الأسواق تترقّب نهاية مهلة ترمب لإيران… والقلق يسبق الاثنين
تدخل الأسواق العالمية واحدة من أكثر لحظاتها حساسية هذا العام، مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران، في وقت يتزايد فيه ترقب المستثمرين لاحتمالات تقلبات حادة مع افتتاح تعاملات يوم الاثنين، وسط غياب وضوح سياسي كافٍ بشأن ما إذا كانت الأزمة ستتجه نحو احتواء تفاوضي أم نحو تصعيد أوسع. وتقول الاقتصادية إن المستثمرين يترقبون بحذر رد فعل الأسواق غداً مع انتهاء المهلة وارتباطها بإعادة فتح مضيق هرمز، فيما يُنتظر أن يشهد الاثنين تحركات كبيرة في الأسهم والنفط والعملات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
في هذا السياق، لا تنظر الأسواق إلى المهلة الأميركية باعتبارها تطوراً سياسياً معزولاً، بل بوصفها نقطة فاصلة قد تعيد رسم خريطة المخاطر في المدى القصير، خصوصاً أن التوترات الحالية ترتبط مباشرة بأحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي، وهو مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تعطّل إضافي فيه ذا أثر فوري على أسعار الطاقة، والشحن، والتضخم، وسلوك المستثمرين.
النفط في قلب المشهد
تبقى أسعار النفط المؤشر الأكثر حساسية في هذه المرحلة، ليس فقط لأنها تعكس حجم المخاطر الجيوسياسية، بل لأنها تمثل أيضاً القناة الأسرع لانتقال الأزمة إلى الاقتصاد العالمي.
فأي ارتفاع إضافي في الخام لن يبقى محصوراً في شركات الطاقة أو أسواق السلع، بل سينتقل سريعاً إلى تكاليف النقل، والصناعة، والكهرباء، والشحن، والسلع الاستهلاكية، وهو ما يعيد فتح ملف التضخم العالمي في توقيت لا تزال فيه البنوك المركزية تحاول استعادة السيطرة على الأسعار.
وبالفعل، أشارت الاقتصادية إلى أن أسواق النفط حققت أداءً قوياً، مع اقتراب الخام من مستويات قياسية، في وقت بدا فيه المستثمرون أكثر ميلاً للتحوط من أي صدمة إضافية في الإمدادات. وهذا الارتفاع لا يعكس فقط نقصاً آنياً في المعروض، بل علاوة مخاطر باتت أكثر وضوحاً في السوق.
العقود الآجلة ترسل إشارة مقلقة
اللافت في تطورات الأيام الأخيرة أن الارتفاع لم يقتصر على أسعار النفط الفورية، بل شمل أيضاً عقود التسليم بعد ستة أشهر وسنة، وإن بوتيرة أقل. وهذا يعني أن السوق لا تسعّر فقط أزمة قصيرة الأجل، بل تضع في الحسبان احتمال استمرار الضغوط لفترة أطول، حتى لو تم احتواء الأزمة لاحقاً.
وهذه النقطة مهمة جداً، لأن العقود الآجلة تعكس تصور السوق للمستقبل، لا مجرد التوتر اللحظي. وإذا استمرت هذه العقود في الارتفاع، فإن ذلك سيعني أن المستثمرين باتوا يرون أن مخاطر الطاقة لن تتبدد بسرعة، وأن إعادة التوازن في السوق قد تستغرق وقتاً أطول من المتوقع.
كما أن ارتفاع الأسعار الآجلة يرفع بدوره حوافز المنتجين على زيادة الإنتاج أو إعادة تشغيل بعض القدرات المعطلة، لكن هذه الاستجابة تحتاج وقتاً، ولا يمكنها تعويض أي اختناق فوري في التدفقات العابرة عبر هرمز.
مضيق هرمز.. عقدة السوق العالمية
المسألة الجوهرية هنا أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل هو شريان حيوي يربط بين منتجي الخليج وأسواق آسيا وأوروبا والعالم. ولذلك، فإن أي تهديد لاستقرار الملاحة فيه يرفع مباشرة تكلفة المخاطر الجيوسياسية في السوق.
والأزمة الحالية أكثر تعقيداً لأن الحديث السياسي والعسكري لا يزال يتصاعد، في وقت لا توجد فيه حتى الآن خطة واضحة لإعادة فتح المضيق أو تأمين الملاحة فيه بشكل مستدام، وهو ما يضاعف حالة عدم اليقين.
وتزداد حساسية هذا الملف عندما يقترن بتصريحات ترمب، الذي هدد إيران بما وصفه بـ «الجحيم» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل انتهاء المهلة، من دون أن يقدم خارطة طريق عملية لما بعد انتهاء هذه المهلة، سواء على مستوى التفاوض أو على مستوى تأمين التدفقات البحرية.
