الاستراتيجية والحوكمة في ميزان الاستدامة المؤسسية
لا تكتفي الشركة باتخاذ القرارات الاستراتيجية وتنفيذها، بل تعتمد بصورة متزايدة على بناء منظومة إدارية وتشغيلية قادرة على متابعة الأداء وقياسه بصورة مستمرة في ضوء الأهداف المرسومة والمقاصد العامة. وفي حالة شركات العائلات، تكتسب هذه العملية بعداً أكثر تعقيدًا، نظرًا لاختلاف أهدافها وبنيتها التنظيمية وطبيعة علاقاتها الداخلية عن تلك السائدة في الشركات غير العائلية، ما يجعل أدوات التقويم والضبط فيها بحاجة إلى مقاربة مغايرة تراعي هذا التداخل الخاص.
ويقترح عدد من الباحثين في هذا السياق مبدأً أساسياً يتمثل في الفصل الوظيفي بين العائلة والشركة، بما يسمح بتطبيق أنظمة رقابة وتقييم مماثلة لتلك المعتمدة في المؤسسات غير العائلية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خصوصية الروابط الأسرية وعدم امتدادها إلى مسارات القرار الإداري اليومي.
ورغم أن الأدبيات الحديثة تقرّ بوجود تداخل طبيعي بين نظام العائلة ونظام الشركة، فإنها لا تزال تفتقر إلى توضيح دقيق لطبيعة العلاقة التبادلية بين الطرفين، وما يقدمه كل منهما للآخر، وما يستمده منه أثناء السعي إلى تلبية حاجاته وتحقيق أهدافه.
وتبرز في هذا الإطار إشكالية نقص البيانات والمعلومات حول قضايا إدارية حساسة، من بينها التساؤل عما إذا كانت هناك فروق جوهرية في أساليب التقويم والضبط الاستراتيجي بين شركات العائلات ذات الأداء المرتفع وتلك ذات الأداء المنخفض، وما إذا كانت أنظمتها متباينة أو متقاربة، وما مدى دلالة هذه الفروق إن وُجدت. كما يثار التساؤل حول دور أفراد العائلة في تصميم أنظمة الرقابة والتقييم، وكيفية تأثيرهم في توجيهها وصياغة معاييرها بما ينسجم مع البعد الأسري والبعد المؤسسي في آن واحد.
التخطيط الاستراتيجي
لشركات العائلات
يركز التخطيط التقليدي في شركات العائلات تاريخياً على محورين رئيسيين: تنظيم الشؤون الداخلية للشركة، وضمان انتقال المسؤولية الإدارية والملكية إلى الجيل الوريث بسلاسة واستقرار. غير أن هذا الإطار الضيق لم يعد كافيًا لمواجهة متطلبات المرحلة المعاصرة وما تفرضه من تحديات تنافسية وتحولات في الأسواق وأساليب الإدارة.
فالعائلة المالكة للشركة لا تنظر إلى المؤسسة بوصفها أداة لتحقيق العائد الاقتصادي فحسب، بل تراها امتدادًا لهويتها وتعبيراً عن قيمها ودوافعها، وتسعى إلى أن تتحول مع مرور الوقت إلى إرث مؤسسي يعكس تاريخها ويجسد حضورها الاجتماعي والاقتصادي عبر الأجيال.
وبهذا المعنى، يتجه التخطيط الاستراتيجي الحديث في شركات العائلات إلى تجاوز البعدين التقليديين، ليشمل بناء رؤية طويلة المدى توازن بين متطلبات الاستدامة الاقتصادية والمحافظة على التماسك الأسري، وتؤسس لإطار حوكمة يضمن وضوح الأدوار، وشفافية القرار، واستمرارية الأداء المؤسسي بمعزل عن تقلبات العلاقات العائلية.
من هنا، يبرز التخطيط الاستراتيجي بوصفه أداة محورية تساعد على ترسيخ رؤية طويلة المدى لاستثمار قدرات الشركة والتقاط فرص السوق المتاحة. فالنماذج التقليدية التي وُضعت في السابق صُممت لتتمحور حول احتياجات الشركة التشغيلية وحدها، من دون الالتفات إلى التحديات الخاصة التي تفرضها طبيعة العائلة المالكة، والتي تمنح شركة العائلة خصوصيتها وتفرّدها المؤسسي.
أما اليوم، فتتجه المقاربات الحديثة إلى تبنّي منظور أوسع للتخطيط الاستراتيجي، يقوم على إطار تحليلي مختلف يتيح النظر إلى الشركة باعتبارها كيانًا مركبًا، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والإدارية مع الأبعاد الاجتماعية والأسرية، بما يفرض إعادة صياغة آليات التخطيط وأدواته بما يواكب هذا التعقيد.
نموذج التطوير ثلاثي الأبعاد
تستند أقوى نماذج تطوير شركات العائلات إلى فكرة تداخل الدوائر التنظيمية بوصفها مدخلاً لفهم البنية الداخلية للشركة. ففي النموذج الأولي القائم على دائرتين متداخلتين، تُفهم شركة العائلة على أنها نتاج تفاعل نظامين رئيسيين هما: نظام العائلة ونظام الشركة، بحيث تمثل كل دائرة أحد هذين النظامين بما يحمله من معايير للعضوية وقواعد تنظيمية وأدوار وظيفية مختلفة.
