الأسس القانونية والاقتصادية لتحديد المركز المهيمن في الأسواق
تشكل إساءة استغلال المركز المهيمن أحد الجوانب الأساسية للاحتكار ذي الأثر السلبي في أي نظام اقتصادي. ولتحديد المركز المهيمن بدقة، يجب أولاً تعريف السوق المعنية التي يمكن أن يمتلك فيها المشروع مركزًا مهيمنًا.
تتبنى معظم التشريعات الوطنية نهجاً قضائياً واضحاً لتعريف السوق المعنية، إذ لا يمكن حساب الحصص السوقية للمشروعات التجارية إلا بعد تحديد نطاق هذه السوق. ويمكن وصف السوق المعنية بشكل عام بأنها المكان الذي يلتقي فيه العرض بالطلب على منتج أو خدمة محددة. ويستند تعريف السوق المعنية إلى ثلاثة عناصر أساسية: النطاق السلعي، النطاق الجغرافي، وآليات السوق من حيث قوى العرض والطلب.
أولاً: النطاق السلعي للسوق المعنية
يتحدد النطاق السلعي من خلال المنتجات أو الخدمات التي يسيطر عليها المشروع صاحب المركز المهيمن. ويتطلب تحديد هذا النطاق النظر في وجود منتجات أو خدمات بديلة يمكن استبدالها بالمنتجات أو الخدمات الأصلية من حيث السعر والجودة والاستخدام. كما يجب مراعاة المنتجات أو الخدمات المكملة التي تدعم المنتج الأساسي، مثل شراء الحبر للطابعة الذي يعد منتجًا ثانويًا يكمل المنتج الرئيسي.
يتضح من ذلك أن النطاق السلعي يشمل سوقين رئيسيين: السوق الأساسية والبديلة، والسوق المكملة التي تؤثر بشكل غير مباشر على السوق الأساسية. وبهذا يكون تحديد السوق المعنية مرتبطاً بمدى توفر البدائل والمنتجات المكملة، إذ تشكل هذه العوامل قاعدة أساسية لدراسة المركز المهيمن.
الممارسات الدولية والإقليمية
على الصعيد الدولي، لم تحدد القوانين الأمريكية نطاق السوق المعنية نصاً، إلا أن المحاكم الفيدرالية عرفت السوق بأنها المنتجات أو الخدمات التي يمكن للمستهلك استبدالها بطريقة معقولة مع مراعاة السعر والاستخدام والجودة، وشملت هذه التعريفات النطاق السلعي للخدمات أيضًا.
في دول الخليج، يختلف النهج التشريعي من دولة لأخرى. فالمشرع السعودي اكتفى بتحديد السوق مكاناً وزمناً دون التفريق بين السوق الأساسية والبديلة، ما يعد تعريفاً محدوداً، أما قطر والكويت وعمان والبحرين، فقد عرفوا السوق البديلة معتبرين أن المنتجات القابلة للاستبدال يمكن أن تلبي احتياجات المستهلك، إلا أن تعريف السوق المعنية لم يكن دقيقاً بنفس القدر.
أما الإمارات، فقد تميزت بتحديد شامل للنطاق السلعي للسوق المعنية، حيث نصت المادة (1) من قانونها على أن السوق المعنية تشمل جميع السلع أو الخدمات القابلة للاستبدال أو الاختيار بين بدائلها لتلبية احتياجات المستهلك ضمن منطقة جغرافية محددة، بما يعكس وضوحًا أكبر ودقة في التعريف مقارنة بالدول الأخرى.
ارتباط السوق البديلة بالسوق المعنية
يتضح أن تعريف السوق البديلة يرتبط أساساً بتحديد السوق المعنية، إذ يعتمد على تصور المستهلك حول إمكانية استبدال المنتج بغيره بسبب السعر أو الخصائص أو الغرض من الاستخدام. وقد تشمل هذه السوق منتجاً واحداً أو مجموعة منتجات، ويمتد نطاقها السلعي أيضاً ليشمل الخدمات، مثل خدمات الكمبيوتر والإنترنت وغيرها من الخدمات الحديثة.
ثانياً: النطاق الجغرافي للسوق المعنية
لا يكتفى بتحديد النطاق السلعي للسوق المعنية عند دراسة المركز المهيمن، بل يجب أيضاً تحديد الحيز المكاني الذي يمارس المشروع نشاطه فيه، وهو ما يُعرف بالنطاق الجغرافي للسوق المعنية. تكمن أهمية هذا النطاق في أن الدولة تتوزع إلى أسواق مختلفة جغرافيًا، ويتعين توزيع المنافسة عليها لضمان المنافسة المشروعة وفق آليات السوق. فكلما زاد حجم النشاط وأهميته، كان النطاق الجغرافي للسوق أوسع.
وتختلف محددات النطاق الجغرافي حسب طبيعة السوق. فعلى سبيل المثال، قد يسيطر تاجر على إنتاج وبيع القطن في مدينة محددة، فإذا اعتُبرت هذه المدينة سوقاً مستقلة، فإنه يصبح صاحب مركز مهيمن. أما إذا كان هناك إمكانية لدخول تجار من مدن مجاورة في نفس تجارة القطن، فلا يمكن الحكم بوجود مركز مهيمن، إذ يشمل النطاق الجغرافي للسوق المدن المجاورة أيضاً، مما يؤثر على سلوك التاجر حتى في حالة غياب المنافسين الفعليين.