الأصول الآمنة تعود إلى الواجهة
في مثل هذه البيئات، تتحرك الأسواق وفق منطق واضح: بيع المخاطر وشراء الأمان. ولهذا، كان من الطبيعي أن يتفوق الدولار الأميركي في أسواق العملات الرئيسية، في حين تراجعت بعض السلع الصناعية مثل الألمنيوم والنحاس والنيكل، بينما ارتفعت الفضة وتراجعت الأسهم في عدد من الأسواق.
وهذا النمط يعكس انتقال المستثمرين إلى وضعية دفاعية، لا سيما في ظل تزايد احتمالات أن تتحول الأزمة من حدث جيوسياسي محدود إلى عامل ضغط اقتصادي ومالي أوسع، إذا استمر تعطل الطاقة أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل مزيداً من المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية في المنطقة.
المنشآت الاقتصادية تدخل دائرة الخطر
من أكثر العناصر التي زادت حساسية السوق خلال الساعات الأخيرة، اتساع نطاق الأضرار الاقتصادية المباشرة في المنطقة. فقد ذكرت الاقتصادية أن شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات البحرينية أعلنت إخماد حريق في عدد من وحداتها التشغيلية بعد هجوم بطائرات مسيرة، كما أعلنت وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة في الكويت تضرر محطتين لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، مع خروج وحدتين من الخدمة، فيما شهدت أبوظبي حرائق في مصنع للبتروكيماويات بعد سقوط شظايا جراء اعتراضات جوية.
وهذه التطورات ترفع من حساسية المستثمرين لأن الخطر لم يعد نظرياً أو محصوراً في تصريحات سياسية، بل بدأ يطال أصولاً إنتاجية وتشغيلية حقيقية في دول المنطقة، ما يعني أن أي تصعيد إضافي قد ينعكس ليس فقط على النفط الخام، بل على الطاقة الكهربائية، والبتروكيماويات، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد الصناعية.
السيناريوهات المفتوحة أمام الأسواق
الأسواق الآن أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول، وهو الأقل تكلفة، يتمثل في تفاهم سياسي أو تهدئة مفاجئة قبل أو مع افتتاح الأسواق، بما يسمح بانخفاض جزء من علاوة المخاطر وعودة نسبية للهدوء.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً في نظر كثير من المتعاملين حالياً، فيتمثل في عدم التوصل إلى اتفاق سريع، لكن من دون انزلاق مباشر إلى مواجهة أوسع، وهو ما يعني بقاء التذبذب مرتفعاً واستمرار النفط عند مستويات مرتفعة، مع بقاء الأسهم والعملات تحت ضغط الحذر.
أما السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، فيقوم على اتساع العمليات العسكرية أو استمرار إغلاق أو تعطل مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير عنيفة تشمل النفط، والذهب، والدولار، والسندات، والأسهم، وربما تمتد آثارها إلى توقعات التضخم والسياسة النقدية عالمياً.
تقلبات ما بعد المهلة قد لا تكون قصيرة
حتى إذا انتهت المهلة من دون صدمة فورية، فإن الأسواق قد لا تعود سريعاً إلى الاستقرار. فالواقع أن عدم اليقين نفسه أصبح عاملاً مستقلاً للضغط على الأصول، وهو ما يعني أن التقلبات قد تستمر لعدة جلسات أو حتى أسابيع، إذا لم تظهر مؤشرات واضحة على احتواء الأزمة.
وهنا تكمن أهمية متابعة ليس فقط رد الفعل الأولي للأسواق، بل أيضاً شكل منحنى النفط، واتجاه الدولار، وسلوك الأسهم الدفاعية، وتكلفة التأمين والشحن، لأن هذه المؤشرات مجتمعة ستكشف ما إذا كانت السوق ترى الأزمة عابرة أم هيكلية وممتدة.
السوق تترقب أكثر مما تراهن
في المحصلة، لا يبدو أن الأسواق دخلت بعد في وضع الذعر الكامل، لكنها بالتأكيد غادرت منطقة الارتياح. فالمستثمرون اليوم لا يراهنون على اتجاه واحد بقدر ما يتحركون وفق منطق التحوط والانتظار، بانتظار ما ستكشفه الساعات الأولى من الاثنين.
وبين مهلة ترمب، وتعقيد المشهد الإيراني، وأهمية مضيق هرمز، واتساع الاستهداف الاقتصادي في المنطقة، تبدو الأسواق أمام اختبار حقيقي لقدرتها على امتصاص صدمة جيوسياسية جديدة من دون أن تتحول إلى موجة اضطراب مالي أوسع.
ولهذا، فإن الاثنين لن يكون مجرد افتتاح أسبوع تداول جديد، بل قد يكون بداية مرحلة جديدة من تسعير المخاطر في الأسواق العالمية، إذا لم تظهر قبل ذلك إشارة تهدئة موثوقة تخفف من توتر المستثمرين وتعيد شيئاً من التوازن إلى شاشات التداول.