وفي هذا الإطار، يؤدي المؤسس المالك دوراً مزدوجاً، يجمع بين موقعه الأبوي داخل الأسرة، ومسؤوليته الإدارية بوصفه قائدًا مؤسسيًا، فيما يُنتظر من الشركة أن تعمل وفق أسس مهنية راسخة تضمن كفاءتها واستدامتها، وفي الوقت ذاته أن تستجيب لبعض متطلبات الأسرة، مثل توفير فرص العمل للأبناء، ودعم حاجتهم إلى بناء الهوية المهنية وتحقيق الاستقلال المالي.
ومع تطور البحث العلمي في هذا المجال خلال ثمانينات القرن الماضي، برزت الحاجة إلى نموذج أكثر دقة يميز بين الملكية والإدارة كنظامين فرعيين داخل إطار الشركة، بعدما اتضح أن هناك مالكين لا يشاركون في الإدارة، في مقابل إداريين لا يمتلكون أي حصة في رأس المال. ومن هنا، ظهر نموذج «الدوائر الثلاث» بوصفه استجابة تحليلية لهذه التركيبة المعقدة.
ويمثل هذا النموذج شركة العائلة باعتبارها تفاعلاً بين ثلاثة أنظمة مستقلة ومتداخلة في آن واحد: نظام الشركة، ونظام الملكية، ونظام العائلة. ويمكن إسقاط هذا الإطار على أي شركة عائلية في لحظة زمنية معينة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في عامل الزمن وما يفرضه من تحولات مستمرة.
فمع مرور الوقت، تتغير ملامح الشركة، وتتبدل تركيبة العائلة، ويعاد توزيع الملكية بين الأجيال، كما ينتقل الأفراد بين أدوار مختلفة داخل هذه الدوائر. فقد ينتقل الفرد من كونه عضوًا في العائلة فقط، إلى الجمع بين صفة القريب والعامل في الشركة، أو من موظف إلى مالك مشارك في رأس المال. وكل انتقال من هذا النوع يولد بالضرورة ردود فعل وتوازنات جديدة داخل كل نظام من الأنظمة الثلاثة، بما يعيد تشكيل مسارات القرار والعلاقات التنظيمية داخل الشركة العائلية.
نموذج مراحل التطوير الثلاث
تتشابك حاجات الشركة وحاجات العائلة في إطار واحد، إذ يضطلع المالك المدير بدور مركزي في صناعة القرار وتوجيه المسار العام للمؤسسة. وتشير الدراسات إلى أن دوافع المؤسس وسماته الشخصية تشكل مؤشرًا مهمًا لفهم طبيعة أهداف العمل العائلي وتوجهاته الاستراتيجية. غير أن معظم الكتابات في أدبيات الأعمال تميل إلى التركيز على المراحل الأولى من عمر الشركات، بينما تنصب الدراسات المتعلقة بشركات العائلات على المراحل المتقدمة، ولا سيما الفترات التي تسبق انتقال المسؤولية إلى الجيل الوريث.
وفي هذا السياق، يظل المالك المدير ممسكًا بزمام القيادة، في وقت تكتسب فيه عملية نمو الأبناء وتطورهم أولوية قصوى داخل العائلة، بما قد يقود إلى إعادة صياغة الأهداف العائلية لتعكس السعي إلى تأمين مستقبل مهني مستقر ومسار آمن للأجيال القادمة.
ومع تعاقب المراحل، قد تدخل حاجات العائلة في دائرة التنازع، وتواجه الشركة مظاهر من الركود أو الجمود، ما يفرض الحاجة إلى ضخ روح جديدة في الأداء المؤسسي. وقد يصل المالك المدير إلى مرحلة من الإرهاق أو التفكير في التقاعد، فتتحول أولوية العائلة إلى الحفاظ على التماسك الداخلي، في حين تتأثر أهداف الشركة بضغوط هذه المتطلبات أو بالرغبة في إحداث نقلة نوعية في أدائها الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، تسعى شركة العائلة إلى أن تكون بيئة عمل يشعر فيها العامل بالرضا والإنتاجية والاعتزاز بالانتماء، وأن تحقق في الوقت ذاته أمانًا ماليًا ومصلحة مستدامة لمالكيها، مع القدرة على تقديم منتجات مبتكرة وخدمات نوعية. كما تهدف إلى أن تكون منصة للنمو الشخصي والاجتماعي، ومجالًا لتعزيز الاستقلالية، والمساهمة في بناء مواطنين متعاونين وفاعلين في محيطهم، إلى جانب ترسيخ مفهوم الأمان الوظيفي على المدى الطويل.
نظرة فاحصة إلى نموذج مراحل التطوير الثلاث
على الرغم من القيمة التحليلية التي يقدمها هذا النموذج في تتبع دورة حياة شركة العائلة وأنماط النزاع والمخاطر المحتملة في كل مرحلة، فإنه يواجه عدداً من أوجه القصور. إذ يركز بصورة أساسية على توصيف المراحل والحاجات الفردية للعائلة، من دون أن يوضح بصورة كافية القوى المحركة التي تقف وراء عملية التخطيط الاستراتيجي الحيوي داخل الشركات العائلية.
كما لا يحدد النموذج الإطار الزمني اللازم لعملية التخطيط لكل من العائلة والشركة، ولا يبين ما إذا كان المساران يعملان بشكل متوازٍ أو منفصل. ويضاف إلى ذلك أنه لا يعرض بوضوح البنية التنظيمية الداخلية للعائلة، مثل مجالس العائلة، أو الدور الذي يؤديه «دستور العائلة» في بناء منظومة الحوكمة وصياغة الأطر التنظيمية التي تستند إليها عملية التخطيط الاستراتيجي داخل شركات العائلات.