اقتصاديون لـ«عالم الاقتصاد»: تصاعد التوتر الأميركي –الإيراني… خسائر استثمارية على المدى الطويل
في البداية، قال الخبير النفطي الدكتور عبد السميع بهبهاني إن التصعيد الأميركي–الإيراني يشكّل عاملاً ضاغطاً على بيئة الأمن الإقليمي في الخليج، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل من الزاوية النفسية والاقتصادية أيضاً، مشيراً إلى أن أسواق الطاقة تاريخياً تتفاعل بحساسية عالية مع أي توتر في هذه المنطقة نظراً لثقلها في إمدادات النفط والغاز العالمية.
وأضاف أن أسعار النفط ارتفعت خلال الأسبوعين الماضيين بنحو 5%، من مستوى 65 دولاراً إلى قرابة 70 دولاراً للبرميل، وهو ارتفاع يعكس تفاعل عاملين رئيسيين: العامل الجيوسياسي، وعامل الطلب الموسمي الذي بدأ مبكراً هذا العام، مع انتقال زخم الشراء الآجل من الربع الثالث إلى الربع الثاني.
وأوضح أن العامل الجيوسياسي حالياً تغلب عليه «العلاوة النفسية» (Psycho Premium)، نتيجة التصريحات الأميركية المتعلقة بتعزيز التعبئة العسكرية في المحيط الهندي، إلى جانب تقارير عن تحميل ألغام بحرية على سفن إيرانية، وأخبار عن مناورات إيرانية–صينية–روسية مرتقبة في بحر عُمان والمحيط الهندي، ما رفع منسوب القلق في الأسواق.
وأشار إلى أن التلويح بتهديد مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 30 % من تجارة النفط العالمية، وما يقارب 90 % من صادرات الغاز المسال القطري، يضيف علاوة مخاطر فورية على الأسعار، حتى في حال عدم وقوع تعطيل فعلي للإمدادات.
وفي المقابل، لفت بهبهاني إلى وجود عوامل واقعية دعمت الأسعار بعيداً عن العامل النفسي، من بينها تأثر الإنتاج بالعاصفة الثلجية في تكساس، وتفجير خط أنابيب تنقيز في كازاخستان، ما أفقد السوق نحو مليون برميل يومياً.
وأضاف أن استمرار إيران، رابع أكبر منتج في «أوبك»، في تحميل نحو مليوني برميل يومياً للتصدير، يؤكد أن الإمدادات لم تتعطل حتى الآن بصورة مباشرة.
وأشار إلى وجود عوامل ضاغطة تحدّ من اندفاعة الأسعار، مثل تعطل بعض المصافي في خليج المكسيك، وانفجار مصفاة في تركيا، إضافة إلى تباطؤ الطلب الآسيوي، ما يخلق توازناً هشاً بين قوى الرفع وقوى الكبح.
وبشأن الكويت، أكد بهبهاني أن ارتفاع الأسعار يوفر دعماً مالياً قصير الأجل للموازنة العامة المعتمدة بشكل رئيسي على الإيرادات النفطية، إلا أنه يرفع في الوقت ذاته منسوب المخاطر الجيوسياسية في محيط استراتيجي حساس، معتبراً أن جزءاً من الارتفاع الحالي يحمل طابع التسعير النفسي والمناورة السياسية، لكنه تزامن مع عوامل عرض وطلب حقيقية، ما يجعل أثره واقعياً طالما لم ينزلق التوتر إلى مواجهة مباشرة تعطل الإمدادات فعلياً.
منافس قوي
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي محمد رمضان إن المؤشرات تشير إلى احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة لإيران، إلا أن القرار النهائي لا يزال غير محسوم، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، في ظل عدم وضوح موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأوضح أن الاستفادة الحالية من التوتر الأميركي–الإيراني تجلت بوضوح في ارتفاع أسعار النفط، معتبراً ذلك أمراً طبيعياً في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وأشار إلى أن تنفيذ الضربة قد يرفع تكاليف التأمين على شحنات النفط، وهو ما يمثل مؤشراً سلبياً على الأسواق.
وأضاف أن إيران، بعد الضربة، قد تتحول إلى نموذج شبيه بالعراق، حيث لن يرتفع إنتاج النفط بشكل كبير لفترة، وقد تظهر إشكالات معينة، ما يمنح الاقتصاد الكويتي استفادة على المدى المتوسط.
إلا أنه حذر من أن الأثر السلبي سيظهر على المدى الطويل في حال دخول الاستثمارات الأميركية إلى الصناعات النفطية والبتروكيماوية الإيرانية، ما يحول إيران إلى منافس قوي لدول الخليج، ويؤثر سلباً على الاقتصاد الكويتي، خصوصاً في قطاعي النفط والبتروكيماويات.
وأكد أن رفع العقوبات الأميركية عن إيران سيجعلها منافساً قوياً جداً، وإذا ما عملت بطاقتها الإنتاجية الكاملة، فإن ذلك سيشكل تحدياً كبيراً للكويت ودول الخليج الأخرى على المدى الطويل.
تأثر فوري
بدوره، قال الخبير الاقتصادي طلال الأسد إن التأثير المباشر لأي تصعيد سيتمثل في ارتفاع أسعار النفط نتيجة مخاوف الإمدادات، وما يصاحب ذلك من زيادة مؤقتة في الإيرادات النفطية.
وأشار إلى أنه في حال استمرار التوتر، سيشهد الاقتصاد تقلبات حادة في الأسعار، مع صعوبة التخطيط المالي، وضغوط محتملة على الميزانية في حال تراجع الطلب العالمي.
وأوضح أن تصاعد التوتر سينعكس فوراً على بورصة الكويت والاستثمار، من خلال تراجع مؤقت في أسهم البنوك والشركات الاستثمارية وقطاع العقار.
وأكد أن الاستقرار السياسي، إلى جانب الاحتياطيات المالية القوية، يظل عاملاً داعماً لجاذبية الكويت أمام المستثمر الأجنبي، باعتبارها دولة مستقرة سياسياً وذات ملاءة مالية مرتفعة.
وفيما يتعلق بالمشاريع الحكومية، أشار الأسد إلى أن بعض المشاريع التنموية قد تتأثر سلباً، مع توجيه إنفاق أكبر نحو الأمن والدفاع، إلا أن القوة المالية للكويت تخفف من حدة الصدمة.
- تجارة النفط تحت ضغط التوترات الجيوسياسية
تمثل منطقة الخليج العربي القلب النابض لتجارة النفط العالمية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة المنقولة بحراً، ما يجعلها الأكثر حساسية لأي تصعيد سياسي أو عسكري. ويُعد مضيق هرمز الشريان الرئيسي لهذه التجارة، حيث تعبره يومياً كميات ضخمة من النفط الخام والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال، متجهة إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية أو اندلاع حرب في المنطقة، تتعرض تجارة النفط لجملة من الضغوط المباشرة، في مقدمتها ارتفاع علاوات المخاطر، وزيادة تكاليف التأمين على الشحنات النفطية، فضلاً عن اضطراب جداول الإمداد وتأخر عمليات التسليم، حتى في حال عدم تعطل الإنتاج فعلياً.
وتنعكس هذه الأوضاع سريعاً على أسعار النفط العالمية، إذ تضيف الأسواق ما يُعرف بـ«علاوة الحرب»، التي ترفع الأسعار تحسباً لسيناريوهات تعطيل الإمدادات أو إغلاق الممرات البحرية، وهو ما قد يحقق مكاسب سعرية مؤقتة للدول المنتجة، لكنه يرفع في المقابل الكلفة الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.
كما تؤثر التوترات والحروب على قرارات المستوردين الكبار، خصوصاً في آسيا، الذين قد يلجأون إلى تنويع مصادر الإمداد أو زيادة المخزونات الاستراتيجية، ما يغيّر أنماط الطلب ويضغط على استقرار السوق. وفي الوقت ذاته، تتأثر تجارة المنتجات النفطية والبتروكيماويات، مع ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل، وتراجع هوامش الربحية.
ولا يقتصر الأثر على تجارة النفط فقط، بل يمتد إلى حركة الاستثمار في قطاع الطاقة، حيث تتراجع شهية الشركات العالمية لضخ استثمارات جديدة في بيئة عالية المخاطر، ما يؤخر مشاريع التوسع والتطوير، ويؤثر على خطط زيادة الطاقة الإنتاجية مستقبلاً.
ورغم ما تتمتع به دول الخليج من بنية تحتية قوية واحتياطيات مالية كبيرة وقدرة على امتصاص الصدمات، فإن استمرار التوتر أو تحوله إلى حرب مفتوحة يظل عاملاً ضاغطاً على استقرار تجارة النفط في المنطقة، ويضع اقتصاداتها أمام معادلة صعبة بين مكاسب سعرية آنية وتكاليف اقتصادية واستثماري طويل الأجل.