تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬كمحركات‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي

VBZ32

لم‭ ‬يكن‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬مجرد‭ ‬نقلة‭ ‬تقنية‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬شاملة‭ ‬لبنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فقد‭ ‬استغرق‭ ‬تأثير‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬قرابة‭ ‬قرن‭ ‬كامل‭ ‬حتى‭ ‬يرسخ‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬لكنه‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬غيّر‭ ‬شكل‭ ‬الملكية،‭ ‬وأنماط‭ ‬العمل،‭ ‬وموازين‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬
حتى‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬كانت‭ ‬الفئات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والعمال‭ ‬الصناعيون‭ ‬يمثلون‭ ‬شرائح‭ ‬هامشية‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني‭ ‬حوّل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مؤسسية،‭ ‬وأعاد‭ ‬تعريف‭ ‬المعرفة‭ ‬ذاتها‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬معرفة‭ ‬نظرية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬معلوماتية‭ ‬تطبيقية‮»‬‭ ‬ترتبط‭ ‬مباشرة‭ ‬بالإنتاج‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭. ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬1750‭ ‬تقريباً،‭ ‬بدأت‭ ‬المعرفة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬إنتاجية‭ ‬مباشرة،‭ ‬ما‭ ‬مهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لولادة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصناعي‭ ‬الحديث‭.‬
ومع‭ ‬تسارع‭ ‬انتشار‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬أصبحت‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الطبقة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المهيمنة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بحلول‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬الغرب؛‭ ‬ففي‭ ‬اليابان‭ ‬خلال‭ ‬عهد‭ ‬عهد‭ ‬ميجي‭ ‬تحقق‭ ‬الانتقال‭ ‬الصناعي‭ ‬خلال‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬شهدت‭ ‬مدن‭ ‬آسيوية‭ ‬مثل‭ ‬شنغهاي‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬وكلكتا‭ ‬وبومباي‭ ‬تحولات‭ ‬سريعة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إدماجها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العالمي‭. ‬بذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬لم‭ ‬تبنِ‭ ‬المصانع‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أسست‭ ‬لمدنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬الواسع‭ ‬وتقسيم‭ ‬العمل‭.‬

أطوار‭ ‬المعلوماتية‭ ‬التطبيقية‭: ‬تطور‭ ‬المعرفة‭ ‬كعامل‭ ‬إنتاج

أولاً‭: ‬المعلوماتية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الأدوات‭ (‬1750–1850‭)‬

في‭ ‬الطور‭ ‬الأول،‭ ‬استُخدمت‭ ‬المعرفة‭ ‬لتطوير‭ ‬الأدوات‭ ‬والعمليات‭ ‬الصناعية‭ ‬والمنتجات‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انطلاق‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تقنياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬اقتصادي‭-‬اجتماعي‭ ‬أيضاً،‭ ‬إذ‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الملكية‭ ‬وظهور‭ ‬طبقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬جديدة‭. ‬وقد‭ ‬وصف‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بأنها‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬تحويل‭ ‬الملكية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تركز‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وبرز‭ ‬الصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬كأحد‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصناعي‭ ‬الناشئ‭.‬
اقتصادياً،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬باعتبارها‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬زراعي‭ ‬تقليدي‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬صناعي‭ ‬كثيف‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬ارتفعت‭ ‬فيه‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬وبدأت‭ ‬الأسواق‭ ‬الوطنية‭ ‬تتشكل‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬رأسمالي‭ ‬متكامل‭.‬

ثانياً‭: ‬المعلوماتية‭ ‬وولادة‭ ‬الثورة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬‭(‬1880–1945‭)‬

في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬انتقلت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬الأدوات‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬أساليب‭ ‬العمل‭ ‬ذاته‭. ‬ومنذ‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الإنتاجية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬وفق‭ ‬أسس‭ ‬علمية،‭ ‬وارتفعت‭ ‬كفاءة‭ ‬المصانع،‭ ‬وتوسعت‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭.‬
خلال‭ ‬نحو‭ ‬75‭ ‬عاماً‭ ‬فقط،‭ ‬تحققت‭ ‬تحولات‭ ‬اقتصادية‭ ‬عميقة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬الصناعي،‭ ‬واتساع‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬وصعود‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬متعددة‭ ‬الفروع‭. ‬كما‭ ‬رافقت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تغييرات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬واسعة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬العامل‭ ‬الصناعي‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬منظمة،‭ ‬وبدأت‭ ‬الدول‭ ‬تتدخل‭ ‬لتنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والعمل‭.‬
ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬بأنها‭ ‬مرحلة‭ ‬تعظيم‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحقيق‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬أداة‭ ‬لتحسين‭ ‬الكفاءة‭ ‬وخفض‭ ‬التكلفة‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭.‬

ثالثاً‭: ‬المعلوماتية‭ ‬كعامل‭ ‬إنتاج‭ ‬مستقل‭ (‬ما‭ ‬بعد‭ ‬1945‭)‬

بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬طوراً‭ ‬جديداً‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬المعلوماتية‭ ‬نفسها‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬متجاوزة‭ ‬دورها‭ ‬كأداة‭ ‬مساندة‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬والعمل‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المعرفة‭ ‬تخدم‭ ‬الإنتاج‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭.‬
في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تشكل‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الأصول‭ ‬غير‭ ‬الملموسة‭ ‬كالبيانات،‭ ‬والابتكار،‭ ‬والبحث‭ ‬والتطوير‭ ‬تمثل‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬للشركات‭ ‬والدول‭. ‬وتحولت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬اقتصادية‭ ‬موازية‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬المادي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الرقمية‭ ‬لاحقاً‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيسي‭ ‬للنمو‭ ‬والإنتاجية‭.‬
وهكذا‭ ‬انتقل‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬صناعي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الآلة،‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬معلوماتي‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬رقمي‭ ‬تُدار‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬عبر‭ ‬البيانات‭ ‬والخوارزميات‭.‬

التحول‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

إن‭ ‬التغير‭ ‬الراديكالي‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬المعلوماتية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهمه‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العالمي‭. ‬فالمعرفة‭ ‬بدأت‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتحسين‭ ‬الأدوات،‭ ‬ثم‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬العمل،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬قائم‭ ‬بذاته‭.‬
وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬مسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬مسار‭ ‬تطور‭ ‬المعلوماتية‭: ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬صناعي،‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬إنتاجية،‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭ ‬تشكل‭ ‬اليوم‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للنظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

من‭ ‬الفلسفة‭ ‬الرياضية‭ ‬إلى‭ ‬
صناعة‭ ‬الحوسبة

لم‭ ‬يكن‭ ‬تطور‭ ‬المعلوماتية‭ ‬نتاج‭ ‬قفزة‭ ‬تقنية‭ ‬مفاجئة،‭ ‬بل‭ ‬حصيلة‭ ‬تراكمات‭ ‬فكرية‭ ‬وعلمية‭ ‬واقتصادية‭ ‬امتدت‭ ‬لقرون‭. ‬ففي‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬وضع‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والرياضي‭ ‬الألماني‭ ‬غوتفريد‭ ‬فيلهلم‭ ‬لايبنتس‭ ‬الأساس‭ ‬النظري‭ ‬للنظام‭ ‬الثنائي‭ (‬الصفر‭ ‬والواحد‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬سيصبح‭ ‬لاحقاً‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للمعالجة‭ ‬الرقمية‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الفكري‭ ‬مثّل‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الأفكار‭ ‬المجردة‭ ‬إلى‭ ‬نظم‭ ‬قابلة‭ ‬للترميز‭ ‬والحساب‭.‬
وفي‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬جاء‭ ‬إسهام‭ ‬المخترع‭ ‬الإنجليزي‭ ‬تشارلز‭ ‬باباج‭ ‬عبر‭ ‬تصميم‭ ‬الآلات‭ ‬الحاسبة‭ ‬الميكانيكية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التروس،‭ ‬واضعاً‭ ‬بذلك‭ ‬الأساس‭ ‬المفاهيمي‭ ‬للحوسبة‭ ‬الآلية‭. ‬ومع‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬عزز‭ ‬الفيلسوفان‭ ‬البريطانيان‭ ‬ألفريد‭ ‬نورث‭ ‬وايتهيد‭ ‬وبرتراند‭ ‬راسل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بإثبات‭ ‬أن‭ ‬المفاهيم‭ ‬إذا‭ ‬صيغت‭ ‬بمنطق‭ ‬دقيق‭ ‬يمكن‭ ‬ترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬صيغ‭ ‬رياضية‭ ‬قابلة‭ ‬للمعالجة‭ ‬الحسابية‭.‬
اقتصادياً،‭ ‬شكّل‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬فلسفي‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬قابل‭ ‬للاستثمار‭. ‬فالمعرفة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬تأمل‭ ‬نظري،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مادة‭ ‬خام‭ ‬يمكن‭ ‬ترميزها،‭ ‬معالجتها،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭.‬

