الأسواق توازن بين فائض المعروض ومخاطر الإمدادات في الشرق الأوسط
تراجعت أسعار النفط العالمية خلال تعاملات بداية الأسبوع، مع إعادة تقييم المستثمرين لاحتمالات التوصل إلى اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد فيه التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ما يخلق مزيجاً معقداً من العوامل المتضاربة بين الدبلوماسية والتصعيد. وبينما هبط خام «برنت» إلى حدود 71 دولاراً للبرميل، واصل المتداولون مراقبة التطورات السياسية عن كثب، نظراً لتأثيرها المباشر على توازن الإمدادات العالمية.
ضغوط دبلوماسية
انخفضت أسعار «برنت» بعد أن أغلقت تعاملات الجمعة دون تغيير يُذكر، رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأنه يدرس تنفيذ ضربة عسكرية محدودة ضد إيران. كما تراجعت عقود خام «غرب تكساس» الوسيط خلال تداولات الاثنين، في إشارة إلى أن الأسواق تركز حالياً على احتمالات الحل الدبلوماسي أكثر من سيناريو التصعيد.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال إن هناك فرصة جيدة للتوصل إلى حل دبلوماسي يقوم على فوز الطرفين، مشيراً إلى توقع عقد لقاء مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف في جنيف خلال الأسبوع الجاري. هذه التصريحات عززت الآمال بإمكانية تخفيف العقوبات مستقبلاً، وهو ما قد يسمح بعودة مزيد من النفط الإيراني إلى الأسواق، الأمر الذي ضغط على الأسعار.
ومع ذلك، فإن استمرار الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة أبقى على مستوى مرتفع من الحذر، إذ يرى المستثمرون أن أي خطأ في الحسابات قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع سريعاً.
مخاوف الإمدادات
على الرغم من التوقعات بوجود فائض عالمي في الإمدادات خلال العام، فقد سجلت أسعار النفط أداءً قوياً نسبياً منذ بداية السنة، مدعومة بمخاوف تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويعكس هذا التباين بين أساسيات العرض والطلب والعوامل الجيوسياسية حساسية السوق لأي تهديد محتمل للإمدادات.
وقال هاريس خورشيد، المدير التنفيذي للاستثمار في شركة «كاروبار كابيتال»، إن الأسواق يمكنها تحمل العناوين السياسية، لكنها لن تتجاهل فقدان الإمدادات الفعلي. وأوضح أن أي اضطراب في الصادرات الإيرانية أو تدخل موثوق في مضيق هرمز قد يدفع الأسعار إلى إعادة تسعير نفسها بسرعة.
هذا التصريح يعكس المزاج العام في أسواق الطاقة، حيث يُنظر إلى النفط الإيراني وممرات الشحن في الخليج على أنها “مفاتيح المخاطر” الرئيسية التي تحدد اتجاه السوق على المدى القصير.
مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره يومياً ناقلات تحمل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. ويكفي حدوث اضطراب محدود في حركة الشحن لخلق موجة ارتفاع سريعة في الأسعار.
الدول الخليجية، مثل السعودية والعراق والكويت، تعتمد بشكل كبير على هذا الممر لتصدير نفطها إلى آسيا، بينما تضخ إيران أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 3 % من الإنتاج العالمي، مع توجيه الجزء الأكبر من صادراتها إلى الصين. وبالتالي، فإن أي توتر عسكري قد يؤثر ليس فقط على الإمدادات الإيرانية، بل على تدفقات الطاقة العالمية بأكملها.
ويرى محللون أن طهران قد لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل لإحداث صدمة في الأسواق، إذ يكفي تعطيل جزئي أو رفع مستوى المخاطر الأمنية لزيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على الأسعار.
نشاط ملحوظ
مع تصاعد التوترات، زاد النشاط في أسواق العقود الآجلة والخيارات، حيث يسعى المتداولون إلى التحوط ضد السيناريوهات الأسوأ. ويشير ارتفاع أحجام التداول في هذه الأدوات إلى أن المستثمرين يتوقعون تقلبات أكبر خلال الفترة المقبلة.
كما ارتفعت أجور ناقلات النفط تدريجياً، في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية، وهو مؤشر آخر على أن السوق لا تستبعد احتمال حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد.
إشارات حذرة
على الرغم من المخاوف الجيوسياسية، شهد الفارق الفوري لخام «برنت»، وهو الفرق بين أقرب عقدين في السوق تراجعاً ملحوظاً. فقد انخفض إلى 41 سنتاً للبرميل، مقارنة بأكثر من دولار واحد في نهاية يناير، ما يعكس تراجعاً في حدة الطلب الفوري أو توقعات بزيادة المعروض.
هيكل «الباكورديشن» الصعودي لا يزال قائماً، لكنه أصبح أقل حدة، وهو ما يراه بعض المحللين دليلاً على أن السوق لم تصل بعد إلى مرحلة نقص حاد في الإمدادات. ويؤكد خورشيد أن مراقبة الفروق الزمنية ومخزونات الديزل والزيت الغازي ستكون مؤشرات حاسمة لفهم الاتجاه الحقيقي للسوق.
أداء الأسعار في أحدث التداولات
في آخر المعاملات، تراجعت عقود خام «برنت» تسليم أبريل بنسبة 1 % لتبلغ 71.02 دولار للبرميل، بينما انخفض خام «غرب تكساس» الوسيط بنحو 1.1 % إلى 65.74 دولار. ويأتي هذا التراجع بعد موجة ارتفاعات سابقة دفعتها المخاوف الجيوسياسية، ما يشير إلى أن الأسواق تمر حالياً بمرحلة إعادة تقييم.
دور أوبك+ ومخزونات
المنتجات النفطية
سيظل تحالف «أوبك+» أحد أهم اللاعبين في تحديد مسار السوق، إذ يمكن لأي تغيير في مستويات الإنتاج أن يعيد التوازن بسرعة بين العرض والطلب. كما أن مخزونات الوقود المكرر، خصوصاً الديزل والزيت الغازي، ستعطي إشارات مبكرة عن قوة الطلب الصناعي والنقل العالمي.
ويعتقد محللون أن انضباط التحالف في إدارة المعروض قد يمنع انهيار الأسعار حتى في حال تباطؤ الاقتصاد العالمي، بينما قد يؤدي أي تخفيف كبير للقيود الإنتاجية إلى زيادة الضغوط الهبوطية.
حالة من التوازن الدقيق
تعيش أسواق النفط حالياً حالة من التوازن الدقيق بين الأمل في الحلول الدبلوماسية والخوف من التصعيد العسكري. وبينما تضغط احتمالات الاتفاق النووي على الأسعار في المدى القصير، تبقى المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز وإمدادات الشرق الأوسط عاملاً داعماً قوياً.
ومع اقتراب نهاية 2026، من المرجح أن يظل النفط أسيراً للتطورات السياسية بقدر ارتباطه بعوامل العرض والطلب التقليدية، ما يعني أن المستثمرين سيواصلون التحوط والترقب، في سوق أصبحت فيه الجغرافيا السياسية محركاً أساسياً للأسعار لا يقل أهمية عن أساسيات الاقتصاد العالمي.