تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اقتصاد‭ ‬المعرفة‭ ‬وصناعة‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

LOI32

شهدت‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولاً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الصناعات‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬فوفق‭ ‬دراسات‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬اليابانية‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬الأكثر‭ ‬نمواً‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعتمد‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬وفرة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والقدرة‭ ‬العقلية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬للإنسان‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬الأفكار‭ ‬والابتكار‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭.‬
ومن‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬صناعات‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحيوية،‭ ‬وتقنيات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والمعلومات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬الطيران‭ ‬المدني‭ ‬وأنظمة‭ ‬التحكم‭ ‬الصناعية‭ ‬والبرمجيات‭ ‬ومكونات‭ ‬الحواسيب‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬للصناعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتطوير‭ ‬المستمر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭.‬
وتتميز‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مقيدة‭ ‬بوجود‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬التقليدية‭. ‬فالعامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬نجاحها‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬توفر‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬وبحثية‭ ‬متطورة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬وتطويرها‭ ‬وتوظيفها‭ ‬اقتصادياً‭. ‬ولهذا‭ ‬أصبحت‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬وحاضنات‭ ‬الابتكار‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬اقتصادات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬دول‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية‭ ‬كبيرة‭ ‬لكي‭ ‬تحقق‭ ‬تقدماً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬إذا‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬وتطوير‭ ‬المهارات‭ ‬المعرفية‭ ‬لدى‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭. ‬فالمعرفة،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الموارد‭ ‬التقليدية،‭ ‬يمكن‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتراكمها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬يتوفر‭ ‬فيه‭ ‬التعليم‭ ‬الجيد‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭.‬

دور‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر

لم‭ ‬يعد‭ ‬توفر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬فمع‭ ‬تطور‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬العالمية‭ ‬وسهولة‭ ‬انتقال‭ ‬الاستثمارات‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬أصبح‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬أكثر‭ ‬يسراً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالماضي‭. ‬ويمكن‭ ‬اليوم‭ ‬لرائد‭ ‬أعمال‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مثل‭ ‬بانكوك‭ ‬أن‭ ‬يؤسس‭ ‬مشروعاً‭ ‬صناعياً‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬كثيف،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬الدولية،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭.‬
هذا‭ ‬التطور‭ ‬قلل‭ ‬من‭ ‬الفجوة‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬والفقيرة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬فالعامل‭ ‬الحاسم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬توظيفها‭ ‬بكفاءة‭ ‬ضمن‭ ‬مشاريع‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬الصناعات‭ ‬المعتمدة‭ ‬على‭ ‬القدرات‭ ‬الذهنية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬بدأت‭ ‬الحدود‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والعمل‭ ‬تتغير‭ ‬تدريجياً‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المهارات‭ ‬المعرفية‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تمثل‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الحديثة‭. ‬فالشركات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الكبرى،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬المادية‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬المهارة‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشكل‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المرتفعة‭. ‬فالقيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أصبحت‭ ‬ترتبط‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬بقدرة‭ ‬العامل‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وليس‭ ‬بمجرد‭ ‬العمل‭ ‬اليدوي‭ ‬التقليدي‭. ‬ولهذا‭ ‬تتجه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬بكثافة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬المستدام‭.‬

المعرفة‭ ‬والمهارات‭ ‬كمصدر‭ ‬
للميزة‭ ‬التنافسية

مع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬العمالة‭ ‬الرخيصة‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬الدول‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارات‭ ‬المتقدمة‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬القدرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬برزت‭ ‬مراكز‭ ‬الابتكار‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬مثل‭ ‬وادي‭ ‬السيليكون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كنموذج‭ ‬واضح‭ ‬لاقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والقدرة‭ ‬العقلية‭ ‬في‭ ‬توليد‭ ‬الثروة‭.‬
هذه‭ ‬البيئات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬توفر‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تضم‭ ‬الجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الاستثماري‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬تصبح‭ ‬المعرفة‭ ‬مورداً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬أساسياً‭ ‬يتيح‭ ‬تطوير‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬جديدة‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬عالية‭.‬
وليس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬وليد‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬له‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عندما‭ ‬برزت‭ ‬الصناعات‭ ‬العلمية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬ألمانيا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الهندسة‭ ‬الكيميائية،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬المنهجي‭ ‬لإنتاج‭ ‬مواد‭ ‬ومنتجات‭ ‬صناعية‭ ‬مبتكرة‭ ‬حققت‭ ‬مستويات‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الربحية‭ ‬ووفرت‭ ‬أجوراً‭ ‬مرتفعة‭ ‬للعاملين‭ ‬فيها‭. ‬وقد‭ ‬شكل‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬أحد‭ ‬الأسس‭ ‬المبكرة‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بالصناعات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭.‬

انتقال‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية

مع‭ ‬تسارع‭ ‬العولمة‭ ‬وتوسع‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬بدأت‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬كثيفة‭ ‬العمالة‭ ‬بالانتقال‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭. ‬فالمنتجات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الأجور‭ ‬المنخفضة‭ ‬والعمالة‭ ‬الكثيفة،‭ ‬مثل‭ ‬صناعة‭ ‬المنسوجات،‭ ‬أصبحت‭ ‬تُنتج‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭. ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تمثل‭ ‬امتداداً‭ ‬للتغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬تنتقل‭ ‬الصناعات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬المحدودة‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بتكاليف‭ ‬إنتاج‭ ‬أقل‭.‬
وقد‭ ‬كانت‭ ‬صناعة‭ ‬المنسوجات‭ ‬تاريخياً‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬للثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬اليوم‭ ‬تمثل‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬انتقلت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬الصناعات‭ ‬ذات‭ ‬الكثافة‭ ‬المعرفية‭ ‬العالية،‭ ‬بينما‭ ‬انتقلت‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬تسعى‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭.‬
دورة‭ ‬المنتج‭ ‬وانتشار‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬عالمياً

في‭ ‬إطار‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬ظهر‭ ‬مفهوم‭ ‬اقتصادي‭ ‬مهم‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«دورة‭ ‬حياة‭ ‬المنتج‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬يوضح‭ ‬كيفية‭ ‬انتقال‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭. ‬ففي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬يتم‭ ‬ابتكار‭ ‬المنتج‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬متقدمة‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرات‭ ‬البحثية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬إنتاجه‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تصنيعه‭ ‬بتكلفة‭ ‬أقل‭.‬
وقد‭ ‬لعبت‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬إذ‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتوزيع‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬وفقاً‭ ‬لاعتبارات‭ ‬التكلفة‭ ‬والكفاءة‭. ‬وبذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تنتقل‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬إنتاج‭ ‬عالمية‭ ‬مترابطة‭.‬
ومن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تخترع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أكبر‭ ‬عائد‭ ‬اقتصادي‭ ‬منها‭. ‬فاليابان،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬مثل‭ ‬أجهزة‭ ‬الفيديو‭ ‬والكاسيت‭ ‬وأجهزة‭ ‬الفاكس،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات‭ ‬لم‭ ‬تُخترع‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬أساساً‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الأقراص‭ ‬المدمجة‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬أصولها‭ ‬إلى‭ ‬الابتكار‭ ‬الألماني‭.‬
هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬الاختراع‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لتحقيق‭ ‬التفوق‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬المنتج‭ ‬وإنتاجه‭ ‬بكفاءة‭ ‬وتسويقه‭ ‬عالمياً‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬حجم‭ ‬العائد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحقيقي‭.‬
ديناميكية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬
والتنافس‭ ‬التكنولوجي