الممارسات التشريعية الدولية والإقليمية
● الولايات المتحدة: لم تحدد قوانين مكافحة الاحتكار النطاق الجغرافي للسوق بدقة، بل تركت للقضاء تحديده في كل قضية على حدة، وقد اعتبرت المحاكم هذا النطاق منطقة المنافسة الفعالة التي يمكن للمشتري الانتقال فيها لمزودين آخرين، مع تفاوت نطاق التطبيق بين القضايا، فقد امتد أحياناً إلى عدة ولايات أو عشرات المدن حسب توزيع المنتج والعملاء.
● دول الخليج: المشرع الكويتي والبحريني حددا النطاق الجغرافي للسوق على مستوى الدولة، بينما المشرع العماني والقطري اعتمد معيار «تجانس ظروف المنافسة» لتحديد النطاق، وهو معيار عام يمكن للقضاء الاعتماد عليه لإثبات النطاق الفعلي للسوق.
● السعودية والإمارات: حدد المشرع السعودي السوق مكاناً وزماناً يلتقي فيه المشترون والبائعون خلال مدة زمنية محددة، أما الإمارات فقدمت تعريفاً شاملاً للسوق المعنية يشمل السلعة أو الخدمة أو مجموع السلع والخدمات القابلة للاستبدال لتلبية حاجة المستهلك ضمن منطقة جغرافية محددة، ما يعكس وضوحاً ودقة أكبر مقارنة بالدول الأخرى.
وبذلك، يبدو أن المشرعين المحليين في دول الخليج لم يضعوا معايير دقيقة لتحديد حدود النشاط المكاني للمشروعات، ويرجع ذلك لتعقيد تحديد الأسواق في ظل التطورات العالمية والتجارة الإلكترونية التي ألغت الحدود الجغرافية بين العديد من الأسواق، إلا أن معيار تجانس ظروف المنافسة الذي اعتمده المشرع القطري والعماني يعتبر الأكثر مرونة ودقة ويمكن الاعتماد عليه في التحليل القضائي.
ثالثاً: مرونة العرض والطلب
تُعد عملية قياس درجة التماثل أو قابلية الاستبدال بين منتج وآخر عملية معقدة، إلا أن الواقع العملي اعتمد على معيارين مترابطين ومتكاملين لتقييم هذا الجانب، وهما: مرونة العرض ومرونة الطلب.
1. معيار مرونة العرض
يرتكز معيار مرونة العرض على قدرة دخول التجار إلى السوق لتغطية الطلب المتزايد على المنتجات أو الخدمات التي ارتفع سعرها، أي مدى قدرة المنافسين الإنتاجية والفنية على تزويد السوق ببدائل.
وتتمثل محددات مرونة العرض في إمكانية إنتاج المنتجات أو تقديم الخدمات خلال فترة زمنية معقولة. فعلى سبيل المثال، حكمت المحكمة العليا الأمريكية في قضية ضد شركة IBM أنه يمكن فتح خطوط إنتاج لمحركات الأقراص لدى شركات أخرى منتجة للحواسيب الشخصية خلال فترة معقولة، وبالتالي لم يُعد رفع أسعار IBM لمحركات الأقراص مخالفة للمنافسة.
على مستوى دول الخليج، تبنى المشرع الكويتي معيار مرونة العرض ضمنياً، حيث نصت المادة (60) من اللائحة التنفيذية لقانون حماية المنافسة على ضرورة مراعاة «مستوى التأثير على العرض والطلب الكلي للمنتجات» عند دراسة طلب الاستثناء، أي ألا يؤدي منح الاستثناء إلى الحد من تدفق السلع والخدمات في السوق كليةً أو جزئياً. أما باقي المشرعين الخليجيين فلم يشيروا صراحةً إلى معيار مرونة العرض، مما يفسر عدم استخدامه عند قياس التبادلية بين المنتجات والتحقق من وجود مركز مهيمن.
2. معيار مرونة الطلب
يشير معيار مرونة الطلب إلى مدى تأثر كمية الطلب على المنتجات أو الخدمات بتغير الأسعار خلال فترة زمنية محددة. فإذا كان الطلب يتأثر بتغير السعر، فإن مرونته عالية، أما إذا لم يتأثر، فهو يمثل مرونة منعدمة، أي لا توجد منتجات أو خدمات بديلة.
ويرتبط هذا المعيار بالتماثل بين المنتجات والخدمات من حيث الشكل والاستخدام، ويقيس مدى تحول العملاء بين المنتجات ضمن سوق واحدة عند ارتفاع سعر أحدها أو غياب الآخر.
اعتمد القضاء الأمريكي معيار مرونة الطلب لتحديد وجود المركز المهيمن، فوجود خيار بديل متاح للمستهلكين يعني عدم وجود مركز مهيمن. على سبيل المثال، اعتبرت المحكمة الفيدرالية العليا الأمريكية أن سوق ألعاب الكمبيوتر الإلكترونية تختلف عن سوق ألعاب الفيديو وليست بديلة عنها، مما أثر على تقييم المركز المهيمن.
يمكن القول إن معيار مرونة الطلب هو الأساس في تقدير التبادلية بين المنتجات، ومن ثم تحديد مدى وجود المركز المهيمن، إذ يفترض وجود هذا المعيار توفر مرونة العرض، إلا أن وجود المنافسين القادرين على توفير بدائل لا يعني بالضرورة توفرها، إذ يعتمد ذلك على رغبتهم واستعدادهم لتقديم تلك المنتجات.