تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسس‭ ‬المؤسسية‭ ‬لبناء‭ ‬استراتيجية‭ ‬وحدة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتحقيق‭ ‬القيمة‭ ‬المستدامة

GT31

تتحمل‭ ‬كل‭ ‬وحدة‭ ‬إدارية‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬مسؤولية‭ ‬صياغة‭ ‬رؤيتها‭ ‬ورسالتها‭ ‬وقيمها‭ ‬وأهدافها‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬متوائمة‭ ‬بالكامل‭ ‬مع‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسسي‭ ‬العام‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬والرسالة‭ ‬والقيم‭ ‬والأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للشركة‭ ‬ككل‭. ‬فالوحدة‭ ‬الإدارية‭ ‬ليست‭ ‬كيانًا‭ ‬منفصلًا،‭ ‬بل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تعمل‭ ‬بانسجام‭ ‬لتحقيق‭ ‬غايات‭ ‬مشتركة‭.‬
ورغم‭ ‬ضرورة‭ ‬الاتساق‭ ‬مع‭ ‬التوجه‭ ‬المؤسسي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬وحدة‭ ‬خصوصيتها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بطبيعة‭ ‬نشاطها‭ ‬ومجال‭ ‬أعمالها،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬صياغة‭ ‬مستقلة‭ ‬تعكس‭ ‬دورها‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬القيمة‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬تحديد‭ ‬أهداف‭ ‬ذكية‭ (‬SMART‭)‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محددة‭ ‬بوضوح،‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس،‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقيق،‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬مباشرة‭ ‬بالأولويات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ومحددة‭ ‬بإطار‭ ‬زمني‭ ‬واضح‭. ‬فالأهداف‭ ‬العامة‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للقياس‭ ‬تبقى‭ ‬شعارات،‭ ‬أما‭ ‬الأهداف‭ ‬الذكية‭ ‬فتتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تنفيذ‭ ‬ومساءلة‭.‬

قراءة‭ ‬المشهد‭ ‬قبل‭ ‬التحرك

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬وحدة‭ ‬أعمال‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬فعالة‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬للبيئة‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬ضمنها‭. ‬فمدير‭ ‬الوحدة‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬متابعة‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬التنافسي،‭ ‬سواء‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرق‭ ‬متخصصة‭ ‬تقوم‭ ‬بجمع‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمنافسين،‭ ‬والموردين،‭ ‬والعملاء،‭ ‬واتجاهات‭ ‬السوق،‭ ‬والتغيرات‭ ‬التنظيمية‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادية‭.‬
هذا‭ ‬التحليل‭ ‬لا‭ ‬يهدف‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬توصيف‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬وتحديد‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬والتهديدات‭ ‬المحتملة‭. ‬فالتغير‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬العملاء،‭ ‬أو‭ ‬دخول‭ ‬منافس‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬تقلبات‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬قد‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬الخطط‭ ‬التشغيلية‭.‬
وتنعكس‭ ‬نتائج‭ ‬تحليل‭ ‬البيئة‭ ‬الخارجية‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬الأهداف‭ ‬والرؤية‭ ‬وحتى‭ ‬منهجيات‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬التوسع‭ ‬والانكماش،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬داخل‭ ‬الوحدة‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬قراءة‭ ‬دقيقة‭ ‬للمشهد‭ ‬الخارجي،‭ ‬تصبح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬معرضة‭ ‬للانفصال‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭.‬

رسم‭ ‬الطريق

لا‭ ‬يكتمل‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بالاكتفاء‭ ‬بدراسة‭ ‬العوامل‭ ‬الخارجية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تشخيص‭ ‬البيئة‭ ‬الداخلية‭ ‬للوحدة‭ ‬الإدارية‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬تحليل‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬والضعف،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الفرص‭ ‬والتهديدات،‭ ‬كأداة‭ ‬أساسية‭ ‬لفهم‭ ‬القدرات‭ ‬الحقيقية‭ ‬للوحدة‭.‬
تتمثل‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬الكوادر‭ ‬البشرية،‭ ‬ووضوح‭ ‬الإجراءات،‭ ‬ونضج‭ ‬العمليات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬وتوفر‭ ‬التقنيات‭ ‬والأنظمة‭ ‬المناسبة،‭ ‬وجودة‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات،‭ ‬وفعالية‭ ‬الأداء‭ ‬العام‭. ‬أما‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬فقد‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬قصور‭ ‬مهاري،‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الإدارات،‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الموارد،‭ ‬أو‭ ‬تقادم‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬والأدوات‭.‬
ويجب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬بموضوعية‭ ‬وشفافية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المجاملات‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭. ‬فاستدراك‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬يتطلب‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬تصحيحية‭ ‬واضحة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬التدريب،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬العمليات‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ينبغي‭ ‬استثمار‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬وتعزيزها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مزايا‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة‭ ‬تدعم‭ ‬نمو‭ ‬الشركة‭ ‬وتوسعها‭.‬
إن‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬فهم‭ ‬البيئة‭ ‬الخارجية‭ ‬وتشخيص‭ ‬القدرات‭ ‬الداخلية‭ ‬يمكّن‭ ‬الوحدة‭ ‬الإدارية‭ ‬من‭ ‬صياغة‭ ‬استراتيجية‭ ‬واقعية،‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬ومتوافقة‭ ‬مع‭ ‬التوجه‭ ‬المؤسسي‭ ‬العام‭.‬

