تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإبداع‭ ‬يحوّل‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬ثروة‭ ‬ويقود‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجديد

VV51 1

تتقاطع‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬عند‭ ‬عامل‭ ‬واحد‭ ‬مشترك‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الأفكار،‭ ‬فالقيمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُصنع‭ ‬بالآلات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بالعقول‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬ابتكارها‭ ‬أو‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬استثمارها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتشكل‭ ‬العلاقة‭ ‬المتنامية‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وهي‭ ‬علاقة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بهذا‭ ‬العمق‭ ‬أو‭ ‬الاتساع‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬فالإبداع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬مفهومان‭ ‬قديمان،‭ ‬لكن‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬التشابك‭ ‬بينهما،‭ ‬والدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬يلعبه‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭ ‬وتعزيز‭ ‬النمو‭.‬
خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تسارعت‭ ‬وتيرة‭ ‬تسجيل‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬وتوسعت‭ ‬مظلة‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية،‭ ‬لتتحول‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬قانونية‭ ‬متخصصة‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الأسواق‭. ‬فالملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬شأناً‭ ‬نخبوياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬محركات‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الإلكترونيات،‭ ‬والبرمجيات،‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والترفيه،‭ ‬وهي‭ ‬قطاعات‭ ‬تقوم‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الأفكار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬المادية‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭ ‬كالتقنيات‭ ‬الحيوية،‭ ‬والزراعة‭ ‬الحديثة،‭ ‬والتعليم،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬المعرفة‭ ‬المملوكة‭ ‬تشكل‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬البعد‭ ‬التاريخي‭ ‬للتشريعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالإبداع،‭ ‬إذ‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬أكد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬جورج‭ ‬واشنطن،‭ ‬عند‭ ‬مناقشة‭ ‬قانون‭ ‬حقوق‭ ‬النشر‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬المعرفة‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬رفاه‭ ‬الشعوب‭ ‬وقوتها‭ ‬التنافسية‭ ‬التجارية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬مبكرة‭ ‬إلى‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والتنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ومع‭ ‬انتقال‭ ‬الاقتصادات‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي،‭ ‬تصاعد‭ ‬نفوذ‭ ‬من‭ ‬يمتلكون‭ ‬الأفكار‭ ‬مقارنة‭ ‬بمن‭ ‬يقتصر‭ ‬دورهم‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬المعدات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬مقارنة‭ ‬بمن‭ ‬يملكونها‭. ‬فأصحاب‭ ‬الملكيات‭ ‬الفكرية‭ ‬باتوا‭ ‬يتحكمون‭ ‬بسلاسل‭ ‬القيمة،‭ ‬ويحققون‭ ‬هوامش‭ ‬ربح‭ ‬أعلى،‭ ‬فيما‭ ‬بقيت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإبداع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬العام،‭ ‬رغم‭ ‬تأثيرها‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭.‬
ولتفسير‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬يبرز‭ ‬مفهوم‭ ‬الإبداع‭ ‬بوصفه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬قيمة‭ ‬جديدة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬فكرة‭ ‬مبتكرة،‭ ‬أو‭ ‬نموذج‭ ‬عمل‭ ‬مختلف،‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬استخدام‭ ‬جديد‭ ‬لمنتج‭ ‬قائم‭. ‬فالإبداع‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الاختراع‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬بطريقة‭ ‬تخلق‭ ‬عائداً‭ ‬اقتصادياً‭. ‬وهو‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التفكير‭ ‬والتصميم‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬وفي‭ ‬الكتابة‭ ‬والبحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭.‬
وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الإبداع‭ ‬سمة‭ ‬فردية‭ ‬مجردة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬اقتصادي‭ ‬يُبنى‭ ‬عليه‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬ومصادر‭ ‬الدخل‭. ‬فالبعض‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬أفكاره‭ ‬نواة‭ ‬لمساره‭ ‬المهني‭ ‬والاستثماري،‭ ‬ويحوّل‭ ‬الخيال‭ ‬إلى‭ ‬منتج،‭ ‬والمعرفة‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬سوقية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬التحول‭ ‬العميق‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