عندما‭ ‬تحولت‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬إنتاج

في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬برز‭ ‬دور‭ ‬المفكر‭ ‬والاقتصادي‭ ‬النمساوي‭ ‬الأميركي‭ ‬أوتو‭ ‬نيورات‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬المعرفة‭ ‬—‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬التشريع‭ ‬والفلك‭ ‬—‭ ‬يمكن‭ ‬قياسها‭ ‬كمياً‭ ‬ومعالجتها‭ ‬إحصائياً‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬إعلان‭ ‬ميلاد‭ ‬‮«‬اقتصاد‭ ‬البيانات‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬المعلومات‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬والتحليل‭ ‬وفق‭ ‬أدوات‭ ‬موحدة‭.‬
ثم‭ ‬جاء‭ ‬اختراع‭ ‬أنبوبة‭ ‬الأوديون‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬لي‭ ‬دي‭ ‬فورست،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬بتضخيم‭ ‬الإشارات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬موجات‭ ‬صوتية،‭ ‬فاتحاً‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬ثورة‭ ‬الاتصالات‭. ‬وبعد‭ ‬عقدين‭ ‬تقريباً،‭ ‬دخلت‭ ‬البطاقات‭ ‬المثقوبة‭ ‬التي‭ ‬طورتها‭ ‬شركة‭ ‬IBM‭ ‬إلى‭ ‬المشهد،‭ ‬لتوفر‭ ‬وسيلة‭ ‬عملية‭ ‬لتخزين‭ ‬البيانات‭ ‬ومعالجتها‭ ‬آلياً‭.‬
تكامل‭ ‬هذه‭ ‬الابتكارات‭ ‬النظام‭ ‬الثنائي،‭ ‬الآلات‭ ‬الحاسبة‭ ‬الميكانيكية،‭ ‬المنطق‭ ‬الرياضي،‭ ‬الأنابيب‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والبطاقات‭ ‬المثقوبة،‭ ‬أسس‭ ‬لولادة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬بوصفه‭ ‬بنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬جهاز‭ ‬تقني‭.‬

الاستثمار‭ ‬العسكري‭ ‬كمحرك‭ ‬للابتكار

أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬تحولت‭ ‬الحوسبة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭. ‬فقد‭ ‬ضخت‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأميركية‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬آلات‭ ‬حسابية‭ ‬فائقة‭ ‬السرعة‭ ‬لحساب‭ ‬مسارات‭ ‬الطائرات‭ ‬والسفن‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬العسكرية‭. ‬وهنا‭ ‬برزت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬العلاقة‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬والنمو‭ ‬التكنولوجي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬
من‭ ‬منظور‭ ‬اقتصادي،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬نموذجاً‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بـ»الابتكار‭ ‬المدفوع‭ ‬بالطلب‭ ‬الحكومي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لعبت‭ ‬الدولة‭ ‬دور‭ ‬المستثمر‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر،‭ ‬ما‭ ‬مهّد‭ ‬لاحقاً‭ ‬لنشوء‭ ‬صناعات‭ ‬رقمية‭ ‬مدنية‭ ‬عملاقة‭.‬

بين‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والأخلاق‭: ‬تفسير‭ ‬التحول‭ ‬المعلوماتي

