تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اقتصاد‭ ‬المعرفة‭ ‬وصناعة‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التغير

UR31

يشكّل‭ ‬تعاقب‭ ‬الابتكار‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬الصناعات‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأداء‭ ‬الجيد‭ ‬وحده‭ ‬كافياً‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الموقع‭ ‬التنافسي‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬فالزمن‭ ‬بات‭ ‬عنصراً‭ ‬ضاغطاً‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬تطوير‭ ‬منتجاتها‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭. ‬ويبرز‭ ‬النموذج‭ ‬الياباني‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬استطاعت‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬ملحوظ‭ ‬على‭ ‬منافسيها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسويق‭ ‬منتجات‭ ‬عالية‭ ‬التقنية،‭ ‬مع‭ ‬تبني‭ ‬مفهوم‭ ‬خاص‭ ‬للجودة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التغيير‭ ‬المستمر‭ ‬والتحسين‭ ‬المتواصل‭. ‬فالجودة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬الثبات،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬إدخال‭ ‬ملامح‭ ‬جديدة‭ ‬باستمرار‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬المنتج‭ ‬وتوسّع‭ ‬استخداماته‭.‬

السرعة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السوق

تُعد‭ ‬السرعة‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬المنتجات‭ ‬الجديدة‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الصناعية‭. ‬ففي‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬مثلاً،‭ ‬كان‭ ‬إطلاق‭ ‬موديلات‭ ‬جديدة‭ ‬يتم‭ ‬عادة‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬عامين‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وقد‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬السرعة‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬واضحة‭ ‬لصالحها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وجدت‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬المنافسة‭ ‬نفسها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬المتسارع‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬رغبة‭ ‬متزايدة‭ ‬لدى‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬والاستمرار‭ ‬عبر‭ ‬بذل‭ ‬جهود‭ ‬أكبر‭ ‬للتطوير‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬القائمة‭. ‬ويتخذ‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬شكلين‭ ‬رئيسيين‭:‬
أولهما‭ ‬محاولة‭ ‬تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬الإنتاج‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمؤسسة،‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬رؤيتها‭ ‬وطموحاتها‭ ‬المستقبلية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً،‭ ‬لأن‭ ‬عمليات‭ ‬الإنتاج‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬ببنية‭ ‬تنظيمية‭ ‬وترتيبات‭ ‬تأسيسية‭ ‬داخل‭ ‬المشروع‭ ‬يصعب‭ ‬تغييرها‭ ‬بسرعة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬عملية‭ ‬التحديث‭ ‬تدريجية‭ ‬ومعقدة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭.‬
أما‭ ‬الشكل‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬الآخرين،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شراء‭ ‬التقنيات‭ ‬والأفكار‭ ‬الحديثة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬إقامة‭ ‬شراكات‭ ‬وتعاونات‭ ‬صناعية‭. ‬وقد‭ ‬لجأت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬تحالفات‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬منافسة‭ ‬لها،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬خارجها،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬تحوّل‭ ‬المنافسة‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬نماذج‭ ‬أكثر‭ ‬تعاوناً‭ ‬وانفتاحاً‭.‬
وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬شهدت‭ ‬شبكات‭ ‬التعاون‭ ‬الصناعي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬توسعاً‭ ‬سريعاً‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الماضي،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬تجارية‭ ‬ومخاوف‭ ‬تتعلق‭ ‬بحماية‭ ‬الأسرار‭ ‬الصناعية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬ساهمت‭ ‬العقود‭ ‬المفتوحة‭ ‬واتفاقيات‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الصناعية‭.‬

البحوث‭ ‬الفكرية‭ ‬والتكنولوجية

أسهمت‭ ‬البحوث‭ ‬العلمية‭ ‬والدراسات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬الصناعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬أخذت‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬تميل‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬لصالح‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والمعرفة‭.‬
وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أهمية‭ ‬التحالفات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬والقدرات‭ ‬العلمية،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الريادة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬التغير‭ ‬الصناعي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتسع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والدول‭ ‬الأقل‭ ‬تقدماً،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الممارسة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬المعرفة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭.‬
وقد‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬نماذج‭ ‬بارزة‭ ‬لهذا‭ ‬التقارب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬مثل‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية‭ ‬والأوروبية‭ ‬في‭ ‬اللحاق‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مرحلة‭ ‬عابرة،‭ ‬إذ‭ ‬واصلت‭ ‬اليابان‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬متصاعدة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬شهدت‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المتقدمة‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تباطؤاً‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬مقارنة‭ ‬بتلك‭ ‬المرحلة‭.‬

تحولات‭ ‬متسارعة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي

شهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭ ‬تقنياً،‭ ‬تحولات‭ ‬متسارعة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1973‭ ‬و1987‭. ‬فقد‭ ‬تضاعف‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬وكانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بفضل‭ ‬اتساع‭ ‬سوقها‭ ‬وقوة‭ ‬شركاتها‭ ‬الكبرى،‭ ‬وجهة‭ ‬جاذبة‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬العالمية‭.‬
وارتفعت‭ ‬حصة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬إلى‭ ‬25‭ %‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬رافقها‭ ‬تراجع‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬إذ‭ ‬انخفضت‭ ‬حصتها‭ ‬من‭ ‬48‭ % ‬عام‭ ‬1973‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬31‭.‬5‭% ‬عام‭ ‬1987‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬استمر‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬التابعة‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأميركي‭ ‬عالمياً‭.‬
وبحلول‭ ‬عام‭ ‬1986،‭ ‬كانت‭ ‬مبيعات‭ ‬المنتجات‭ ‬عالية‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬التابعة‭ ‬قد‭ ‬تضاعفت،‭ ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬الصادرات‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬نمواً‭ ‬ملحوظاً‭. ‬وبلغت‭ ‬أصول‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭ ‬نحو‭ ‬42‭ %‬‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬الشركات‭ ‬الأم،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬تنامي‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬شهدت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬توسعاً‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬تحالفات‭ ‬الأعمال‭ ‬الدولية،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬حضور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واستعادة‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الريادة‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والصناعية‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬كشفت‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬عن‭ ‬تحدٍ‭ ‬آخر،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬عدد‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬والمهندسين‭ ‬من‭ ‬مواطنيها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬الكفاءات‭ ‬الأجنبية‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬المهندسين‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬الخارج،‭ ‬إذ‭ ‬قفزت‭ ‬نسبتهم‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1975‭ ‬و1985‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬10‭ % ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬50‭ % ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الهندسية‭.‬

