تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الادخار‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بين‭ ‬توسع‭ ‬الإنتاج‭ ‬وضغوط‭ ‬الاستهلاك

الادخار‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بين‭ ‬توسع‭ ‬الإنتاج‭ ‬وضغوط‭ ‬الاستهلاك

يكتسب‭ ‬كلٌّ‭ ‬من‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬ومعدل‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬أهمية‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬قياس‭ ‬حجم‭ ‬الزيادة‭ ‬المتحققة‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬المخصّصة‭ ‬للادخار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬بلوغ‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معدل‭ ‬الادخار‭ ‬الحدي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬الادخار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬بدوره‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬نمو‭ ‬الناتج‭ ‬الإجمالي‭ ‬معدل‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العام،‭ ‬الذي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬عادة‭ ‬بوصفه‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬الضروري‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لضمان‭ ‬ارتفاع‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬معدل‭ ‬الادخار‭ ‬القومي،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تقترن‭ ‬زيادة‭ ‬الدخل‭ ‬والإنتاج‭ ‬بارتفاع‭ ‬موازٍ‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬ما‭ ‬يفرغ‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬أثره‭ ‬الادخاري‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬مسؤولية‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬للدول‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬السلوك‭ ‬الادخاري،‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬آليات‭ ‬تكوين‭ ‬الادخار‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬الزيادة‭ ‬المنشودة،‭ ‬بدل‭ ‬تركها‭ ‬خاضعة‭ ‬للنزعات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المتصاعدة‭.‬
وتتوزع‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬لتعزيز‭ ‬الادخار‭ ‬على‭ ‬مسارين‭ ‬رئيسيين‭: ‬عام‭ ‬وخاص‭. ‬ففي‭ ‬الإطار‭ ‬العام،‭ ‬تلجأ‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬ملكية‭ ‬الأراضي‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬استئجارها،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الملاك‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الدولة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للفلاحين‭ ‬فرصة‭ ‬ادخار‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬دخولهم‭ ‬واستثماره‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬إنتاجية‭ ‬الأرض‭.‬
أما‭ ‬الإجراءات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الخاص،‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الدولة‭ ‬لمؤسسات‭ ‬الادخار‭ ‬وأدواته،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتشمل‭ ‬بنوك‭ ‬الادخار،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬التأمين،‭ ‬والقروض‭ ‬الحكومية‭ ‬بمختلف‭ ‬أشكالها،‭ ‬وتسهيلات‭ ‬الرهن‭ ‬العقاري،‭ ‬واحتياطيات‭ ‬المعاشات‭. ‬وتهدف‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬إلى‭ ‬تسهيل‭ ‬عملية‭ ‬الادخار‭ ‬لدى‭ ‬الطبقات‭ ‬المتوسطة،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافته‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين،‭ ‬وتحفيز‭ ‬المدخرين‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والانتظام‭.‬
ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬يسود‭ ‬إجماع‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬مستويات‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التفاوت‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬توزيعه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعود‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الدخل‭ ‬القومي،‭ ‬وتباين‭ ‬قرارات‭ ‬الأفراد‭ ‬بشأن‭ ‬الادخار،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ميل‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬زيادات‭ ‬دخولهم‭ ‬النقدية‭ ‬نحو‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يتجه‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬المرتفعة‭ ‬إما‭ ‬إلى‭ ‬اكتناز‭ ‬الأموال‭ ‬أو‭ ‬إنفاقها‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الترفيهية‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬العقارات‭.‬
وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬محدودية‭ ‬مؤسسات‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬إلى‭ ‬ضآلة‭ ‬دخول‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬ما‭ ‬يحصر‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬ضيقة‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخول‭ ‬المرتفعة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬مثل‭ ‬الضرائب‭ ‬التصاعدية‭ ‬والرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬المرتفعة‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬الكمالية،‭ ‬بهدف‭ ‬اقتطاع‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬العالية‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬مدخرات‭ ‬عامة‭ ‬تتولى‭ ‬الدولة‭ ‬استثمارها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬لهذه‭ ‬السياسات‭ ‬آثاراً‭ ‬جانبية،‭ ‬أبرزها‭ ‬إضعاف‭ ‬الادخار‭ ‬الخاص،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬الكبيرة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬إنفاقهم‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬أموالهم‭ ‬نحو‭ ‬الادخار‭.‬
تلجأ‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬ضعف‭ ‬الادخار‭ ‬بفرض‭ ‬ضرائب‭ ‬على‭ ‬الإنفاق،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬توجه‭ ‬أوسع‭ ‬لتوظيف‭ ‬المؤسسات‭ ‬المحلية،‭ ‬مثل‭ ‬البنوك‭ ‬وصناديق‭ ‬التوفير‭ ‬والهيئات‭ ‬العامة،‭ ‬في‭ ‬تجميع‭ ‬مدخرات‭ ‬الأفراد‭ ‬وتوجيهها‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تسعى‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬تحفيز‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخول‭ ‬المرتفعة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬أموالهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬التنمية،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬عوائدها‭ ‬مجزية‭ ‬ويدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬استثمار‭ ‬أرباحهم‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توجيهها‭ ‬للاستهلاك‭.‬
ويُعد‭ ‬توفير‭ ‬الضمانات‭ ‬للمستثمرين‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬السياسات،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬النقدي‭ ‬وتجنب‭ ‬التضخم،‭ ‬لما‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للاستثمارات‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬السندات‭ ‬الحكومية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬لدى‭ ‬المدخرين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضمان‭ ‬الدولة‭ ‬لودائع‭ ‬الأفراد‭ ‬لدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الخاصة‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تُحدث‭ ‬التدابير‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬تحولاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬وسريعاً‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الادخار‭ ‬لدى‭ ‬الأسر،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬لسياسات‭ ‬الدولة‭ ‬تأثيراً‭ ‬تراكمياً‭ ‬مهماً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العوامل‭ ‬الحاسمة‭ ‬التي‭ ‬توجه‭ ‬الادخار‭ ‬تظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمستوى‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الدخل،‭ ‬ومعدلات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نصيب‭ ‬الادخار‭ ‬العائلي‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنتاج‭ ‬العام‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬خلال‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتحديداً‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1950‭ ‬و1959،‭ ‬ويُعزى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬وتقديم‭ ‬الإعانات‭ ‬للسلع‭ ‬الأساسية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬لهذا‭ ‬التراجع‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬المتزايد‭ ‬للعمال‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬الأجراء‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬في‭ ‬دخولهم‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬الاتساع‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتدخلها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬قطاعاتها‭.‬
ويكشف‭ ‬تحليل‭ ‬واقع‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬جهود‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الادخار‭ ‬الداخلي‭ ‬أصبحت‭ ‬وثيقة‭ ‬الارتباط‭ ‬بالسياسات‭ ‬المالية‭ ‬والميزانية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة،‭ ‬بحيث‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬المعيار‭ ‬الأساسي‭ ‬لتقييم‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬مواردها‭ ‬الادخارية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬تصطدم‭ ‬بعدم‭ ‬مرونة‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬نسبة‭ ‬معتبرة‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬والصادرات،‭ ‬وهي‭ ‬إيرادات‭ ‬تأثرت‭ ‬سلباً‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬نتيجة‭ ‬تباطؤ‭ ‬حركة‭ ‬الصادرات،‭ ‬واتجاه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬استيراد‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬منخفضة‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الطبيعة‭ ‬النوعية‭ ‬للرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬تجعلها‭ ‬أقل‭ ‬تأثراً‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأسعار‭.‬
وأمام‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد،‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬حكومات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بداً‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬المالية‭ ‬لتمويل‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬لما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬متعددة،‭ ‬أبرزها‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬الدخول،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬مدخراتهم‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كبح‭ ‬الاستهلاك‭ ‬غير‭ ‬المنتج،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المشروعات‭ ‬غير‭ ‬الأساسية‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬التنموية‭ ‬ذات‭ ‬الأولوية‭.‬
وتشمل‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السياسات،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬فرض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬والمبيعات‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المستوردة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الأملاك‭ ‬والأرباح‭. ‬كما‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬القروض‭ ‬الداخلية‭ ‬الإجبارية‭ ‬ونظم‭ ‬الادخار‭ ‬الإجباري،‭ ‬ورفع‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬الخدمات‭ ‬الحكومية،‭ ‬مثل‭ ‬رسوم‭ ‬المحاكم‭ ‬وتعرفة‭ ‬المواصلات،‭ ‬أو‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬العامة‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬أيضاً‭ ‬إعفاء‭ ‬مدخلات‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬من‭ ‬الضرائب،‭ ‬ومنح‭ ‬إعفاءات‭ ‬ضريبية‭ ‬للمصانع‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مواد‭ ‬أولية‭ ‬محلية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقديم‭ ‬إعانات‭ ‬تصدير‭ ‬لدعم‭ ‬الصناعات‭ ‬الجديدة‭.‬

