تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستثمار‭ ‬المنتج‭ ‬وأثره‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي

HK23

يُعدّ‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الغاية‭ ‬النهائية‭ ‬لكل‭ ‬نشاط‭ ‬إنتاجي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الإنتاج‭ ‬يتطلب،‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬معينة،‭ ‬توجيه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الآلات‭ ‬والمعدات‭ ‬الثقيلة‭ ‬والمرافق‭ ‬الإنتاجية‭ ‬التي‭ ‬تُمكّن‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬سلع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬الاستثمار‭ ‬الرأسمالي،‭ ‬بوصفه‭ ‬توظيفًا‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬للموارد‭ ‬بهدف‭ ‬رفع‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬كمحرك‭ ‬رئيسي‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
لكن‭ ‬الموارد‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬والأرض‭ ‬والخامات،‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬متاحة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬لإنتاج‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬وإذا‭ ‬جرى‭ ‬استهلاك‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُنتج،‭ ‬فلن‭ ‬يتبقى‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لتمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المستقبلية‭. ‬لذلك،‭ ‬يقوم‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التوفير،‭ ‬أي‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬استهلاك‭ ‬آني‭ ‬مقابل‭ ‬تحقيق‭ ‬عائد‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬سواء‭ ‬قام‭ ‬بذلك‭ ‬المستثمر‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬مستعد‭ ‬لتوفير‭ ‬الأموال‭ ‬اللازمة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الادخار‭ ‬عنصرًا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الاستثمار‭.‬
ورغم‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار،‭ ‬فإن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬مشروع‭ ‬استثماري‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬ثروة‭ ‬الأمة‭. ‬فالاستثمار‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تجاوزت‭ ‬المنافع‭ ‬المتحققة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإضافي‭ ‬كلفة‭ ‬الاستثمار‭ ‬نفسه‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬جاءت‭ ‬العوائد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬التكاليف،‭ ‬فإن‭ ‬المشروع‭ ‬يصبح‭ ‬عبئًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الثروة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تنميتها‭. ‬وإذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بنتائج‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بدقة‭ ‬كاملة،‭ ‬فإن‭ ‬حتى‭ ‬المشاريع‭ ‬الواعدة‭ ‬قد‭ ‬تفشل‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭.‬
في‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق،‭ ‬تضطلع‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بمهمة‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬الاستخدامات‭ ‬الأكثر‭ ‬كفاءة‭. ‬وبمفهومها‭ ‬الواسع،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬تداول‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬أسواق‭ ‬العقارات‭ ‬وبيوتات‭ ‬الأعمال‭ ‬وصناديق‭ ‬الإقراض،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البنوك‭ ‬وشركات‭ ‬التأمين‭ ‬وصناديق‭ ‬الاستثمار‭ ‬المشترك‭ ‬وشركات‭ ‬الاستثمار،‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬جميعها‭ ‬أدوارًا‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬حركة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وتدفقه‭.‬
ويلعب‭ ‬المستثمرون‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬حاملي‭ ‬الأسهم‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬المغامر،‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬يضعون‭ ‬أموالهم‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المخاطرة‭. ‬وقد‭ ‬تؤدي‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬غير‭ ‬مجدية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬المخاطرة‭ ‬كليًا‭ ‬يحرم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬فرصة‭ ‬اختبار‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضياع‭ ‬مشاريع‭ ‬تمتلك‭ ‬مقومات‭ ‬النجاح،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى‭.‬
الاستثمار‭ ‬والمخاطرة‮…‬‭ ‬ثمن‭ ‬الابتكار‭ ‬وحدود‭ ‬التدخل

