الاستثمار المنتج وأثره في الاستقرار الاقتصادي
يُعدّ الاستهلاك الغاية النهائية لكل نشاط إنتاجي، غير أن توسيع قاعدة الإنتاج يتطلب، في مراحل معينة، توجيه جزء من الموارد إلى بناء الآلات والمعدات الثقيلة والمرافق الإنتاجية التي تُمكّن من توفير سلع الاستهلاك في المستقبل. ومن هنا يبرز الاستثمار الرأسمالي، بوصفه توظيفًا طويل الأجل للموارد بهدف رفع الطاقة الإنتاجية، كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
لكن الموارد المستخدمة في إنتاج السلع الاستثمارية، مثل العمل والأرض والخامات، لا تكون متاحة في الوقت ذاته لإنتاج السلع الاستهلاكية. وإذا جرى استهلاك كل ما يُنتج، فلن يتبقى ما يكفي لتمويل الاستثمارات المستقبلية. لذلك، يقوم الاستثمار في جوهره على مبدأ التوفير، أي التخلي عن استهلاك آني مقابل تحقيق عائد أكبر في المدى البعيد، سواء قام بذلك المستثمر نفسه أو طرف آخر مستعد لتوفير الأموال اللازمة، ما يجعل الادخار عنصرًا لا غنى عنه في عملية الاستثمار.
ورغم أهمية الاستثمار، فإن ليس كل مشروع استثماري قادرًا على زيادة ثروة الأمة. فالاستثمار لا يحقق قيمة مضافة حقيقية إلا إذا تجاوزت المنافع المتحققة من الإنتاج الإضافي كلفة الاستثمار نفسه. أما إذا جاءت العوائد أقل من التكاليف، فإن المشروع يصبح عبئًا اقتصاديًا ويؤدي إلى تآكل الثروة بدلًا من تنميتها. وإذ لا يمكن التنبؤ بنتائج الاستثمارات بدقة كاملة، فإن حتى المشاريع الواعدة قد تفشل أحيانًا في تحقيق الأهداف المرجوة.
في اقتصادات السوق، تضطلع أسواق رأس المال بمهمة توجيه الموارد نحو الاستخدامات الأكثر كفاءة. وبمفهومها الواسع، لا تقتصر هذه الأسواق على تداول الأسهم والسندات، بل تشمل أيضًا أسواق العقارات وبيوتات الأعمال وصناديق الإقراض، إلى جانب البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار المشترك وشركات الاستثمار، التي تؤدي جميعها أدوارًا محورية في تنظيم حركة رأس المال وتدفقه.
ويلعب المستثمرون من القطاع الخاص، من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى حاملي الأسهم ورأس المال المغامر، دورًا أساسيًا في هذا السياق، إذ يضعون أموالهم في مشاريع تنطوي على قدر من المخاطرة. وقد تؤدي بعض هذه القرارات إلى استثمارات غير مجدية، غير أن العزوف عن المخاطرة كليًا يحرم الاقتصاد من فرصة اختبار أفكار جديدة، ويؤدي إلى ضياع مشاريع تمتلك مقومات النجاح، حتى وإن بدت محفوفة بالمخاطر في مراحلها الأولى.
الاستثمار والمخاطرة… ثمن الابتكار وحدود التدخل
في عالم تحكمه درجة عالية من عدم اليقين، تبدو الاستثمارات الخاطئة كلفة لا مفر منها لفتح الطريق أمام ابتكارات ناجحة في التكنولوجيا والسلع الجديدة. غير أن المشاريع التي يثبت افتقارها للجدوى الاقتصادية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وهنا يأتي دور سوق رأس المال، الذي يعمل مع مرور الوقت على تصفية هذه المشاريع، إذ يتوقف المستثمرون عن ضخ أموالهم عندما تتضح لهم خسائرها وعدم قدرتها على تحقيق عوائد مجزية.
ويمتلك المستثمرون الخاصون حافزاً قويًا للبحث عن أفضل المعلومات الممكنة قبل اتخاذ قراراتهم، كما يحرصون على الحصول على بيانات محاسبية دقيقة من الشركات التي يستثمرون فيها، إلى جانب المتابعة المستمرة لأداء المشاريع. فالمخاطرة، رغم ضرورتها، لا تُدار بعشوائية، بل تقوم على السعي الدائم لتقليلها عبر المعلومات والرقابة.
ومع تسارع وتيرة التغيرات الاقتصادية وتنوع المبادرات والكفاءات، تصبح المعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات رشيدة بشأن تخصيص رأس المال أكبر من قدرة أي فرد أو لجنة تخطيط صناعي أو حتى وكالة دولية على استيعابها بالكامل. ومن دون سوق رأس مال خاص يعمل بآليات العرض والطلب، يصبح من الصعب توجيه صناديق الاستثمار، في جميع الحالات، نحو المشاريع القادرة على خلق الثروة.
وعندما تتولى الدول، لا الأسواق، توجيه صناديق الاستثمار، تدخل عوامل مختلفة إلى دائرة التأثير، كثيرًا ما تطغى فيها الاعتبارات السياسية على الحسابات الاقتصادية. وتقدم تجربة دول شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي السابق مثالًا واضحًا على ذلك؛ فعلى مدى أربعة عقود، بين عامي 1950 و1990، سجلت تلك البلدان معدلات استثمار من بين الأعلى عالميًا، إذ خصص المخططون المركزيون نحو ثلث الناتج القومي لمشاريع استثمارية. ومع ذلك، لم تنعكس هذه المستويات المرتفعة تحسنًا ملموسًا في مستوى المعيشة، لأن قرارات التمويل كانت تُتخذ بدوافع سياسية، ما أدى في كثير من الأحيان إلى هدر الموارد على مشاريع غير عملية أو استعراضية هدفها تعزيز الوجاهة والسمعة أكثر من تحقيق الجدوى الاقتصادية.