يتسم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الديناميكية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬لا‭ ‬تدوم‭ ‬المزايا‭ ‬التكنولوجية‭ ‬لفترات‭ ‬طويلة،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬الشركات‭ ‬المنافسة‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬التقنيات‭ ‬القائمة،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغير‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الأسواق‭.‬
وعندما‭ ‬تحقق‭ ‬صناعة‭ ‬ما‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭ ‬نتيجة‭ ‬تفوقها‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يجذب‭ ‬استثمارات‭ ‬جديدة‭ ‬ويحفز‭ ‬دخول‭ ‬شركات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬يتزايد‭ ‬مستوى‭ ‬المنافسة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬تدريجي‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬الربح‭ ‬وعودة‭ ‬العوائد‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬المتوسط‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬فوراً،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬تطوير‭ ‬القدرات‭ ‬المعرفية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬وقتاً‭ ‬واستثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭. ‬ولهذا‭ ‬تبقى‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬لفترات‭ ‬معينة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أجور‭ ‬أعلى‭ ‬وعوائد‭ ‬استثمارية‭ ‬مرتفعة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقطاعات‭ ‬التقليدية‭.‬

الاتزان‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات

يستخدم‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬مفهوم‭ ‬الاتزان‭ ‬لوصف‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬تتحرك‭ ‬نحوه‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استقرار‭ ‬تام‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬زمنية‭. ‬فالواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يتسم‭ ‬غالباً‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاتزان‭ ‬المؤقت‭ ‬نتيجة‭ ‬التغيرات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والتقلبات‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬
وفي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة،‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬تطورات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬متسارعة،‭ ‬يصبح‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الاتزان‭ ‬عملية‭ ‬ديناميكية‭ ‬مستمرة‭. ‬فالأسواق‭ ‬تتحرك‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬التوازن،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تحولات‭ ‬سريعة‭ ‬تجعلها‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاتزان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬حالة‭ ‬توازن‭ ‬ثابت،‭ ‬بل‭ ‬يتحرك‭ ‬ضمن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التوازنات‭ ‬المتغيرة‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬بفعل‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وتغير‭ ‬أنماط‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك‭.‬

عوائد‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬
عدم‭ ‬الاتزان‭ ‬الاقتصادي

في‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬يشهد‭ ‬فيها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬تحولات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬كبيرة،‭ ‬تظهر‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاتزان‭ ‬المؤقت‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بارتفاع‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬ومعدلات‭ ‬العائد‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬سبق‭ ‬تكنولوجي‭ ‬تكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬احتكار‭ ‬السوق‭ ‬نسبياً‭ ‬لفترة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬مما‭ ‬يمنحها‭ ‬أرباحاً‭ ‬استثنائية‭ ‬مقارنة‭ ‬ببقية‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬خلال‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تمكنت‭ ‬شركة‭ ‬Intel‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬23‭ % ‬من‭ ‬المبيعات،‭ ‬مع‭ ‬عائد‭ ‬صافٍ‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬يقارب‭ ‬17‭ %‬،‭ ‬رغم‭ ‬تخصيصها‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬لمعالجة‭ ‬خطأ‭ ‬تقني‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬أحد‭ ‬معالجاتها‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬مدى‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحققها‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬الابتكار‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة‭.‬
وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬البرمجيات،‭ ‬حيث‭ ‬حققت‭ ‬شركة‭ ‬Microsoft‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬التسعينيات‭ ‬أرباحاً‭ ‬صافية‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬24‭ % ‬من‭ ‬المبيعات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬ثروة‭ ‬ضخمة‭ ‬لمؤسسها‭ ‬Bill Gates‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬نسبياً‭. ‬وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الأمثلة‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يولد‭ ‬عوائد‭ ‬استثنائية‭ ‬تمتد‭ ‬لسنوات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬قوى‭ ‬المنافسة‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬وتعيد‭ ‬التوازن‭ ‬تدريجياً‭.‬
ويشبه‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬مدن‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬فحين‭ ‬يظهر‭ ‬اكتشاف‭ ‬تكنولوجي‭ ‬جديد‭ ‬تتدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والجهود‭ ‬نحو‭ ‬ذلك‭ ‬المجال‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الأرباح‭ ‬المرتفعة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬ثابتة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬دخول‭ ‬منافسين‭ ‬جدد‭ ‬وتطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الأرباح‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬

رجوع لأعلى