الأسهم الأميركية تسجل أفضل أداء لها منذ مايو
دفعت موجة متجددة من اقتناص الأسهم عند مستويات منخفضة إلى تسجيل مؤشرات الأسهم الأميركية أفضل جلسة لها منذ مايو، في أعقاب تراجع حاد في أسهم التكنولوجيا تغذّى بمخاوف بشأن مليارات الدولارات التي تُضخ في تطوير الذكاء الاصطناعي. وقفزت بتكوين بعد فقدانها قرابة 50 % من ذروتها، كما ارتدت أسعار الفضة والذهب.
وعقب هبوط حاد في بعض أكثر الصفقات زخماً في وول ستريت، ارتفع مؤشر «إس آند بي 500» (S&P 500) بنسبة 2 %. وبلغ مؤشر «داو جونز الصناعي» مستوى 50 ألف نقطة. وأضاف صندوق مؤشرات متداولة يتتبع شركات البرمجيات 3.5 % لرصيده. وقفز مؤشر لشركات صناعة الرقائق 5.7 %، في حين قال جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، لشبكة «سي إن بي سي» إن الطلب على الذكاء الاصطناعي «مرتفع بشكل لا يصدق». وفي المقابل، هبط سهم «أمازون» 5.6 % على خلفية خطط إنفاق بقيمة 200 مليار دولار على هذه التقنية.
في مشهد يذكّر بردة الفعل على نموذج الذكاء الاصطناعي «ديب سيك» مطلع 2025، أشعلت أداة أتمتة جديدة من شركة «أنثروبيك» موجة بيع في أسهم قطاعات البرمجيات والخدمات المالية وإدارة الأصول، امتد أثرها إلى السوق الأوسع في وقت سابق من هذا الأسبوع.
اقتناص الأسهم وإعادة التموضع
قال كيني بولكاري من «سليت ستون ويلث»: «اعتقد أن موجة البيع هذه مبالغ فيها. هذه لحظة الحفاظ على الهدوء، وليس وقت الذعر. بالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، هذا هو وقت التسوق. الكثير معروض للبيع بأسعار معقولة».
وبحسب مارك هاكيت من «نيشن وايد»، فإن موجات البيع المدفوعة بتصفية المراكز المموّلة بالديون قسرياً ذات الطابع العاطفي، مثل التي شهدتها السوق في وقت سابق من هذا الأسبوع، قد تكون «مقلقة»، لكنها «أحداث معايرة طبيعية وصحية»، مذكّراً بالمثل القائل: «الأشجار لا تنمو حتى السماء».
وأضاف: «في هذه المرحلة، لا تزال البيئة الكلية ونتائج الأعمال مشجّعة، ما يشير إلى أن ما يحدث هو تحوّل في التموضع ووقفة فنية أكثر منه شرخاً أساسياً».
وبعد أن أبرزت عدة تقارير هذا الأسبوع هشاشة سوق العمل، أظهرت بيانات الجمعة تحسناً غير متوقع في ثقة المستهلكين إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر.
ارتفعت أسهم نحو 400 شركة ضمن مؤشر «إس آند بي 500» وبلغ كلٌّ من النسخة متساوية الأوزان من المؤشر-التي تستبعد تحيزات القيمة السوقية- ومؤشر «داو جونز الصناعي» مستويات قياسية. وصعد مؤشر «راسل 2000» بنسبة 3.6 %. وفي حين ارتفع «ناسداك 100» بنسبة 2.1 %.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بنقطتي أساس إلى 4.20 %. وتراجع الدولار 0.4 %.
قال خوسيه توريس من «إنترأكتف بروكرز»: «المستثمرون يرتقون إلى مستوى الحدث ويشترون بقوة عند الانخفاض اليوم. عودة الشهية عند القاع تمنح صائدي القيمة فرصاً لتجميع الأسهم وسط شعور عام في وول ستريت بأن البيع كان مبالغاً فيه».
وترى أنويتي باهوجونا من «نورثرن تراست أسيت مانجمنت» أن التراجع الأخير في أسهم التكنولوجيا يشكّل سبباً لشراء الانخفاض في السوق الأوسع، مع بقاء آفاق الاقتصاد الأميركي قوية.
وقالت: «إنه يزيل بعض القوى المضاربية من الأسواق. نحن نرى استخدامات الذكاء الاصطناعي تتضح أكثر. من منظور كلي، هذا ليس وقت الذعر».
وفي الوقت نفسه، قالت جينا بولفين إن بلوغ داو جونز مستوى 50 ألف نقطة «ليس للاحتفال فحسب، بل لتأكيد الرؤية».
ماذا يعني ذلك؟
ترى رئيسة مجموعة «بولفين ويلث مانجمنت» أن الأسواق تكيّفت مع معدلات فائدة أعلى ونمو أبطأ وعدم يقين عالمي، ومع ذلك واصلت الارتفاع.
وأضافت: «هذا يخبرنا أن الثقة حقيقية، وأن عام 2026 سيكون أقل ارتباطاً بالاحتياطي الفيدرالي وأكثر ارتباطاً بالأساسيات». وتابعت: «مع توقع نمو أرباح مزدوج الرقم لمؤشر (إس آند بي 500)، يُرجّح أن يُكافأ مستثمرو الأسهم. لكن المسار لن يكون سلساً. فالتقلبات متوقعة».