إشكالية‭ ‬تأمين‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي

تكشف‭ ‬بيانات‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عن‭ ‬قاسم‭ ‬مشترك‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬عاماً،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬العجز‭ ‬المزمن‭ ‬في‭ ‬توافر‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭. ‬فمنذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬تعاني‭ ‬غالبية‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬اختلالاً‭ ‬مستمراً‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬مدفوعاتها،‭ ‬تتجلى‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهره‭ ‬في‭ ‬الزيادة‭ ‬المتواصلة‭ ‬للواردات‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬مقارنة‭ ‬بحصيلة‭ ‬الصادرات‭ ‬التي‭ ‬تمولها‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬المتفاقم‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬من‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬وارتفاع‭ ‬المديونية‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬قصور‭ ‬الادخار‭ ‬القومي‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬الموارد‭ ‬اللازمة‭ ‬لتمويل‭ ‬عملية‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تجد‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬خارجية‭ ‬لتعويض‭ ‬النقص‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬استقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬الخاصة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عقد‭ ‬القروض،‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الهبات‭ ‬والمساعدات‭ ‬الدولية‭.‬
ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬اقتصادياً‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬مساعداً‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬يطرح‭ ‬وجهين‭ ‬أساسيين‭ ‬للمسألة‭. ‬الأول‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬كفاءة‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬أهداف‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬أما‭ ‬الوجه‭ ‬الثاني،‭ ‬فيرتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬جاذبة‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬المتلقية‭ ‬للاستثمار،‭ ‬ومصالح‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬الحكومات‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭.‬
ويأخذ‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة،‭ ‬تشمل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة،‭ ‬والقروض،‭ ‬والمنح،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬خاصة‭ ‬أو‭ ‬عامة‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬مزايا،‭ ‬فإنها‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تتسم‭ ‬بتعقيد‭ ‬أبعادها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والقانونية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبدو‭ ‬القروض‭ ‬الدولية‭ ‬أقل‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الناحية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتسم‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخاصة‭ ‬بالحذر‭ ‬في‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬ولا‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬استثنائية،‭ ‬أبرزها‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬العائد‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدول‭ ‬المتقدمة‭.‬
كما‭ ‬يعزف‭ ‬المستثمرون‭ ‬الأجانب‭ ‬عن‭ ‬ضخ‭ ‬أموالهم‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬التوجهات‭ ‬الاشتراكية‭ ‬خشية‭ ‬التعرض‭ ‬لسياسات‭ ‬التأميم‭ ‬وفقدان‭ ‬الأرباح،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخاصة‭ ‬تتجنب‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تفرض‭ ‬قيوداً‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬الأموال‭ ‬أو‭ ‬تحويل‭ ‬الأرباح‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬سقوفاً‭ ‬صارمة‭ ‬لأرباح‭ ‬المشروعات‭ ‬الأجنبية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬صناعة‭ ‬النفط‭ ‬استثناءً‭ ‬لافتاً،‭ ‬إذ‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬استقطاب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬الخاصة‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭.‬
وبفعل‭ ‬هذه‭ ‬المعوقات،‭ ‬يسود‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬نهج‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬والمساعدات‭ ‬والهبات‭ ‬الدولية‭ ‬لتكوين‭ ‬احتياطيات‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الواردات‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

رجوع لأعلى