الادخار والتنمية في الدول النامية بين توسع الإنتاج وضغوط الاستهلاك
يكتسب كلٌّ من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدل النمو السكاني أهمية محورية في قياس حجم الزيادة المتحققة في نسبة الدخل القومي المخصّصة للادخار. غير أن بلوغ نتائج ملموسة في هذا المجال يتطلب أن يكون معدل الادخار الحدي أعلى من متوسط الادخار، وهو ما يستدعي بدوره أن يتجاوز نمو الناتج الإجمالي معدل الزيادة في الاستهلاك العام، الذي يُنظر إليه عادة بوصفه الحد الأدنى الضروري. ومع ذلك، فإن هذا الشرط وحده لا يكفي لضمان ارتفاع فعلي في معدل الادخار القومي، إذ قد تقترن زيادة الدخل والإنتاج بارتفاع موازٍ أو حتى أكبر في الاستهلاك، ما يفرغ النمو من أثره الادخاري.
ومن هنا، تبرز مسؤولية السياسات العامة للدول في إحداث تحوّل في أنماط السلوك الادخاري، عبر إعادة تشكيل آليات تكوين الادخار بما يحقق الزيادة المنشودة، بدل تركها خاضعة للنزعات الاستهلاكية المتصاعدة.
وتتوزع الإجراءات التي تعتمدها الدول لتعزيز الادخار على مسارين رئيسيين: عام وخاص. ففي الإطار العام، تلجأ بعض الدول إلى إعادة توزيع ملكية الأراضي أو تحسين شروط استئجارها، سواء من الملاك أو من الدولة، بما يتيح للفلاحين فرصة ادخار جزء من دخولهم واستثماره في رفع إنتاجية الأرض.
أما الإجراءات ذات الطابع الخاص، فتتمثل في رعاية الدولة لمؤسسات الادخار وأدواته، على غرار ما هو معمول به في الاقتصادات المتقدمة، وتشمل بنوك الادخار، ومؤسسات التأمين، والقروض الحكومية بمختلف أشكالها، وتسهيلات الرهن العقاري، واحتياطيات المعاشات. وتهدف هذه الأدوات إلى تسهيل عملية الادخار لدى الطبقات المتوسطة، وترسيخ ثقافته لدى المواطنين، وتحفيز المدخرين على الاستمرارية والانتظام.
ورغم ذلك، يسود إجماع على انخفاض مستويات الادخار في الدول النامية، إلى جانب التفاوت الحاد في توزيعه، وهو ما يعود أساساً إلى ضعف الدخل القومي، وتباين قرارات الأفراد بشأن الادخار، فضلاً عن ميل شريحة واسعة من السكان إلى توجيه زيادات دخولهم النقدية نحو الإنفاق الاستهلاكي. وفي المقابل، يتجه أصحاب الدخول المرتفعة إما إلى اكتناز الأموال أو إنفاقها على السلع الترفيهية أو الاستثمار في العقارات.
وفي الواقع، فإن محدودية مؤسسات الادخار في الدول النامية تعود في جوهرها إلى ضآلة دخول الغالبية العظمى من الأسر، ما يحصر الادخار والاستثمار في دائرة ضيقة من ذوي الدخول المرتفعة. وفي هذا السياق، تلجأ الدول إلى أدوات مثل الضرائب التصاعدية والرسوم الجمركية المرتفعة على السلع الكمالية، بهدف اقتطاع جزء من الدخول العالية وتحويله إلى مدخرات عامة تتولى الدولة استثمارها. غير أن لهذه السياسات آثاراً جانبية، أبرزها إضعاف الادخار الخاص، إذ قد تدفع أصحاب الدخول الكبيرة إلى زيادة إنفاقهم الاستهلاكي بدلاً من توجيه أموالهم نحو الادخار.