تناول‭ ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬الألماني‭ ‬ماكس‭ ‬فيبر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأخلاق‭ ‬البروتستانتية‭ ‬وصعود‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬موضحاً‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬القيمية‭ ‬دعمت‭ ‬نشوء‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحديث‭. ‬وعلى‭ ‬النقيض،‭ ‬ركز‭ ‬كارل‭ ‬ماركس‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬المادية،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مثل‭ ‬آلة‭ ‬البخار‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬رأسمالية‭ ‬ضخمة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقات‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتركيز‭ ‬الملكية‭.‬
في‭ ‬الحالتين،‭ ‬تبرز‭ ‬المعلوماتية‭ ‬كقوة‭ ‬محركة‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭: ‬فهي‭ ‬إما‭ ‬نتاج‭ ‬تطور‭ ‬ثقافي‭-‬قيمي،‭ ‬أو‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬لتراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الصناعي‭. ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬تطورها‭ ‬ارتبط‭ ‬عضوياً‭ ‬بآليات‭ ‬السوق،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وتراكم‭ ‬الثروة‭.‬

متطلبات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭: ‬تركيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬واقتصاد‭ ‬الحجم

أحد‭ ‬أهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬كان‭ ‬انتقال‭ ‬الإنتاج‭ ‬من‭ ‬الورش‭ ‬الصغيرة‭ ‬المتفرقة‭ ‬إلى‭ ‬المصنع‭ ‬المركزي‭. ‬فالمعلوماتية‭ ‬لا‭ ‬تزدهر‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إنتاج‭ ‬مشتتة،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تركيز‭ ‬العمليات‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتوحيد‭ ‬المعايير،‭ ‬وخفض‭ ‬التكاليف،‭ ‬وتحقيق‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم‭.‬
كما‭ ‬تطلبت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الجديدة‭ ‬مصادر‭ ‬طاقة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬كالمياه‭ ‬والبخار،‭ ‬لكن‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الطاقة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬تكنولوجي‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬الحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬صناعات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الآلة‭ ‬والمعرفة‭ ‬التقنية،‭ ‬وأصبح‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الصناعي‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

البعد‭ ‬الاستثماري‭ ‬لتحول‭ ‬المعلوماتية

إن‭ ‬المعنى‭ ‬الجديد‭ ‬للمعلوماتية‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحوّل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬اقتصادي‭ ‬قابل‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتراكم‭. ‬فمن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الرياضية‭ ‬إلى‭ ‬التطبيقات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ومن‭ ‬الإحصاء‭ ‬إلى‭ ‬التصنيع‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬تبلورت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬كركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭.‬
ومع‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬أصبحت‭ ‬البيانات‭ ‬والمعالجة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬تمثلان‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الخفية‭ ‬للرأسمالية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬ممهدتين‭ ‬الطريق‭ ‬لاقتصاد‭ ‬رقمي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬السرعة،‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وتعظيم‭ ‬القيمة‭ ‬غير‭ ‬الملموسة‭.‬

تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬وبنية‭ ‬السوق

عند‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬اليوم‭ ‬ظاهرة‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬بل‭ ‬ارتبطت‭ ‬غالباً‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬الحكومية‭. ‬فالترسانة‭ ‬البحرية‭ ‬التابعة‭ ‬لجمهورية‭ ‬جمهورية‭ ‬البندقية‭ ‬شكّلت‭ ‬نموذجاً‭ ‬مبكراً‭ ‬لمنشأة‭ ‬إنتاجية‭ ‬ضخمة‭ ‬مملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مصانع‭ ‬الخزف‭ ‬في‭ ‬مايسن‭ ‬وسيفر‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬رسمية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الجوهري‭ ‬بدأ‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية؛‭ ‬فبحلول‭ ‬عام‭ ‬1830‭ ‬برزت‭ ‬أولى‭ ‬الشركات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬وبعد‭ ‬عقود‭ ‬قليلة‭ ‬مع‭ ‬زمن‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬كياناً‭ ‬عابراً‭ ‬للحدود،‭ ‬يمتد‭ ‬نفوذه‭ ‬إلى‭ ‬معظم‭ ‬المراكز‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬
اقتصادياً،‭ ‬مثّل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬انتقالاً‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬تديره‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬تقوده‭ ‬الشركات‭ ‬الخاصة‭ ‬الضخمة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬وفورات‭ ‬الحجم،‭ ‬وتركيز‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وتكامل‭ ‬العمليات‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ورغم‭ ‬مقاومة‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬الجديدة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬مع‭ ‬اضطرابات‭ ‬الحرفيين،‭ ‬فإن‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬والكفاءة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬حسم‭ ‬المعركة‭ ‬لصالح‭ ‬التصنيع‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬

رجوع لأعلى