يُعرَّف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬تقليدياً‭ ‬بوصفه‭ ‬نظاماً‭ ‬لإنتاج‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬وتبادلها‭ ‬واستهلاكها،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬محاولة‭ ‬لإشباع‭ ‬حاجات‭ ‬ورغبات‭ ‬غير‭ ‬محدودة‭ ‬عبر‭ ‬موارد‭ ‬نادرة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬ينصب‭ ‬اهتمام‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬المحدودة‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬الذي‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬المادية،‭ ‬لا‭ ‬يسري‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬الأفكار،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الأفكار‭ ‬بطبيعتها‭ ‬غير‭ ‬نادرة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬اقتصادها‭ ‬مختلفاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القواعد‭ ‬والديناميكيات‭.‬
فالإبداع‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬نشاطاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬اقتصادي‭ ‬فاعل‭ ‬عندما‭ ‬ينتج‭ ‬فكرة‭ ‬ذات‭ ‬أثر‭ ‬مالي،‭ ‬أو‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬قابلة‭ ‬للتسويق‭. ‬وهذه‭ ‬النقلة‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬المجردة‭ ‬إلى‭ ‬المنتج‭ ‬التجاري‭ ‬تظل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المراحل‭ ‬تعقيداً‭ ‬وصعوبة‭ ‬في‭ ‬التعريف،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬معيار‭ ‬واحد‭ ‬يحدد‭ ‬لحظة‭ ‬التحول‭ ‬بدقة‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تضع‭ ‬قوانين‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الضوابط،‭ ‬تفرض‭ ‬السوق‭ ‬معايير‭ ‬مختلفة،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬تعريف‭ ‬الفكرة‭ ‬قانونياً،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بامتلاكها‭ ‬والاتجار‭ ‬بها‭.‬
وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬يظهر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالمنتج‭ ‬الإبداعي،‭ ‬أي‭ ‬السلعة‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬عن‭ ‬الإبداع‭ ‬وتحمل‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الإبداع‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬أو‭ ‬نشاط‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬مستويات‭ ‬الأعمال،‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الشركات‭ ‬وصياغة‭ ‬استراتيجياتها،‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬المنتجات‭ ‬وتسميتها‭ ‬وتصميمها‭. ‬ونادراً‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬اليوم‭ ‬أعمالاً‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تُدار‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عليها‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬أو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬فيما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬أقل‭ ‬منها‭ ‬سيحافظ‭ ‬على‭ ‬نماذجه‭ ‬الحالية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭. ‬فحدة‭ ‬المنافسة،‭ ‬وتسارع‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬وانتشار‭ ‬الإنترنت،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬نماذج‭ ‬أعمالها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تشديد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بحماية‭ ‬منتجاتها‭ ‬وأفكارها‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭.‬
ويزدهر‭ ‬الإبداع‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬البيئات‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬التجديد‭ ‬وتوفر‭ ‬الحوافز‭ ‬اللازمة‭ ‬له،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬الإبداع‭ ‬بحجم‭ ‬المؤسسة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬الأفكار‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تُعد‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الإبداعية‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية،‭ ‬وهي‭ ‬تشترك‭ ‬مع‭ ‬الملكية‭ ‬المادية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬مملوكة‭ ‬لشخص‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬معينة،‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬غير‭ ‬ملموسة‭. ‬فالملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬معرفة‭ ‬عامة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يعترف‭ ‬به‭ ‬القانون‭ ‬بوصفه‭ ‬حقاً‭ ‬حصرياً‭ ‬قابلاً‭ ‬للحماية‭ ‬والتصرف‭.‬
وتتخذ‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬عدة‭ ‬أشكال،‭ ‬أبرزها‭ ‬حقوق‭ ‬النشر،‭ ‬وبراءات‭ ‬الاختراع،‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية،‭ ‬والتصاميم‭. ‬كما‭ ‬تحمي‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬الأسرار‭ ‬التجارية‭ ‬والمعلومات‭ ‬السرية،‭ ‬فيما‭ ‬تركز‭ ‬أنظمة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬الخصوصية‭ ‬والبيانات‭ ‬الشخصية‭. ‬ويوفر‭ ‬قانون‭ ‬حقوق‭ ‬النشر‭ ‬الحماية‭ ‬للتعبير‭ ‬الإبداعي‭ ‬عندما‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬محدد،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬بالأعمال‭ ‬الأدبية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتوسع‭ ‬ليشمل‭ ‬فئات‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإبداعي‭.‬
أما‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع،‭ ‬فتشكل‭ ‬المجال‭ ‬الرئيس‭ ‬الثاني‭ ‬للملكية‭ ‬الفكرية،‭ ‬وقد‭ ‬نشأت‭ ‬لحماية‭ ‬الابتكارات‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬والعمليات‭. ‬وتمنح‭ ‬البراءة‭ ‬صاحبها‭ ‬حقاً‭ ‬احتكارياً‭ ‬لتصنيع‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬اختراع‭ ‬جديد‭ ‬لفترة‭ ‬تمتد‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭. ‬وتختلف‭ ‬البراءات‭ ‬جذرياً‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬النشر،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تُمنح‭ ‬تلقائياً،‭ ‬بل‭ ‬تخضع‭ ‬لاختبارات‭ ‬صارمة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالجدة‭ ‬والمنفعة‭ ‬وعدم‭ ‬البداهة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحها‭ ‬مستوى‭ ‬حماية‭ ‬أعلى‭ ‬وأكثر‭ ‬تحديداً‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تشترط‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬وجود‭ ‬تعبير‭ ‬إبداعي‭ ‬أو‭ ‬ابتكار‭ ‬تقني،‭ ‬بل‭ ‬ترتبط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬ويشترط‭ ‬تسجيلها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مستخدمة‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري،‭ ‬وأن‭ ‬تتمتع‭ ‬بالفرادة‭ ‬والوضوح‭. ‬وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬التصاميم،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬شكلاً‭ ‬أو‭ ‬رمزاً‭ ‬مميزاً،‭ ‬وقد‭ ‬تحظى‭ ‬بحماية‭ ‬مزدوجة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬حقوق‭ ‬النشر‭ ‬وحقوق‭ ‬التصميم،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تُسجَّل‭ ‬أيضاً‭ ‬كعلامات‭ ‬تجارية‭ ‬لتعزيز‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭.‬
يميّز‭ ‬الاتحاد‭ ‬الدولي‭ ‬للملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بصناعات‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬الأساسية،‭ ‬وهي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬إنتاجها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬النشر،‭ ‬وتشمل‭ ‬تصنيع‭ ‬سلع‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬محتوى‭ ‬محمي،‭ ‬مثل‭ ‬الحواسيب‭ ‬أو‭ ‬أجهزة‭ ‬استقبال‭ ‬التلفاز‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬لا‭ ‬يشمل‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬بوصفها‭ ‬صناعات‭ ‬حقوق‭ ‬نشر‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬القيمة‭ ‬الإبداعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمحتوى‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تمتد‭ ‬صناعات‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬عبر‭ ‬طيف‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وتُعد‭ ‬من‭ ‬أكثرها‭ ‬انتشاراً‭ ‬الصناعات‭ ‬الدوائية،‭ ‬والإلكترونيات،‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات،‭ ‬والتصميم‭ ‬الصناعي،‭ ‬والمعدات،‭ ‬والكيميائيات،‭ ‬والهندسة،‭ ‬وصناعات‭ ‬الفضاء‭ ‬والمركبات‭. ‬ويُعد‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬النشاط‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬التقنية‭ ‬والجامعات،‭ ‬حيث‭ ‬تشكل‭ ‬الابتكارات‭ ‬العلمية‭ ‬الأساس‭ ‬التنافسي‭ ‬لها‭.‬
أما‭ ‬صناعات‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬والتصميم،‭ ‬فهي‭ ‬أكثر‭ ‬انتشاراً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العدد‭ ‬والتنوع،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬نطاقها‭ ‬يجعلها‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القياس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المباشر‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬تعريف‭ ‬الإبداع‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية،‭ ‬فإن‭ ‬احتساب‭ ‬قيمته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بدقة،‭ ‬أو‭ ‬فصل‭ ‬الأرباح‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعلامة‭ ‬ضمن‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬أو‭ ‬المزيج‭ ‬الإنتاجي،‭ ‬يظل‭ ‬مهمة‭ ‬معقدة‭.‬
وتشكّل‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬الأربعة‭ ‬مجتمعة‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالصناعات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬والتي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يُسمى‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الإبداعي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هذان‭ ‬المفهومان‭ ‬محل‭ ‬نقاش‭ ‬دولي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬إجماع‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬تعريفهما‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬تتقاطع‭ ‬معظم‭ ‬التعريفات‭ ‬مع‭ ‬الممارسات‭ ‬الدولية‭ ‬السائدة،‭ ‬تختلف‭ ‬المقاربات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬نطاق‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭.‬
وتتفق‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الإبداع‭ ‬وصناعاته‭ ‬يشملان‭ ‬الخيال‭ ‬الإنساني‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأستراليا،‭ ‬تحصر‭ ‬مفهوم‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬والصناعات‭ ‬الثقافية،‭ ‬مستبعدة‭ ‬العلوم‭ ‬وصناعات‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تبايناً‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الإبداع‭ ‬وحدوده‭ ‬الاقتصادية‭.‬

رجوع لأعلى