النمو‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر

يشكل‭ ‬تحليل‭ ‬الفرص‭ ‬والتهديدات‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المحاور‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬استراتيجية‭ ‬وحدة‭ ‬الأعمال،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬فهم‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬تقييم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحمله‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬أو‭ ‬تحديات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬جمع‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بفرص‭ ‬الأعمال‭ ‬المتاحة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬توسعاً‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة،‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬منتجات،‭ ‬أو‭ ‬شراكات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬أو‭ ‬تحولات‭ ‬تقنية‭ ‬يمكن‭ ‬استثمارها‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي؛‭ ‬فالعبرة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬إخضاعها‭ ‬لتحليل‭ ‬علمي‭ ‬منهجي‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الفرص‭ ‬الحقيقية‭ ‬القابلة‭ ‬للتحقق،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬جذابة‭ ‬ظاهريًا‭ ‬لكنها‭ ‬ضعيفة‭ ‬الجدوى‭ ‬أو‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭. ‬وعند‭ ‬تحديد‭ ‬الفرص‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬الفعلية،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬صياغة‭ ‬خطط‭ ‬استراتيجية‭ ‬وتشغيلية‭ ‬واضحة‭ ‬تتضمن‭ ‬تصنيف‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬وفق‭ ‬أولويتها،‭ ‬وتقدير‭ ‬ما‭ ‬تتطلبه‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‭ ‬ومالية‭ ‬وتقنية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬العائد‭ ‬المتوقع‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحققها‭ ‬للشركة‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬تحليل‭ ‬التهديدات‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬الفرص‭. ‬فالبيئة‭ ‬التنافسية‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬دخول‭ ‬منافسين‭ ‬جدد،‭ ‬أو‭ ‬طرح‭ ‬منتجات‭ ‬بديلة،‭ ‬أو‭ ‬تغيرات‭ ‬تنظيمية‭ ‬وتشريعية،‭ ‬أو‭ ‬تقلبات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التغيرات‭ ‬البيئية‭ ‬أو‭ ‬التقنية‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬طبيعة‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬الخدمات‭ ‬القائمة‭.‬
وتندرج‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬التهديدات‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الخطر‭ ‬بدقة،‭ ‬وتحليل‭ ‬احتمالية‭ ‬وقوعه‭ ‬وتأثيره،‭ ‬ووضع‭ ‬خطط‭ ‬بديلة‭ ‬أو‭ ‬خطط‭ ‬تعافٍ‭ ‬واضحة‭ ‬للتعامل‭ ‬معه‭. ‬ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬دون‭ ‬متابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬تلك‭ ‬الخطط‭ ‬وتقييم‭ ‬نتائجها‭ ‬بصورة‭ ‬دورية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬جودة‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬التعرض‭ ‬لخسائر‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭.‬

قاعدة‭ ‬القرار

إن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يتطلب‭ ‬جدية‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬البيانات‭ ‬الدقيقة‭ ‬باستخدام‭ ‬أدوات‭ ‬وأساليب‭ ‬إحصائية‭ ‬معروفة،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التقديرات‭ ‬العشوائية‭ ‬أو‭ ‬الانطباعات‭ ‬الشخصية‭. ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬وحدات‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬–‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬مختلف‭ ‬قنوات‭ ‬التغذية‭ ‬الراجعة‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬وخارجها‭.‬
فالمعلومات‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المستويات‭ ‬الإدارية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬العملاء،‭ ‬أو‭ ‬الموردين،‭ ‬أو‭ ‬الشركاء،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬السوق‭ ‬والتقارير‭ ‬القطاعية‭. ‬وكل‭ ‬مصدر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المصادر‭ ‬يمثل‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬الكلية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتكامل‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬التاريخية‭ ‬يتيح‭ ‬فهم‭ ‬الاتجاهات‭ ‬العامة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنقطة‭ ‬قوة‭ ‬أو‭ ‬ضعف،‭ ‬أو‭ ‬بفرصة‭ ‬واعدة،‭ ‬أو‭ ‬بتهديد‭ ‬محتمل‭. ‬فالأنماط‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬السوق‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مؤشراً‭ ‬مبكراً‭ ‬لتحولات‭ ‬مستقبلية،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الإدارة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬الاستباقي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بردود‭ ‬الفعل‭.‬
وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬فإن‭ ‬تراكم‭ ‬المعرفة‭ ‬المنظمة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬وحدة‭ ‬الأعمال‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬رشيدة،‭ ‬تحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والواقعية،‭ ‬وبين‭ ‬النمو‭ ‬والاستدامة‭.‬

