تخطي إلى المحتوى الرئيسي

‮‬اشتراكية‭ ‬جيل‭ ‬زد‮‬‭.. ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الغربي

‮‬اشتراكية‭ ‬جيل‭ ‬زد‮‬‭.. ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الغربي

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يواصل‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تسجيل‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬إيجابية‭ ‬وتبقى‭ ‬مؤشرات‭ ‬البطالة‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬تتشكل‭ ‬موجة‭ ‬سياسية‭ ‬وفكرية‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬تحمل‭ ‬ملامح‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬الحركات‭ ‬اليسارية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬التأميم‭ ‬أو‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بالكامل،‭ ‬يتجه‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«اشتراكية‭ ‬المعيشة‭ ‬اليومية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬مقاربة‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬المباشرة‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭.‬

ضغوط‭ ‬معيشية
يأتي‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يشعر‭ ‬فيه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الشباب،‭ ‬بأن‭ ‬التحسن‭ ‬الذي‭ ‬تعكسه‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكلية‭ ‬لا‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬واقعهم‭ ‬المعيشي‭. ‬فارتفاع‭ ‬الإيجارات‭ ‬وأسعار‭ ‬المنازل‭ ‬وتكاليف‭ ‬الغذاء‭ ‬والطاقة‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬بات‭ ‬يشكل‭ ‬عبئاً‭ ‬متزايداً‭ ‬على‭ ‬الأسر،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬نمواً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬مستقراً‭.‬
هذا‭ ‬الشعور‭ ‬بوجود‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الرسمي‭ ‬والتجربة‭ ‬المعيشية‭ ‬الفعلية‭ ‬دفع‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬السائدة،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭ ‬لمعالجة‭ ‬الضغوط‭ ‬اليومية‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتركز‭ ‬حول‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬وتأمين‭ ‬مستوى‭ ‬معيشي‭ ‬مستقر‭.‬

صعود‭ ‬سياسي
انعكس‭ ‬هذا‭ ‬المزاج‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا،‭ ‬حيث‭ ‬برز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬يطرحون‭ ‬برامج‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬تخفيض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭. ‬وتدور‭ ‬هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬حول‭ ‬تجميد‭ ‬الإيجارات،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الإسكان‭ ‬الميسر،‭ ‬وتقديم‭ ‬رعاية‭ ‬أطفال‭ ‬مجانية‭ ‬أو‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬خدمات‭ ‬النقل‭ ‬العام،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬
ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬متزايدة‭ ‬لدى‭ ‬مؤيديه‭ ‬بأن‭ ‬الأسواق‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الاختلالات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تفاقمت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأن‭ ‬تدخل‭ ‬الحكومات‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورياً‭ ‬لتحقيق‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تحاول‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الملموسة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬النقاشات‭ ‬الفكرية‭ ‬الواسعة‭ ‬حول‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والاشتراكية‭.‬

قلق‭ ‬تكنولوجي
إلى‭ ‬جانب‭ ‬الضغوط‭ ‬المعيشية،‭ ‬برز‭ ‬عامل‭ ‬جديد‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬شعبية‭ ‬هذا‭ ‬التيار‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الانتشار‭ ‬السريع‭ ‬لتقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬فبينما‭ ‬ترى‭ ‬الشركات‭ ‬والحكومات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬فرصة‭ ‬لرفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحفيز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬باعتبارها‭ ‬تهديداً‭ ‬محتملاً‭ ‬للاستقرار‭ ‬الوظيفي‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬المستقبلية‭.‬
وتزايدت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬الأتمتة‭ ‬المتسارعة‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬الثروة‭ ‬والعوائد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة،‭ ‬بينما‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬الوظائف‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الدخل‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ولهذا‭ ‬أصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الجديد،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفه‭ ‬قضية‭ ‬تقنية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬عاملاً‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬والدخل‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭.‬

جدل‭ ‬اقتصادي
في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تشهد‭ ‬الأوساط‭ ‬الأكاديمية‭ ‬نقاشات‭ ‬متزايدة‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ويستند‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬حرف‭ ‬K‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬فئات‭ ‬معينة‭ ‬تستفيد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بينما‭ ‬تتعرض‭ ‬فئات‭ ‬أخرى‭ ‬لضغوط‭ ‬متزايدة‭ ‬وتراجع‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭.‬
كما‭ ‬ظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬تتهم‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬باستغلال‭ ‬فترات‭ ‬التضخم‭ ‬لتعزيز‭ ‬هوامش‭ ‬أرباحها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬اقتصاديون‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور‭ ‬وتغيرات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭ ‬لعبت‭ ‬أدواراً‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬موجات‭ ‬التضخم‭ ‬الأخيرة‭. ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬الاتجاهين،‭ ‬يبرز‭ ‬نقاش‭ ‬أوسع‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬وحده‭ ‬كافياً‭ ‬لتحقيق‭ ‬الرفاه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭.‬
ورغم‭ ‬الشعبية‭ ‬المتنامية‭ ‬للأفكار‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬هذا‭ ‬التيار،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تمويل‭ ‬البرامج‭ ‬المقترحة‭. ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬ضرائب‭ ‬أعلى‭ ‬على‭ ‬أصحاب‭ ‬الثروات‭ ‬الكبيرة‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم‭ ‬دون‭ ‬التأثير‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬‮«‬اشتراكية‭ ‬جيل‭ ‬زد‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬موجة‭ ‬سياسية‭ ‬عابرة،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬فالقضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالنقاشات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التقليدية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بسؤال‭ ‬يومي‭ ‬يواجهه‭ ‬ملايين‭ ‬الشباب‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ترتفع‭ ‬فيه‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬مواكبتها؟‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬مرشح‭ ‬لأن‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى