اقتصاد الأزمات.. من يربح عندما تهتز الأسواق؟
كان الهجوم المباغت الذي نفذته الولايات المتحدة وكيان الاحتلال على أهداف داخل إيران كافياً لقلب مزاج الأسواق العالمية في لحظة واحدة، إذ تحولت الأسواق التي كانت تتحرك بوتيرة اعتيادية إلى حالة من الصدمة والاضطراب.
ورغم أن الولايات المتحدة اختارت الساعات الأولى من صباح يوم السبت لتنفيذ الضربة، وهي فترة تكون فيها الأسواق المالية العالمية مغلقة فإن رد فعل الأسواق لم يتأخر طويلاً.
فمع استئناف التداولات، بدأ المستثمرون سريعاً في إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، لترتفع أسعار النفط وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج، بينما تدفقت الأموال نحو الذهب باعتباره أحد أبرز الملاذات الآمنة في أوقات التوترات الدولية.
وعادة ما تؤدي فترات التوترات الجيوسياسية أو الاضطرابات المالية أو الصدمات الاقتصادية إلى موجات من القلق في الأسواق العالمية، حيث يصبح المستثمرون أكثر حذرًا، وتسارع الحكومات إلى محاولة تثبيت اقتصاداتها، بينما تواجه الشركات حالة متزايدة من الضبابية وعدم اليقين.
ومع ذلك، يظهر التاريخ الاقتصادي مراراً أن الأزمات لا تؤثر في جميع الأطراف داخل السوق بالطريقة نفسها.
ففي الوقت الذي تتكبد فيه بعض القطاعات خسائر كبيرة، تزدهر قطاعات أخرى تحديداً بسبب حالة عدم اليقين التي تعيد توجيه تدفقات رأس المال، وتغير أنماط الطلب على السلع، وتبدّل نظرة المستثمرين إلى المخاطر.
وخلال فترات الاضطراب، مثل الوضع الراهن في الشرق الأوسط، يميل المستثمرون إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر، والتوجه نحو الأصول الآمنة أو القطاعات الدفاعية والصناعات الاستراتيجية.
ويطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة اسم «الهروب إلى الأمان»، حيث تنتقل رؤوس الأموال إلى الأصول التي يُنظر إليها باعتبارها مخزناً مستقراً للقيمة. وغالباً ما يؤدي هذا التحول إلى تحقيق مكاسب كبيرة لقطاعات محددة، مثل منتجي السلع الأساسية وشركات الطاقة والمستثمرين القادرين على الاستفادة من تقلبات الأسواق.
وقد أظهرت أزمات عالمية سابقة مثل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وجائحة كورونا في عام 2020، والتوترات الجيوسياسية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022 كيف يمكن لحالة عدم اليقين أن تخلق فرصاً استثمارية في قطاعات معينة من الاقتصاد.
لذلك فإن فهم الجهات التي تستفيد من عدم اليقين يعد عنصراً أساسيًا لفهم ديناميكيات اقتصاد الأزمات.
الذهب والهروب إلى الأمان
يُعد الذهب تاريخيًا أحد أبرز المستفيدين من حالات عدم اليقين الاقتصادي.
فعندما تتراجع ثقة المستثمرين في الأسواق المالية أو العملات أو الاستقرار الاقتصادي للدول، يتجه الكثير منهم إلى الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة، إذ لا يعتمد على أرباح الشركات أو متانة الأوضاع المالية للحكومات، ما يجعله أكثر جاذبية خلال الأزمات.
ورغم أن أسعار الذهب أنهت تعاملات الجمعة الماضية عند نحو 5158 دولاراً للأوقية مقابل 5230 دولاراً في الأسبوع السابق، فإن حركة المعدن الأصفر خلال الأزمات غالبًا ما تعكس اندفاع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، كما حدث خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
فمع انهيار بنوك كبرى وتراجع الأسواق المالية حول العالم، ارتفعت أسعار الذهب بشكل كبير.
ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي، صعد سعر الذهب من نحو 869 دولاراً للأوقية في يناير 2008 إلى أكثر من 1900 دولار للأوقية في سبتمبر 2011، وهو أعلى مستوى له آنذاك.
وكان هذا الارتفاع نتيجة مباشرة لبحث المستثمرين عن الحماية من الاضطرابات المالية ومن السياسات النقدية التوسعية التي تبنتها البنوك المركزية، مثل برامج التيسير الكمي.
