الأسهم الأميركية تواصل التراجع لليوم الثاني على التوالي
واصل متداولو «وول ستريت» تحويل استثماراتهم بعيداً عن عمالقة التكنولوجيا، التي جعلتها أرباحها المستقرة ملاذاً آمناً في فترات عدم اليقين الاقتصادي، نحو فئات أوسع من الشركات الأكثر استفادة من تحسن آفاق النمو. وفي الأثناء، واصلت «بتكوين» موجة التراجع.
قلّصت الأسهم خسائرها مع ظهور بوادر بأن المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران تسير على المسار الصحيح بعد تقرير سابق أفاد بتعثرها. وبينما كان مؤشر «إس آند بي 500» منخفضاً بشكل طفيف، ارتفعت غالبية مكوناته، في حين هبط «ناسداك 100» بنسبة 1.8 %. وتعرّضت شركات البرمجيات لضغوط جديدة، لكن الخسائر كانت أشد بين شركات الرقائق.
وفي التداولات المتأخرة، أعلنت شركة «ألفابت» نتائج إيرادات قوية، لكنها قالت إنها تخطط لإنفاق يفوق بكثير ما كان المستثمرون يتوقعونه في عام 2026. وقدمت «كوالكوم» توقعات فاترة، فيما لم تُرض توقعات «آرم هولدينغز» المستثمرين المتشككين.
وقال كايل رودا من «كابيتال دوت كوم» (Capital.com): «قد يكون هناك منظور متفائل وآخر متشائم في هذه التحركات. فمن جهة، قد تكون أسهم التكنولوجيا مرتفعة التقييم. ومن جهة أخرى، يتسع نطاق القوة في السوق، في إشارة إلى تحسن الأسس الاقتصادية».
اتساع حركة التدوير وتباين الأداء
كثّف المتداولون في 2026 انتقالهم من التكنولوجيا إلى كل شيء تقريباً، من الشركات الصغيرة إلى أسهم القيمة، بحثاً عن شركات تستفيد من النمو الاقتصادي. وفي إشارة إضافية إلى الاتساع، ارتفعت نسخة متساوية الأوزان من مؤشر «إس آند بي 500»، حيث يحمل كل من «إنفيديا» و»لولوليمون أثليتيكا» الوزن نفسه، بنسبة 0.9% يوم الأربعاء.
لكن اليوم كان قاسياً على الاستراتيجيات الكمية المرتبطة بخصائص محددة، ومنها الزخم. إذ هبط صندوق «آي شير إم إس سي آي يو إس إيه مومنتوم فاكتور» (iShares MSCI USA Momentum Factor ETF) بنسبة 3.7 %، بينما تراجعت سلة من «غولدمان ساكس» تستثمر في أسهم زخم عالية المخاطر وتبيع العكس، بنسبة 9.8 %.
انخفض «إس آند بي 500» بنسبة 0.5 %. وسجل «ناسداك 100» أسوأ موجة تراجع خلال يومين منذ أكتوبر، واخترق متوسطه المتحرك لـ100 يوم. وتراجع مؤشر «آي شيرز إكسبانديد تيك سوفتوار سيكتور» (iShares Expanded Tech Software Sector ETF) بنسبة 1.8 %، بينما هبط مؤشر صانعي الرقائق 4.4 %. وهوى سهم «أدفانسد مايكرو ديفايسز» بنسبة 17 % بعد توقعات مخيبة.
البرمجيات تحت الضغط والآراء منقسمة
استقر سعر «بتكوين» قرب 73 ألف دولار، مع توقعات بهبوطها دون 65 ألف دولار. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نقطة أساس واحدة إلى 4.28 %، بينما صعد الدولار 0.3 %. وارتفعت أسعار النفط مع تضارب التقارير حول وضع المحادثات النووية الأميركية والإيرانية، في حين ظل الذهب دون 5000 دولار.
قال بريت كينويل من «إيه تورو» إن «أسهم البرمجيات تتعرض لعملية تدمير مع انتشار المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي سيقضم نماذج أعمالها». وأضاف أن كثيراً من هذه الشركات ما زال يحقق أرباحاً قوية ونمواً في الإيرادات، مع استمرار تحسن توقعات المحللين».
ويرى كينويل أن القطاع يقترب سريعاً من مستويات «تشبع بيعي» وربما «الاستسلام»، قائلاً: «المستثمرون لا يبحثون الآن عن القيمة؛ بل يبيعون كل أسهم البرمجيات». لكنه حذّر من أن الخطر الأطول أجلاً قد يكون في التقييمات، فبمجرد انتهاء موجة البيع هذه وتعافي الأسهم من حالة التشبع البيعي، يطرح السؤال نفسه: هل سيكون هناك سقف جديد لما يرغب المستثمرون بدفعه بعد التعافي؟».