وأشارت إلى أن هذا تذكير للمستثمرين للتشبث بقراراتهم: الميل إلى الشركات عالية الجودة ذات القدرة القوية على تحقيق الأرباح، والاستعداد لمزيد من التدوير القطاعي، بدون انتظار تحقيق مكاسب متواصلة على طول الخط.
الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
بغض النظر عن تطور الأحداث، فإن القضايا المحيطة بشركات البرمجيات-وربحية صناعة الذكاء الاصطناعي-لن تختفي، بحسب مات مالي من «ميلر تاباك». وإذا ما عادت أسهم التكنولوجيا للتراجع بشكل ملموس خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين، فستظل هناك مخاطر ذات شأن على القطاع، على حد قوله.
توقعت أربع من أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية مجتمعةً أن تصل نفقاتها الرأسمالية إلى نحو 650 مليار دولار في 2026، وهو مبلغ نقدي هائل مخصص لمراكز بيانات جديدة وكل ما تحتويه من معدات. ويُعد الإنفاق المخطط من «ألفابت» و»أمازون» و»ميتا» و»مايكروسوفت» بمثابة طفرة لا مثيل لها هذا القرن.
وبينما يقلق كثير من المستثمرين من أن هذا الإنفاق الضخم قد لا يؤتي ثماره، فإن كل هذا الاستثمار هذا العام سيولّد بالتأكيد إيرادات وأرباحاً كبيرة لمورّدي مقدمي الخدمات السحابية الضخمة ، بحسب إد يارديني، مؤسس شركة الأبحاث التي تحمل اسمه.
وأضاف أن الاقتصاد سيحصل أيضاً على دفعة قوية من هذا القدر من الإنفاق الرأسمالي، معرباً عن «شكوكه» في أن يكون الهبوط الحاد في أسهم التكنولوجيا هذا الأسبوع بداية «انهيار لقطاع التكنولوجيا».
وخلص الاستراتيجي المخضرم في وول ستريت إلى القول: «نستبعد ذلك لأن الصناعة هذه المرة تضم شركات أكثر ربحية تستفيد من الإنفاق الرأسمالي الهائل على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية من قبل مقدمي الخدمات السحابية الضخمة».
وفي السياق نفسه، قال جينسن هوانغ من إنفيديا لشبكة «سي إن بي سي» إن بناء بنية الذكاء الاصطناعي التحتية سيستغرق سبعة إلى ثمانية أعوام. وأضاف: «أصبح الذكاء الاصطناعي مفيداً وقادراً جداً. واعتماده بات مرتفعاً بشكل لا يصدق».
أرباح شركات ناسداك
أشارت أولريكه هوفمان-بورشاردِي من «يو بي إس غلوبال ويلث مانجمنتإلى أن نمو أرباح شركات «ناسداك» في الربع الرابع يتجه لبلوغ 20%، أي أعلى بست نقاط مئوية من التقديرات الأولية. وبينما أعاد المستثمرون تسعير تقييمات شركات البرمجيات، حقق معظمها أرباحاً فاقت التوقعات بنحو 6% إلى 7%، مع اتجاه إجماع التقديرات لعامي 2026 و2027 نحو الارتفاع.
وقالت: «نُقرّ بالمخاطر التي تعيد تشكيل اقتصاديات البرمجيات ونعتقد أن على المستثمرين الحفاظ على تخصيص يقارب 10% للبرمجيات ضمن انكشافهم لقطاع التكنولوجيا الأوسع». وأضافت: «نحث على تموضع متوازن عبر طبقات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات في سلسلة القيمة، ونرى قيمة خاصة في الشركات والقطاعات القادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين نتائج الأعمال».
مع ذلك، تُبقي هوفمان-بورشاردِي على رأيها بأن فرص الأسهم هذا العام ستتوسع عبر الجغرافيات والقطاعات والموضوعات الهيكلية، وأن على المستثمرين ذوي المراكز المركّزة تنويع محافظهم.
نماذج شركات البرمجيات
قال بوب سافاج من «بنك نيويورك ميلون» إن الذكاء الاصطناعي سيظل محرّك نمو هيكلي، لكن تركيز المستثمرين يتحول من الحماس الواسع إلى نماذج أعمال متمايزة وكفاءة رأس المال وتدفقات إيرادات مستدامة.
وأضاف أن شركات البرمجيات التي تتكيّف نحو حلول مخصّصة للعملاء وتدمج الذكاء الاصطناعي كعامل تمكين لا كبديل، ينبغي أن تستعيد ثقة المستثمرين، ولا سيما خارج الولايات المتحدة حيث التقييمات أكثر جاذبية.
وتابع: «في الوقت نفسه، تتقاطع قطاعات الدفاع والفضاء وبنية الطاقة التحتية كموضوعات استثمارية استراتيجية، مدفوعة بأولويات الأمن القومي وقيود الطاقة والطموح التكنولوجي. وستؤثر ديناميكيات أسعار الصرف والانحياز المحلي وأطر السياسات -خصوصاً حول سيادة البيانات وأمن الطاقة- بشكل متزايد في تخصيص رأس المال».
بحسب فلوريان إيلبو من «لومبارد أودييه أسيت مانجمنت»، فإن القضية ليست ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون مربحاً، بل متى ستتحقق تلك الأرباح.
وقال: «هذا البعد الزمني يشكّل موضوعاً سائداً في السوق، والزيادة الطفيفة في الابتعاد عن المخاطر هذا الأسبوع تُخفي في الواقع تدويراً قطاعياً عميقاً، مع انتقال المستثمرين بعيداً عن الأسهم الأفضل أداءً في الفصول الأخيرة».