وتسهم السياسات النقدية أيضًا في تشويه عمل أسواق رأس المال، ولا سيما عندما تُثبت أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة بشكل عشوائي. فخفض العوائد على المدخرات يضعف الحافز على الادخار، ويؤدي بالتالي إلى تراجع الأموال المتاحة للاستثمار. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يترافق سقف أسعار الفائدة مع سياسة مالية تضخمية، إذ تصبح أسعار الفائدة الحقيقية، أي المعدلة وفق معدلات التضخم، متدنية للغاية أو حتى سلبية.
وفي حال كانت الفائدة التي تفرضها الدول أقل من معدل التضخم، تتآكل ثروة المدخرين تدريجيًا، إذ تفقد مدخراتهم وعوائدها قدرتها الشرائية بمرور الوقت. وفي ظل هذه الظروف، يضعف الحافز على الادخار وتنشيط سوق رأس المال المحلي، لتكون النتيجة ما يُعرف بـ«هروب رأس المال»، حيث يبحث المدخرون المحليون عن عوائد أعلى في الخارج، فيما يعزف المستثمرون الأجانب عن الدخول إلى هذه الأسواق.
أسعار الفائدة والتضخم… دروس من تجارب فاشلة
خلال فترات متكررة من عقدي الثمانينيات والتسعينيات، لجأت دول عدة، من بينها الأرجنتين وزامبيا والصومال وأوغندا وسيراليون والإكوادور وغانا وتنزانيا، إلى فرض قيود على أسعار الفائدة المحلية، بالتوازي مع تبني سياسات مالية تضخمية. وأسفرت هذه السياسات عن نتائج سلبية واضحة، إذ أصبحت أسعار الفائدة الحقيقية، أي المعدلة وفق معدلات التضخم، سالبة في كثير من الحالات، كما جاء النمو الاقتصادي بدوره ضعيفًا أو سالباً.
وبوجه عام، تُظهر التجارب أن الدول التي تدخر أكثر وتوجه استثماراتها نحو مشاريع إنتاجية تحقق، على المدى المتوسط والطويل، دخولًا أعلى من تلك التي تعاني ضعفًا في الاستثمار. وعندما تكون حقوق الملكية واضحة ومصانة، فإن الأسواق التنافسية تقود رواد الأعمال والمبادرات الفردية إلى المشاريع الأكثر ربحية والأقدر على تعظيم الثروة، لتكون النتيجة الطبيعية ارتفاع المداخيل وتحسن مستويات المعيشة. وعلى العكس من ذلك، فإن الدول التي تقيد حركة رأس المال، وتفرض تسعيرًا إداريًا للفائدة، وتوجه الاستثمارات بدوافع سياسية بدلًا من اعتبارات اقتصادية، تضعف كفاءة سوق رأس المال، ويدفع مواطنوها في النهاية ثمن هذه الاختلالات.
الاستقرار المالي… أساس عمل اقتصاد السوق
يُعد المال، في المقام الأول، وسيلة للتبادل، إذ يخفض تكاليف المعاملات من خلال توفير مقياس موحد تُقاس به السلع والخدمات. كما يتيح إنجاز المبادلات المعقدة، مثل شراء المنازل أو السيارات، التي تمتد مدفوعاتها على فترات زمنية طويلة، فضلًا عن كونه وسيلة لادخار القوة الشرائية لاستخدامها في المستقبل. وإلى جانب ذلك، يؤدي المال دور وحدة المحاسبة، بما يعزز القدرة على احتساب التكاليف والعوائد عبر الزمن.
غير أن الدور الإيجابي للمال في الاقتصاد يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار قيمته. فالمال بالنسبة للاقتصاد يشبه اللغة في عملية التواصل؛ إذ لا يمكن تحقيق تفاهم فعال من دون معانٍ واضحة ومستقرة. وبالمثل، إذا فقد المال استقراره، يصبح من الصعب على المقترضين والدائنين الاتفاق على شروط القروض، وتزداد مخاطر الادخار والاستثمار، ولا سيما في المعاملات طويلة الأجل. وفي ظل عدم استقرار قيمة النقد، تتراجع فرص إتمام العديد من المبادلات المجزية، وتتقلص المكاسب الناتجة عن التخصص والإنتاج الواسع والتعاون الاقتصادي.
ولا يكتنف الغموض أسباب عدم الاستقرار المالي، فقيمة المال، كسائر السلع، تتحدد وفق آليات العرض والطلب. وعندما يكون حجم النقد المتداول ثابتًا أو ينمو بوتيرة بطيئة ومستقرة، تميل القوة الشرائية إلى الاستقرار. أما إذا توسع المعروض النقدي بسرعة تفوق نمو السلع والخدمات، فإن قيمة النقد تتراجع وترتفع الأسعار، وهو ما يُعرف بالتضخم. ويحدث ذلك غالبًا عندما تلجأ الدول إلى طباعة النقود أو الاقتراض من البنوك المركزية لتمويل نفقاتها والتزاماتها، بما يترك آثارًا مباشرة على الاستقرار الاقتصادي وكفاءة الأسواق.