في‭ ‬عالم‭ ‬تحكمه‭ ‬درجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬تبدو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخاطئة‭ ‬كلفة‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منها‭ ‬لفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬ابتكارات‭ ‬ناجحة‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والسلع‭ ‬الجديدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬يثبت‭ ‬افتقارها‭ ‬للجدوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬تصفية‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع،‭ ‬إذ‭ ‬يتوقف‭ ‬المستثمرون‭ ‬عن‭ ‬ضخ‭ ‬أموالهم‭ ‬عندما‭ ‬تتضح‭ ‬لهم‭ ‬خسائرها‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬مجزية‭.‬
ويمتلك‭ ‬المستثمرون‭ ‬الخاصون‭ ‬حافزاً‭ ‬قويًا‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬أفضل‭ ‬المعلومات‭ ‬الممكنة‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬قراراتهم،‭ ‬كما‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬محاسبية‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬يستثمرون‭ ‬فيها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المتابعة‭ ‬المستمرة‭ ‬لأداء‭ ‬المشاريع‭. ‬فالمخاطرة،‭ ‬رغم‭ ‬ضرورتها،‭ ‬لا‭ ‬تُدار‭ ‬بعشوائية،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬الدائم‭ ‬لتقليلها‭ ‬عبر‭ ‬المعلومات‭ ‬والرقابة‭.‬
ومع‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬التغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتنوع‭ ‬المبادرات‭ ‬والكفاءات،‭ ‬تصبح‭ ‬المعلومات‭ ‬اللازمة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬رشيدة‭ ‬بشأن‭ ‬تخصيص‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬لجنة‭ ‬تخطيط‭ ‬صناعي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬وكالة‭ ‬دولية‭ ‬على‭ ‬استيعابها‭ ‬بالكامل‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬خاص‭ ‬يعمل‭ ‬بآليات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬توجيه‭ ‬صناديق‭ ‬الاستثمار،‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الحالات،‭ ‬نحو‭ ‬المشاريع‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الثروة‭.‬
وعندما‭ ‬تتولى‭ ‬الدول،‭ ‬لا‭ ‬الأسواق،‭ ‬توجيه‭ ‬صناديق‭ ‬الاستثمار،‭ ‬تدخل‭ ‬عوامل‭ ‬مختلفة‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬التأثير،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تطغى‭ ‬فيها‭ ‬الاعتبارات‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬الحسابات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وتقدم‭ ‬تجربة‭ ‬دول‭ ‬شرق‭ ‬أوروبا‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق‭ ‬مثالًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1950‭ ‬و1990،‭ ‬سجلت‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭ ‬معدلات‭ ‬استثمار‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأعلى‭ ‬عالميًا،‭ ‬إذ‭ ‬خصص‭ ‬المخططون‭ ‬المركزيون‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬الناتج‭ ‬القومي‭ ‬لمشاريع‭ ‬استثمارية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تنعكس‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬المرتفعة‭ ‬تحسنًا‭ ‬ملموسًا‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة،‭ ‬لأن‭ ‬قرارات‭ ‬التمويل‭ ‬كانت‭ ‬تُتخذ‭ ‬بدوافع‭ ‬سياسية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬الموارد‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬غير‭ ‬عملية‭ ‬أو‭ ‬استعراضية‭ ‬هدفها‭ ‬تعزيز‭ ‬الوجاهة‭ ‬والسمعة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وتسهم‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تشويه‭ ‬عمل‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬تُثبت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬منخفضة‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭. ‬فخفض‭ ‬العوائد‭ ‬على‭ ‬المدخرات‭ ‬يضعف‭ ‬الحافز‭ ‬على‭ ‬الادخار،‭ ‬ويؤدي‭ ‬بالتالي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الأموال‭ ‬المتاحة‭ ‬للاستثمار‭. ‬وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬تعقيدًا‭ ‬عندما‭ ‬يترافق‭ ‬سقف‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬مع‭ ‬سياسة‭ ‬مالية‭ ‬تضخمية،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬أي‭ ‬المعدلة‭ ‬وفق‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬متدنية‭ ‬للغاية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬سلبية‭.‬
وفي‭ ‬حال‭ ‬كانت‭ ‬الفائدة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬الدول‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬معدل‭ ‬التضخم،‭ ‬تتآكل‭ ‬ثروة‭ ‬المدخرين‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬إذ‭ ‬تفقد‭ ‬مدخراتهم‭ ‬وعوائدها‭ ‬قدرتها‭ ‬الشرائية‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬يضعف‭ ‬الحافز‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬وتنشيط‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المحلي،‭ ‬لتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«هروب‭ ‬رأس‭ ‬المال‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يبحث‭ ‬المدخرون‭ ‬المحليون‭ ‬عن‭ ‬عوائد‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬فيما‭ ‬يعزف‭ ‬المستثمرون‭ ‬الأجانب‭ ‬عن‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭.‬

أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬والتضخم‮…‬‭ ‬دروس‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬فاشلة

خلال‭ ‬فترات‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬عقدي‭ ‬الثمانينيات‭ ‬والتسعينيات،‭ ‬لجأت‭ ‬دول‭ ‬عدة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الأرجنتين‭ ‬وزامبيا‭ ‬والصومال‭ ‬وأوغندا‭ ‬وسيراليون‭ ‬والإكوادور‭ ‬وغانا‭ ‬وتنزانيا،‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬المحلية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬مالية‭ ‬تضخمية‭. ‬وأسفرت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬سلبية‭ ‬واضحة،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬أي‭ ‬المعدلة‭ ‬وفق‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬سالبة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بدوره‭ ‬ضعيفًا‭ ‬أو‭ ‬سالباً‭.‬
وبوجه‭ ‬عام،‭ ‬تُظهر‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تدخر‭ ‬أكثر‭ ‬وتوجه‭ ‬استثماراتها‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬إنتاجية‭ ‬تحقق،‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل،‭ ‬دخولًا‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬ضعفًا‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭. ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬واضحة‭ ‬ومصانة،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬التنافسية‭ ‬تقود‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬والمبادرات‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬المشاريع‭ ‬الأكثر‭ ‬ربحية‭ ‬والأقدر‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الثروة،‭ ‬لتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬الطبيعية‭ ‬ارتفاع‭ ‬المداخيل‭ ‬وتحسن‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭. ‬وعلى‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تقيد‭ ‬حركة‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وتفرض‭ ‬تسعيرًا‭ ‬إداريًا‭ ‬للفائدة،‭ ‬وتوجه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بدوافع‭ ‬سياسية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬تضعف‭ ‬كفاءة‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬ويدفع‭ ‬مواطنوها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ثمن‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭.‬

الاستقرار‭ ‬المالي‮…‬‭ ‬أساس‭ ‬عمل‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق

يُعد‭ ‬المال،‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬وسيلة‭ ‬للتبادل،‭ ‬إذ‭ ‬يخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬مقياس‭ ‬موحد‭ ‬تُقاس‭ ‬به‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭. ‬كما‭ ‬يتيح‭ ‬إنجاز‭ ‬المبادلات‭ ‬المعقدة،‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬المنازل‭ ‬أو‭ ‬السيارات،‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬مدفوعاتها‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬وسيلة‭ ‬لادخار‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يؤدي‭ ‬المال‭ ‬دور‭ ‬وحدة‭ ‬المحاسبة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬احتساب‭ ‬التكاليف‭ ‬والعوائد‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬الإيجابي‭ ‬للمال‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يرتبط‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬باستقرار‭ ‬قيمته‭. ‬فالمال‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬يشبه‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التواصل؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬تفاهم‭ ‬فعال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معانٍ‭ ‬واضحة‭ ‬ومستقرة‭. ‬وبالمثل،‭ ‬إذا‭ ‬فقد‭ ‬المال‭ ‬استقراره،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬المقترضين‭ ‬والدائنين‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬القروض،‭ ‬وتزداد‭ ‬مخاطر‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬قيمة‭ ‬النقد،‭ ‬تتراجع‭ ‬فرص‭ ‬إتمام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المبادلات‭ ‬المجزية،‭ ‬وتتقلص‭ ‬المكاسب‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التخصص‭ ‬والإنتاج‭ ‬الواسع‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ولا‭ ‬يكتنف‭ ‬الغموض‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬فقيمة‭ ‬المال،‭ ‬كسائر‭ ‬السلع،‭ ‬تتحدد‭ ‬وفق‭ ‬آليات‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭. ‬وعندما‭ ‬يكون‭ ‬حجم‭ ‬النقد‭ ‬المتداول‭ ‬ثابتًا‭ ‬أو‭ ‬ينمو‭ ‬بوتيرة‭ ‬بطيئة‭ ‬ومستقرة،‭ ‬تميل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬توسع‭ ‬المعروض‭ ‬النقدي‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬نمو‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬فإن‭ ‬قيمة‭ ‬النقد‭ ‬تتراجع‭ ‬وترتفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالتضخم‭. ‬ويحدث‭ ‬ذلك‭ ‬غالبًا‭ ‬عندما‭ ‬تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬طباعة‭ ‬النقود‭ ‬أو‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬لتمويل‭ ‬نفقاتها‭ ‬والتزاماتها،‭ ‬بما‭ ‬يترك‭ ‬آثارًا‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأسواق‭.‬

رجوع لأعلى