الميزة‭ ‬التنافسية

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬وحدة‭ ‬أعمال‭ ‬أن‭ ‬ترسم‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬ميزتها‭ ‬التنافسية‭ ‬بوضوح‭. ‬فالميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬هي‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الشركة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬مزدحم‭ ‬بالبدائل،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تبرر‭ ‬اختيار‭ ‬العملاء‭ ‬لها‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭.‬
وقد‭ ‬تتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التسعير‭ ‬التنافسي،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سهولة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المنتج،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬كفاءة‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬وخدمات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البيع،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تفرد‭ ‬العرض‭ ‬وصعوبة‭ ‬تقليده‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الميزة‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬الاستجابة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مرونة‭ ‬العمليات،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬العميل‭ ‬المتكاملة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاكتفاء‭ ‬برصد‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬القائمة،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرة‭ ‬تحليلية‭ ‬لرسم‭ ‬خريطة‭ ‬واضحة‭ ‬لكيفية‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬المزايا‭ ‬وتعزيزها‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬مسؤولية‭ ‬مديري‭ ‬الوحدات‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬السوق،‭ ‬والاطلاع‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬قدرات‭ ‬المنافسين‭ ‬التقليديين‭ ‬والجدد،‭ ‬واستشراف‭ ‬التحولات‭ ‬المحتملة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬دون‭ ‬استثمار‭ ‬منظم‭ ‬في‭ ‬الابتكار‭. ‬فالأسواق‭ ‬لا‭ ‬تثبت‭ ‬على‭ ‬حال،‭ ‬وما‭ ‬يعد‭ ‬ميزة‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬معياراً‭ ‬عادياً‭ ‬غداً‭. ‬لذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬وحدة‭ ‬الأعمال‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬للابتكار،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تطوير‭ ‬المنتجات‭ ‬والخدمات،‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬العمليات،‭ ‬أو‭ ‬اعتماد‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬التقني‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضاً‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برامج‭ ‬تدريبية‭ ‬منهجية،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬المؤتمرات‭ ‬والفعاليات‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وبناء‭ ‬ثقافة‭ ‬تعلم‭ ‬مستمر‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭. ‬فالكفاءة‭ ‬البشرية‭ ‬هي‭ ‬الحامل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة‭.‬
ومن‭ ‬المهم‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬لا‭ ‬تنحصر‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬أساليب‭ ‬العمل،‭ ‬وكفاءة‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وجودة‭ ‬العمليات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬وفاعلية‭ ‬التسويق‭ ‬والبيع،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يدعم‭ ‬تجربة‭ ‬العميل‭ ‬ويعزز‭ ‬صورة‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يصوغ‭ ‬القيمة‭ ‬
ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬عائد

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬تمثل‭ ‬سبب‭ ‬تفوق‭ ‬الشركة،‭ ‬فإن‭ ‬نموذج‭ ‬الأعمال‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستدامة‭.‬
فنموذج‭ ‬الأعمال‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬كيفية‭ ‬خلق‭ ‬القيمة،‭ ‬وتقديمها،‭ ‬وتحقيق‭ ‬العائد‭ ‬منها‭. ‬وهو‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭: ‬من‭ ‬هم‭ ‬العملاء‭ ‬المستهدفون؟‭ ‬ما‭ ‬احتياجاتهم؟‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬الشركاء‭ ‬والموردون؟‭ ‬ما‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة؟‭ ‬وكيف‭ ‬تتحقق‭ ‬الإيرادات‭ ‬وتدار‭ ‬التكاليف؟
ويُعد‭ ‬وجود‭ ‬نموذج‭ ‬أعمال‭ ‬واضح‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬لأنه‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الرؤية‭ ‬النظرية‭ ‬والتنفيذ‭ ‬العملي،‭ ‬ويمنح‭ ‬وحدة‭ ‬الأعمال‭ ‬تصوراً‭ ‬متكاملاً‭ ‬لكيفية‭ ‬عملها‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الكلية‭ ‬للشركة‭.‬

رجوع لأعلى