واختتم حديثه قائلاً: «إذا كان الأمر كذلك، فقد يحد ذلك من إمكانية النمو وفترة التعافي لهذا القطاع، بغض النظر عن جودته».
منذ بلوغ ذروة تاريخية في أكتوبر، هبطت مجموعة برمجيات «إس آند بي 500» بأكثر من 25 %. ويشير جيفري ييل روبن من «بيريني أسوشيتس» (Birinyi Associates) إلى أن متوسط السوق الهابطة تاريخياً في هذه المجموعة يبلغ 32.53 %، فيما بلغت أسوأ موجة 53.94 %، وكانت خلال الأزمة المالية العالمية.
أما مات مالي من «ميلر تاباك» (Miller Tabak) فاعتبر أن «الأخبار تزداد سوءاً لأسهم البرمجيات، لكنها تستعد لارتداد جيد. ينبغي الحذر من الرهانات السلبية على المدى القصير».
وأضاف: «بالطبع، لطالما قلنا إنه إذا شهد قطاع التكنولوجيا انخفاضاً واسع النطاق، مع تراجع جميع القطاعات المختلفة داخله في وقت واحد، فسيكون من الصعب للغاية على سوق الأسهم ككل الصمود في مواجهة هذا السيناريو». مع ذلك، «سنحتاج إلى رؤية المزيد من الأيام المشابهة قبل أن نتمكن من إطلاق تحذير حقيقي».
أين الفرص؟
من جهته، اعتبر كريس سينيك من «وولف للأبحاث» (Wolfe Research) إن ما يحدث «مخاوف أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي» تتحملها البرمجيات ومجالات قريبة، مضيفاً: «داخل التكنولوجيا، نستخدم الضعف لشراء أسهم رقائق الذكاء الاصطناعي، وقطاعنا المفضل للأموال الجديدة هو الاستهلاكي غير الأساسي، وبالتحديد الأسهم التي تستفيد من ارتفاع الإنفاق مع بدء صرف المبالغ المستردة من الضرائب في الفترة من فبراير إلى أبريل».
وترى تشارو تشانانا من «ساكسو بنك» أن الذكاء الاصطناعي لا يُهجر من الأسواق بل «يُسعَّر بحذر أكبر».
وتخطط «بروكفيلد لإدارة الأصول» للبحث عن فرص في شركات البرمجيات بعد تقليص المستثمرين لمراكزهم. وقال الرئيس التنفيذي بروس فلات لتلفزيون «بلومبرغ»: «عندما يحدث بيع مفرط، غالباً ما يذهب بعيداً جداً، وهنا تظهر الفرص».
وأوصى سام ستوفال من «سي إف آر إيه» (CFRA) بالبقاء في «شركات برمجيات رائدة ومربحة ذات ابتكارات قوية في الذكاء الاصطناعي»، معتبراً أنها الأقدر على تجاوز عدم اليقين والاستفادة من الارتداد.
أدت المخاوف من أن تُؤثر التطورات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال البرمجيات التقليدية إلى انخفاض حاد في أسهم شركات البرمجيات والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هذا العام. وبحسب بيانات «إس 3 بارتنيرز» (S3 Partners)، حقق البائعون على المكشوف أرباحاً ورقية بنحو 24 مليار دولار هذا العام مع هبوط أسهم البرمجيات والذكاء الاصطناعي.
السوق أمام «إعادة ضبط»
قالت منى مهاجان من «إديوارد جونز» (Edward Jones): «لقد كان أسبوعاً صعباً حتى الآن، ولكن دعونا ننظر إلى الصورة الأوسع. من الصعب التشاؤم المفرط عندما نرى اقتصاداً نعتقد أنه ينمو بوتيرة أسرع من المعدل الطبيعي».
وأشارت أيضاً إلى أنها تتوقع نمواً في الأرباح بنسبة تتجاوز 10 % حتى عام 2026، مدفوعاً بقطاعات التكنولوجيا، فضلاً عن القطاعات غير التقنية. وقالت: «لذا، هناك اتساع في هذا الجانب».
ووفق مارك هاكيت من «نايشن وايد» (Nationwide)، فإن قطاع التكنولوجيا يتراجع مع صعود الأسهم الدورية والدفاعية. وبينما لفتت التقلبات الأخيرة الانتباه، تشير البيانات إلى «إعادة ضبط فنية»، وليس انهياراً جوهرياً.
وقال: «هذا تحول، وليس انهياراً. إن رؤية هذا التحول قرب مستويات قياسية عالية يُبرز قوة السوق الكامنة».