الإبداع يحوّل الأفكار إلى ثروة ويقود الاقتصاد الجديد
تتقاطع الأنشطة الاقتصادية الحديثة عند عامل واحد مشترك يتمثل في الأفكار، فالقيمة لم تعد تُصنع بالآلات وحدها، بل بالعقول القادرة على ابتكارها أو التحكم في استثمارها. ومن هنا تتشكل العلاقة المتنامية بين الإبداع والاقتصاد، وهي علاقة لم تكن بهذا العمق أو الاتساع من قبل. فالإبداع والاقتصاد مفهومان قديمان، لكن الجديد هو حجم التشابك بينهما، والدور المحوري الذي بات يلعبه هذا التداخل في خلق الثروة وتعزيز النمو.
خلال السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة تسجيل براءات الاختراع وتوسعت مظلة حقوق الملكية الفكرية والعلامات التجارية، لتتحول من ملفات قانونية متخصصة إلى أدوات اقتصادية مؤثرة في حركة الأسواق. فالملكية الفكرية لم تعد شأناً نخبوياً، بل أصبحت أحد محركات الناتج الاقتصادي العالمي، خصوصاً في قطاعات مثل الإلكترونيات، والبرمجيات، والرعاية الصحية، والاتصالات، والإعلام، والترفيه، وهي قطاعات تقوم قيمتها السوقية بدرجة كبيرة على الأفكار أكثر من الأصول المادية. ويضاف إلى ذلك قطاعات أخرى كالتقنيات الحيوية، والزراعة الحديثة، والتعليم، حيث باتت المعرفة المملوكة تشكل حجر الأساس في القدرة التنافسية.
وفي هذا السياق، يبرز البعد التاريخي للتشريعات المرتبطة بالإبداع، إذ سبق أن أكد الرئيس الأميركي جورج واشنطن، عند مناقشة قانون حقوق النشر الفيدرالي، أن تعزيز المعرفة ينعكس مباشرة على رفاه الشعوب وقوتها التنافسية التجارية، في إشارة مبكرة إلى الترابط بين الابتكار والتنمية الاقتصادية.
ومع انتقال الاقتصادات من مرحلة الإنتاج الصناعي إلى الاقتصاد المعرفي، تصاعد نفوذ من يمتلكون الأفكار مقارنة بمن يقتصر دورهم على تشغيل المعدات، بل وحتى مقارنة بمن يملكونها. فأصحاب الملكيات الفكرية باتوا يتحكمون بسلاسل القيمة، ويحققون هوامش ربح أعلى، فيما بقيت العلاقة بين الإبداع والاقتصاد أقل وضوحاً في الخطاب العام، رغم تأثيرها العميق في توزيع الثروة ورأس المال.
ولتفسير هذا التحول، يبرز مفهوم الإبداع بوصفه القدرة على إنتاج قيمة جديدة، سواء عبر فكرة مبتكرة، أو نموذج عمل مختلف، أو تطوير استخدام جديد لمنتج قائم. فالإبداع لا يقتصر على الاختراع بحد ذاته، بل يمتد إلى إعادة تشكيل ما هو موجود بطريقة تخلق عائداً اقتصادياً. وهو يتحقق في مراحل التفكير والتصميم والتنفيذ، وفي الكتابة والبحث والتطوير، حتى وإن لم تصل بعض هذه الأفكار إلى السوق.
وعلى هذا الأساس، لم يعد الإبداع سمة فردية مجردة، بل تحول لدى شريحة متزايدة من الأفراد والشركات إلى أصل اقتصادي يُبنى عليه النشاط التجاري ومصادر الدخل. فالبعض يجعل من أفكاره نواة لمساره المهني والاستثماري، ويحوّل الخيال إلى منتج، والمعرفة إلى قيمة سوقية، في مشهد يعكس التحول العميق في طبيعة الاقتصاد العالمي.