المعلوماتية‭ ‬أساس‭ ‬النمو‭ ‬الحديث

أصبحت‭ ‬المعلوماتية،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬وقدرات‭ ‬تقنية،‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬محركات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬توفر‭ ‬فقط‭ ‬إمكانات‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬مستدام،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬أيضاً‭ ‬مورداً‭ ‬فكرياً‭ ‬يضاهي‭ ‬في‭ ‬أهميته‭ ‬الموارد‭ ‬المادية‭ ‬التقليدية‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬باتت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬وإدارتها‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬موقع‭ ‬الدول‭ ‬ضمن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬المعرفية‭ ‬المتقدمة‭ ‬تجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬الجديدة‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬إليها،‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الشريك‭ ‬الأقل‭ ‬تأثيراً،‭ ‬نظراً‭ ‬لضعف‭ ‬قدراتها‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المراكز‭ ‬الصناعية‭ ‬التابعة،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والإدارة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬جذور‭ ‬صناعية‭ ‬حقيقية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬شراكة‭ ‬غير‭ ‬متكافئة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬وصنع‭ ‬القرار‭.‬

ملامح‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث

تظهر‭ ‬تجارب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وبعض‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬أن‭ ‬مظاهر‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬نجحت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬ملموس‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬إنتاجية‭ ‬ومعرفية‭ ‬قوية،‭ ‬اكتفت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬شكلي‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬تنموية‭ ‬راسخة‭.‬
وقد‭ ‬أشار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬سيمون‭ ‬كوزنتس‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬تحت‭ ‬مفهوم‭ ‬“النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث”،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الأفراد‭ ‬أكثر‭ ‬وعياً‭ ‬بفرص‭ ‬التقدم،‭ ‬ويتحولون‭ ‬إلى‭ ‬فاعلين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬للمجتمع‭ ‬بالتوجه‭ ‬نحو‭ ‬مسارات‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التأهيل‭ ‬المؤسسي‭ ‬والبشري‭ ‬الكافي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬خارج‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬إذ‭ ‬يظل‭ ‬نموها‭ ‬محدوداً‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬نماذج‭ ‬تنموية‭ ‬متقدمة‭. ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬تتاح‭ ‬لها‭ ‬فرص‭ ‬استيراد‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬محلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتطوير‭.‬

الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة

تظل‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬منخفضة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والأجور‭ ‬إلى‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تستطيع‭ ‬تعزيز‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬عبر‭ ‬تطوير‭ ‬صناعات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العالية‭ ‬والإنتاج‭ ‬كثيف‭ ‬المعلومات‭.‬
أما‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التطوير‭ ‬والابتكار،‭ ‬فإن‭ ‬فرصها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬تظل‭ ‬محدودة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬الكافية‭ ‬على‭ ‬توطين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬تطويرها‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يتحول‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬المتقدم،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬تصدير‭ ‬العمالة‭ ‬أحد‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬لتعويض‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬أساساً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قوي‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬تنمية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

تحول‭ ‬المفهوم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للعائدات

اهتم‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الغربيين‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬العائدات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬التفكير‭ ‬التقليدي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬العائدات‭ ‬المتناقصة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬ففي‭ ‬السابق،‭ ‬كانت‭ ‬التحليلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬الإنتاج‭ ‬يتوسع‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬توازن‭ ‬محددة‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالأسعار‭ ‬وحصص‭ ‬السوق‭.‬
لكن‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتسارعة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬يرتبط‭ ‬بعملية‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والبيانات‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬القيمة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والتصميمات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭ ‬بطرق‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬تغيّرت‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬السلوك‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النمو‭ ‬مقيداً‭ ‬بالعائدات‭ ‬المتناقصة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬العائدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الابتكار‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭.‬

ملامح‭ ‬العائدات‭ ‬المتزايدة

تُعد‭ ‬العائدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬أحد‭ ‬المؤشرات‭ ‬المهمة‭ ‬على‭ ‬تقدم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬والصناعات‭ ‬المتطورة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬أكبر‭ ‬كلما‭ ‬توسع‭ ‬نطاق‭ ‬نشاطها‭. ‬وتعمل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬كآلية‭ ‬تغذية‭ ‬إيجابية‭ ‬تدعم‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬وتعزز‭ ‬فرص‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬العائدات‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬التنافسي‭. ‬ففي‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬التقنيات‭ ‬المتنافسة،‭ ‬يصبح‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬فعّالة‭ ‬تمكّن‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬التفوق‭.‬
كما‭ ‬يمكن‭ ‬للعائدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬أن‭ ‬تعزز‭ ‬فرص‭ ‬انتشار‭ ‬منتج‭ ‬أو‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬معتمد‭ ‬أو‭ ‬نموذج‭ ‬قياسي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬وجود‭ ‬القطاعات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬نموذج‭ ‬العائدات‭ ‬المتناقصة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الأقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

رجوع لأعلى