزوجة، وقد يحتاج إلى التسخين حتى أثناء نقله عبر الأنابيب. ويندرج خام ميري الفنزويلي ضمن هذه الفئة، ولا يصبح مجدياً اقتصادياً إلا في المصافي المجهزة بوحدات تحويل عميقة.
● هل تمتلك فنزويلا أنواعا أخرى من النفط؟
تمتلك فنزويلا مزيجًا متنوعًا من الخامات النفطية، وإن كان هذا التوزيع غير متوازن.
فبحسب صحيفة كراكاس كرونيكل، تزخر البلاد باحتياطيات ضخمة من النفط الثقيل جدًا في حزام أورينوكو، مقابل احتياطيات محدودة نسبياً من النفطين المتوسط والخفيف في حوض بحيرة ماراكايبو وشمال ولاية موناغاس.
وخلال السنوات الماضية، شهد إنتاج الحقول التقليدية في موناغاس تراجعا ملحوظا. ولتعويض هذا الانخفاض، اتجهت فنزويلا إلى تطوير حزام أورينوكو، خاصة منذ انفتاح قطاع النفط الحكومي على الاستثمار الأجنبي في تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تطور تقنيات خفّضت كلفة استخراج النفط الثقيل وجعلته أكثر جدوى اقتصادية.
وحالياً، يأتي نحو 60 % من إنتاج فنزويلا النفطي من حزام أورينوكو. غير أن التحدي الأبرز لهذا الخام يكمن في ثقله الشديد، إذ يتطلب عمليات معالجة إضافية، كما أن معدل تدفقه الطبيعي إلى السطح لا يتجاوز 8 %، مقارنة بنحو 50 % للنفط التقليدي.
ورغم هذه التحديات، يمتلك حزام أورينوكو قدرة إنتاجية هائلة تفوق بكثير إنتاج الحقول الأصغر والمتراجعة في بقية أنحاء البلاد، التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة للحفاظ على مستوياتها. ولهذا السبب، يُنظر إلى نفط أورينوكو الثقيل باعتباره الركيزة المستقبلية الأساسية لإنتاج النفط الفنزويلي، في حال توفرت الاستثمارات والتقنيات اللازمة.
مصافي خام ميري عالميًا
يتطلب خام ميري الفنزويلي مصافي ذات تجهيزات خاصة قادرة على التعامل مع النفط الثقيل عالي الكبريت. ولهذا، يتركّز الطلب عليه في عدد محدود من الأسواق التي تمتلك بنية تكرير متقدمة ووحدات تحويل عميقة.
- تحديات اقتصادية أمام استثمارات النفط الأميركية في فنزويلا
يشير الخبراء أن تكلفة إنتاج النفط الفنزويلي تبلغ ضِعف التكلفة لدى منتجي أوبك، وهذا أول تحدٍ ستواجهه الشركات الأميركية بشأن زيادة إنتاج النفط في فنزويلا، كما أن أسعار النفط غير مستقرة، ولذا فهذه الشركات ستعمل في بيئة غير مؤكدة.
«يوجد ترويج سياسي لدخول الشركات الأميركية إلى فنزويلا، ولكن هناك أيضاً عدم يقين بشأن الصورة الواقعية الاقتصادية التي تقود عملية الاستثمار والإنتاج في فنزويلا».
ومن المتوقع أن تعاني الشركات الأميركية في تسويق النفط الفنزويلي الثقيل بجانب عوامل سلبية أخرى منها عدم استقرار السوق، كما أن زيادة الإنتاج ستضغط على الأسعار خاصة لخام «WTI» نظراً لقرب فنزويلا من الولايات المتحدة، لكن العقود التي ستوقعها هذه الشركات في فنزويلا بشأن تقاسم الإنتاج ستكون شروطها إيجابية جداً لمنتجي النفط الأميركيين.
وتشير بيانات شركة ريستاد إنرجي إلى أن سعر التعادل (أي الحد الأدنى للسعر الذي يجعل إنتاج البرميل مربحاً) يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل بالنسبة للنفط الثقيل في حزام أورينوكو، شرقي فنزويلا وهذا الرقم أعلى بكثير من سعر خام «برنت»، المعيار الدولي، الذي يزيد قليلاً عن 60 دولاراً، ما يجعل إنتاج النفط في فنزويلا باهظ التكلفة وغير جذاب اقتصادياً في الظروف الحالية.
بمعنى آخر، النفط الفنزويلي غير منافس اقتصادياً في الوقت الراهن، فطالما بقي سعر برنت دون 80 دولاراً، فإن استخراج الخام الثقيل من حزام أورينوكو غير مربح تجارياً، وهو ما يعني أن لا جدوى تقريباً من خطة ترامب.