وتكرر المشهد خلال جائحة كورونا، فمع انهيار الأسواق في بداية عام 2020 وفرض الإغلاقات في العديد من الاقتصادات الكبرى، اتجه المستثمرون مرة أخرى إلى الأصول الآمنة.
وبلغ الذهب مستوى قياسياً جديداً في أغسطس 2020 عندما وصل إلى نحو 2075 دولاراً للأوقية، بحسب بيانات الأسواق العالمية وتقارير مجلس الذهب العالمي، وهو ما عكس المخاوف من الركود الاقتصادي وتراجع قيمة العملات نتيجة السياسات المالية والنقدية الضخمة التي تبنتها الحكومات.
ولم يقتصر الإقبال على الذهب على المستثمرين فقط، بل امتد أيضًا إلى البنوك المركزية، إذ أفاد مجلس الذهب العالمي بأن البنوك المركزية اشترت أكثر من 1000 طن من الذهب خلال عام 2022، وهو أعلى مستوى لمشتريات البنوك المركزية في عام واحد على الإطلاق.
ويعكس ذلك توجه الدول إلى تعزيز احتياطاتها من الأصول الآمنة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
أما بالنسبة لشركات تعدين الذهب، فإن مثل هذه الفترات غالبًا ما تتحول إلى فرص لتحقيق أرباح كبيرة.
فعلى سبيل المثال، سجلت شركة نيو مونت كوربوريشن، إحدى أكبر شركات تعدين الذهب في العالم، إيرادات تجاوزت 11.9 مليار دولار في عام 2022، مستفيدة جزئياً من ارتفاع أسعار الذهب عالميًا.
أسواق الطاقة.. أرباح الأزمات وصدمات الإمدادات
انعكست التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط بسرعة على أسواق النفط العالمية. فمع تصاعد التوتر بعد الضربات التي استهدفت إيران، ارتفعت أسعار الخام بشكل حاد وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات في منطقة الخليج، إحدى أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم.
وفي بداية تعاملات يوم الاثنين، قفز سعر برميل النفط فوق مستوى 100 دولار للمرة الأولى منذ يوليو 2022.
وسجل خام برنت في الساعات الأولى من التداول نحو 111.04 دولاراً للبرميل، مرتفعًا بنحو 20 % مقارنة بتعاملات يوم الجمعة الماضي.
في حين بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 107.93 دولارًا للبرميل، محققًا مكاسب تزيد على 16 % مقارنة بنهاية تعاملات الأسبوع السابق، وبذلك ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 26 % منذ بداية الصراع العسكري، بحسب بيانات رويترز.
ويعكس هذا الارتفاع السريع مدى حساسية أسواق الطاقة للتوترات الجيوسياسية، خصوصاً في ظل المخاوف من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتجارة النفط العالمية.
وقد دفعت هذه التطورات بعض البنوك الاستثمارية مثل غولدمان ساكس وباركليز إلى التحذير من أن أسعار النفط قد تصل إلى 120 دولاراً للبرميل إذا استمرت التوترات أو اتسع نطاق الصراع في المنطقة. ويعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 أحد أبرز الأمثلة الحديثة على تأثير الحروب في أسواق الطاقة، إذ تُعد روسيا من أكبر مصدري النفط والغاز في العالم، وقد أثارت الحرب مخاوف كبيرة بشأن نقص الإمدادات العالمية.
ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، حيث وصل سعر خام برنت إلى نحو 128 دولاراً للبرميل في مارس 2022، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2008.
وقد انعكست هذه الارتفاعات على أرباح شركات النفط الكبرى. فقد سجلت شركة إكسون موبيل، أكبر شركة نفط أمريكية، أرباحاً صافية بلغت 55.7 مليار دولار في عام 2022، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخ الشركة.
كما أعلنت شركة شل تحقيق أرباح بلغت نحو 39.9 مليار دولار في العام نفسه، وهو رقم قياسي أيضاً.
كما استفادت شركات تجارة الطاقة من هذه التقلبات الكبيرة في الأسعار، إذ حققت شركات تجارة السلع العالمية مثل فيتول وترافيجورا أرباحاً قياسية خلال أزمة الطاقة.
فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة فيتول تحقيق أرباح تقارب 15 مليار دولار في عام 2022، مستفيدة من التقلبات الكبيرة في أسواق النفط والغاز.