تلجأ بعض الدول إلى معالجة ضعف الادخار بفرض ضرائب على الإنفاق، في إطار توجه أوسع لتوظيف المؤسسات المحلية، مثل البنوك وصناديق التوفير والهيئات العامة، في تجميع مدخرات الأفراد وتوجيهها نحو الاستثمار في مشروعات التنمية الاقتصادية. وفي هذا السياق، تسعى الحكومات إلى تحفيز أصحاب الدخول المرتفعة على توظيف أموالهم في هذه المشروعات، من خلال رفع أسعار الفائدة على قروض التنمية، بما يجعل عوائدها مجزية ويدفع المستثمرين إلى إعادة استثمار أرباحهم بدلاً من توجيهها للاستهلاك.
ويُعد توفير الضمانات للمستثمرين عاملاً حاسماً في نجاح هذه السياسات، وفي مقدمتها الحفاظ على الاستقرار النقدي وتجنب التضخم، لما له من أثر مباشر في تقليص القيمة الحقيقية للاستثمارات. كما تلعب السندات الحكومية دوراً محورياً في تعزيز الثقة لدى المدخرين، إلى جانب ضمان الدولة لودائع الأفراد لدى المؤسسات المالية الخاصة.
ومع ذلك، لا يُتوقع أن تُحدث التدابير الإيجابية التي تعتمدها الدول تحولاً جوهرياً وسريعاً في سلوك الادخار لدى الأسر، لا سيما خلال السنوات الأولى من تطبيق خطط التنمية. صحيح أن لسياسات الدولة تأثيراً تراكمياً مهماً على المدى الطويل، إلا أن العوامل الحاسمة التي توجه الادخار تظل مرتبطة بمستوى دخل الأسرة، وتوزيع الدخل، ومعدلات النمو الاقتصادي.
وتشير التجارب التاريخية إلى أن نصيب الادخار العائلي من إجمالي الإنتاج العام تراجع في معظم الدول النامية خلال خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً بين عامي 1950 و1959، ويُعزى ذلك إلى سياسات إعادة توزيع الدخل عبر التحكم في الأسعار وتقديم الإعانات للسلع الأساسية. غير أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع يتمثل في التحول المتزايد للعمال إلى فئة الأجراء الذين يعتمدون في دخولهم على الدولة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهي ظاهرة آخذة في الاتساع مع تنامي دور الدولة في قيادة عملية التنمية الاقتصادية وتدخلها في مختلف قطاعاتها.
ويكشف تحليل واقع الادخار في الدول النامية عن حقيقة بالغة الأهمية، مفادها أن جهود رفع مستوى الادخار الداخلي أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسات المالية والميزانية العامة للدولة، بحيث تشكل هذه السياسات المعيار الأساسي لتقييم قدرة أي دولة على تعبئة مواردها الادخارية. غير أن هذه الجهود تصطدم بعدم مرونة الإيرادات الضريبية في كثير من الدول النامية، حيث تعتمد نسبة معتبرة منها على الرسوم المفروضة على الواردات والصادرات، وهي إيرادات تأثرت سلباً في السنوات الأخيرة نتيجة تباطؤ حركة الصادرات، واتجاه الدول إلى استيراد السلع الأساسية منخفضة الرسوم الجمركية. كما أن الطبيعة النوعية للرسوم الجمركية تجعلها أقل تأثراً بارتفاع الأسعار.
وأمام محدودية الموارد، لا تجد حكومات الدول النامية بداً من اللجوء إلى الوسائل المالية لتمويل مشروعات التنمية، لما تحققه من مزايا متعددة، أبرزها التخفيف من حدة التفاوت في الدخول، والحد من الضغوط التضخمية، وتشجيع الأفراد على استثمار مدخراتهم في مشروعات التنمية، إلى جانب كبح الاستهلاك غير المنتج، وتوجيه الاستثمارات بعيداً عن المشروعات غير الأساسية نحو القطاعات التنموية ذات الأولوية.