يُعرَّف الاقتصاد تقليدياً بوصفه نظاماً لإنتاج السلع والخدمات وتبادلها واستهلاكها، وهو في جوهره محاولة لإشباع حاجات ورغبات غير محدودة عبر موارد نادرة. ومن هذا المنطلق، ينصب اهتمام الاقتصاد على كيفية توزيع هذه الموارد المحدودة بأكبر قدر من الكفاءة. غير أن هذا المنطق، الذي ينطبق على السلع المادية، لا يسري بالضرورة على الأفكار، إذ إن الأفكار بطبيعتها غير نادرة، ما يجعل اقتصادها مختلفاً من حيث القواعد والديناميكيات.
فالإبداع في حد ذاته ليس نشاطاً اقتصادياً بالضرورة، لكنه يتحول إلى عنصر اقتصادي فاعل عندما ينتج فكرة ذات أثر مالي، أو يقود إلى سلعة أو خدمة قابلة للتسويق. وهذه النقلة من الفكرة المجردة إلى المنتج التجاري تظل من أكثر المراحل تعقيداً وصعوبة في التعريف، إذ لا يوجد معيار واحد يحدد لحظة التحول بدقة. ففي حين تضع قوانين الملكية الفكرية مجموعة من الضوابط، تفرض السوق معايير مختلفة، وغالباً ما يتحقق هذا التحول عندما يتم تعريف الفكرة قانونياً، بما يسمح بامتلاكها والاتجار بها.
وعند هذه النقطة، يظهر ما يمكن تسميته بالمنتج الإبداعي، أي السلعة أو الخدمة التي تنشأ عن الإبداع وتحمل قيمة اقتصادية قابلة للقياس في السوق.
ولا يقتصر الإبداع على قطاع أو نشاط بعينه، بل يمتد عبر مختلف مستويات الأعمال، من إدارة الشركات وصياغة استراتيجياتها، إلى تطوير المنتجات وتسميتها وتصميمها. ونادراً ما نجد اليوم أعمالاً ما زالت تُدار بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل خمس أو عشر سنوات، فيما يبدو أن عدداً أقل منها سيحافظ على نماذجه الحالية خلال السنوات المقبلة. فحدة المنافسة، وتسارع التطور التكنولوجي، وانتشار الإنترنت، كلها عوامل تفرض على الشركات إعادة التفكير المستمر في نماذج أعمالها، إلى جانب تشديد الاهتمام بحماية منتجاتها وأفكارها عبر أدوات الملكية الفكرية.
ويزدهر الإبداع بشكل خاص في البيئات المؤسسية التي تشجع على التجديد وتوفر الحوافز اللازمة له، إذ لا يرتبط الإبداع بحجم المؤسسة بقدر ما يرتبط بقدرتها على احتضان الأفكار وتحويلها إلى قيمة مضافة.
وفي هذا السياق، تُعد نسبة كبيرة من المنتجات الإبداعية شكلاً من أشكال الملكية الفكرية، وهي تشترك مع الملكية المادية في كونها مملوكة لشخص أو جهة معينة، لكنها تختلف عنها في كونها غير ملموسة. فالملكية الفكرية ليست مجرد فكرة عابرة أو معرفة عامة، بل هي ما يعترف به القانون بوصفه حقاً حصرياً قابلاً للحماية والتصرف.
وتتخذ الملكية الفكرية عدة أشكال، أبرزها حقوق النشر، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، والتصاميم. كما تحمي بعض الأنظمة القانونية الأسرار التجارية والمعلومات السرية، فيما تركز أنظمة أخرى على حماية الخصوصية والبيانات الشخصية. ويوفر قانون حقوق النشر الحماية للتعبير الإبداعي عندما يتجسد في عمل محدد، وقد كان هذا الإطار محصوراً في بداياته بالأعمال الأدبية، قبل أن يتوسع ليشمل فئات متعددة من الإنتاج الإبداعي.
أما براءات الاختراع، فتشكل المجال الرئيس الثاني للملكية الفكرية، وقد نشأت لحماية الابتكارات الصناعية في المنتجات والعمليات. وتمنح البراءة صاحبها حقاً احتكارياً لتصنيع أو استخدام اختراع جديد لفترة تمتد عادة إلى عشرين عاماً. وتختلف البراءات جذرياً عن حقوق النشر، إذ لا تُمنح تلقائياً، بل تخضع لاختبارات صارمة تتعلق بالجدة والمنفعة وعدم البداهة، وهو ما يمنحها مستوى حماية أعلى وأكثر تحديداً.
في المقابل، لا تشترط العلامات التجارية وجود تعبير إبداعي أو ابتكار تقني، بل ترتبط بقدرتها على التمييز في السوق. ويشترط تسجيلها أن تكون مستخدمة فعلياً في النشاط التجاري، وأن تتمتع بالفرادة والوضوح. وينطبق الأمر ذاته على التصاميم، التي تمثل شكلاً أو رمزاً مميزاً، وقد تحظى بحماية مزدوجة تجمع بين حقوق النشر وحقوق التصميم، وغالباً ما تُسجَّل أيضاً كعلامات تجارية لتعزيز قيمتها السوقية.
يميّز الاتحاد الدولي للملكية الفكرية بين ما يُعرف بصناعات الملكية الفكرية الأساسية، وهي تلك التي يقوم إنتاجها بشكل مباشر على حقوق النشر، وتشمل تصنيع سلع تعتمد على محتوى محمي، مثل الحواسيب أو أجهزة استقبال التلفاز. غير أن هذا التصنيف لا يشمل هذه الصناعات بوصفها صناعات حقوق نشر بحد ذاتها، بل يركز على جوهر القيمة الإبداعية المرتبطة بالمحتوى.
في المقابل، تمتد صناعات براءات الاختراع عبر طيف واسع من القطاعات الاقتصادية، وتُعد من أكثرها انتشاراً الصناعات الدوائية، والإلكترونيات، وتكنولوجيا المعلومات، والتصميم الصناعي، والمعدات، والكيميائيات، والهندسة، وصناعات الفضاء والمركبات. ويُعد البحث والتطوير النشاط المحوري في هذه الصناعات، سواء داخل الشركات التجارية أو في المختبرات التقنية والجامعات، حيث تشكل الابتكارات العلمية الأساس التنافسي لها.
أما صناعات العلامات التجارية والتصميم، فهي أكثر انتشاراً من حيث العدد والتنوع، غير أن اتساع نطاقها يجعلها أقل وضوحاً من حيث القياس الاقتصادي المباشر. فعلى الرغم من إمكانية تعريف الإبداع الكامن في بناء العلامة التجارية، فإن احتساب قيمته الاقتصادية بدقة، أو فصل الأرباح المرتبطة بالعلامة ضمن إجمالي الناتج أو المزيج الإنتاجي، يظل مهمة معقدة.
وتشكّل هذه القطاعات الأربعة مجتمعة ما يُعرف بالصناعات الإبداعية، والتي يقوم عليها ما بات يُسمى بالاقتصاد الإبداعي. ومع ذلك، لا يزال هذان المفهومان محل نقاش دولي، إذ لا يوجد حتى اليوم إجماع كامل على تعريفهما. ففي حين تتقاطع معظم التعريفات مع الممارسات الدولية السائدة، تختلف المقاربات الوطنية في تحديد نطاق الصناعات الإبداعية.
وتتفق غالبية الدول على أن الإبداع وصناعاته يشملان الخيال الإنساني بكل أشكاله، إلا أن بعض الدول، وفي مقدمتها بريطانيا وأستراليا، تحصر مفهوم الصناعات الإبداعية في الفنون والصناعات الثقافية، مستبعدة العلوم وصناعات براءات الاختراع من هذا التصنيف، وهو ما يعكس تبايناً في الرؤى حول طبيعة الإبداع وحدوده الاقتصادية.