وتشمل الأدوات المالية التي تعتمدها الدول في هذا الإطار مجموعة من السياسات، من أبرزها فرض الضرائب على الدخل والمبيعات والسلع الاستهلاكية المستوردة، إضافة إلى الضرائب على الأملاك والأرباح. كما تلجأ إلى القروض الداخلية الإجبارية ونظم الادخار الإجباري، ورفع أسعار بعض الخدمات الحكومية، مثل رسوم المحاكم وتعرفة المواصلات، أو أسعار السلع المنتجة في المصانع العامة. وتشمل هذه السياسات أيضاً إعفاء مدخلات مشروعات التنمية من الضرائب، ومنح إعفاءات ضريبية للمصانع التي تعتمد على مواد أولية محلية، إلى جانب تقديم إعانات تصدير لدعم الصناعات الجديدة.
إشكالية تأمين النقد الأجنبي
تكشف بيانات ميزان المدفوعات في الدول النامية عن قاسم مشترك يكاد يكون عاماً، يتمثل في العجز المزمن في توافر النقد الأجنبي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعاني غالبية هذه الدول اختلالاً مستمراً في ميزان مدفوعاتها، تتجلى أبرز مظاهره في الزيادة المتواصلة للواردات من السلع والخدمات مقارنة بحصيلة الصادرات التي تمولها. وقد أدى هذا الاختلال المتفاقم إلى تراجع الاحتياطيات من العملات الأجنبية وارتفاع المديونية الخارجية، بما يعكس قصور الادخار القومي عن توفير الموارد اللازمة لتمويل عملية النمو الاقتصادي.
وأمام هذا الواقع، تجد الدول النامية نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر خارجية لتعويض النقص في النقد الأجنبي، سواء عبر استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة، أو من خلال عقد القروض، أو الحصول على الهبات والمساعدات الدولية.
ولا شك أن تدفق رؤوس الأموال من الدول المتقدمة اقتصادياً يمثل عاملاً مساعداً في تنفيذ مشروعات التنمية في الدول النامية، غير أن الاستثمار الأجنبي يطرح وجهين أساسيين للمسألة. الأول يتعلق بمدى كفاءة توظيف هذه الأموال في مشروعات التنمية بما يحقق أهداف النمو الاقتصادي. أما الوجه الثاني، فيرتبط بقدرة الدول النامية على خلق بيئة جاذبة تضمن استمرار تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وهو ما يتطلب تحقيق توازن دقيق بين مصالح الدول المتلقية للاستثمار، ومصالح الأفراد أو الشركات أو الحكومات التي توفر هذه الموارد المالية.
ويأخذ التمويل الخارجي للتنمية الاقتصادية أشكالاً متعددة، تشمل الاستثمارات المباشرة، والقروض، والمنح، وقد تكون هذه الموارد خاصة أو عامة. ورغم ما تنطوي عليه الاستثمارات المباشرة من مزايا، فإنها غالباً ما تتسم بتعقيد أبعادها الاقتصادية والقانونية، في حين تبدو القروض الدولية أقل تعقيداً من هذه الناحية. وفي المقابل، تتسم رؤوس الأموال الخاصة بالحذر في التوجه نحو الاستثمار في الدول النامية، ولا تقدم على ذلك إلا في ظل ظروف استثنائية، أبرزها ارتفاع معدلات العائد مقارنة بالدول المتقدمة.
كما يعزف المستثمرون الأجانب عن ضخ أموالهم في الدول ذات التوجهات الاشتراكية خشية التعرض لسياسات التأميم وفقدان الأرباح، فضلاً عن أن رؤوس الأموال الخاصة تتجنب البلدان التي تفرض قيوداً مشددة على انتقال الأموال أو تحويل الأرباح إلى الخارج، أو تلك التي تضع سقوفاً صارمة لأرباح المشروعات الأجنبية. ومع ذلك، تظل صناعة النفط استثناءً لافتاً، إذ تنجح في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة نظراً لما تحققه من عوائد مرتفعة.
وبفعل هذه المعوقات، يسود في معظم الدول النامية نهج الاعتماد على القروض والمساعدات والهبات الدولية لتكوين احتياطيات من النقد الأجنبي، تُستخدم في تمويل الواردات من السلع الأساسية اللازمة لتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية.