تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستراتيجية‭ ‬والحوكمة‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬الاستدامة‭ ‬المؤسسية

RD31

لا‭ ‬تكتفي‭ ‬الشركة‭ ‬باتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وتنفيذها،‭ ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬إدارية‭ ‬وتشغيلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬الأداء‭ ‬وقياسه‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الأهداف‭ ‬المرسومة‭ ‬والمقاصد‭ ‬العامة‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬شركات‭ ‬العائلات،‭ ‬تكتسب‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بعداً‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬نظرًا‭ ‬لاختلاف‭ ‬أهدافها‭ ‬وبنيتها‭ ‬التنظيمية‭ ‬وطبيعة‭ ‬علاقاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬غير‭ ‬العائلية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أدوات‭ ‬التقويم‭ ‬والضبط‭ ‬فيها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬مغايرة‭ ‬تراعي‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬الخاص‭.‬
ويقترح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مبدأً‭ ‬أساسياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الوظيفي‭ ‬بين‭ ‬العائلة‭ ‬والشركة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتطبيق‭ ‬أنظمة‭ ‬رقابة‭ ‬وتقييم‭ ‬مماثلة‭ ‬لتلك‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬غير‭ ‬العائلية،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية‭ ‬وعدم‭ ‬امتدادها‭ ‬إلى‭ ‬مسارات‭ ‬القرار‭ ‬الإداري‭ ‬اليومي‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة‭ ‬تقرّ‭ ‬بوجود‭ ‬تداخل‭ ‬طبيعي‭ ‬بين‭ ‬نظام‭ ‬العائلة‭ ‬ونظام‭ ‬الشركة،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬دقيق‭ ‬لطبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬التبادلية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬وما‭ ‬يقدمه‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬للآخر،‭ ‬وما‭ ‬يستمده‭ ‬منه‭ ‬أثناء‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تلبية‭ ‬حاجاته‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهدافه‭.‬
وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬إشكالية‭ ‬نقص‭ ‬البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬إدارية‭ ‬حساسة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التساؤل‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فروق‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التقويم‭ ‬والضبط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬شركات‭ ‬العائلات‭ ‬ذات‭ ‬الأداء‭ ‬المرتفع‭ ‬وتلك‭ ‬ذات‭ ‬الأداء‭ ‬المنخفض،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬أنظمتها‭ ‬متباينة‭ ‬أو‭ ‬متقاربة،‭ ‬وما‭ ‬مدى‭ ‬دلالة‭ ‬هذه‭ ‬الفروق‭ ‬إن‭ ‬وُجدت‭. ‬كما‭ ‬يثار‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬والتقييم،‭ ‬وكيفية‭ ‬تأثيرهم‭ ‬في‭ ‬توجيهها‭ ‬وصياغة‭ ‬معاييرها‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬البعد‭ ‬الأسري‭ ‬والبعد‭ ‬المؤسسي‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬
لشركات‭ ‬العائلات

يركز‭ ‬التخطيط‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬العائلات‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬محورين‭ ‬رئيسيين‭: ‬تنظيم‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للشركة،‭ ‬وضمان‭ ‬انتقال‭ ‬المسؤولية‭ ‬الإدارية‭ ‬والملكية‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬الوريث‭ ‬بسلاسة‭ ‬واستقرار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الضيق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافيًا‭ ‬لمواجهة‭ ‬متطلبات‭ ‬المرحلة‭ ‬المعاصرة‭ ‬وما‭ ‬تفرضه‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬تنافسية‭ ‬وتحولات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وأساليب‭ ‬الإدارة‭.‬
فالعائلة‭ ‬المالكة‭ ‬للشركة‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬لتحقيق‭ ‬العائد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تراها‭ ‬امتدادًا‭ ‬لهويتها‭ ‬وتعبيراً‭ ‬عن‭ ‬قيمها‭ ‬ودوافعها،‭ ‬وتسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬مؤسسي‭ ‬يعكس‭ ‬تاريخها‭ ‬ويجسد‭ ‬حضورها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬
وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يتجه‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬شركات‭ ‬العائلات‭ ‬إلى‭ ‬تجاوز‭ ‬البعدين‭ ‬التقليديين،‭ ‬ليشمل‭ ‬بناء‭ ‬رؤية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الاستدامة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الأسري،‭ ‬وتؤسس‭ ‬لإطار‭ ‬حوكمة‭ ‬يضمن‭ ‬وضوح‭ ‬الأدوار،‭ ‬وشفافية‭ ‬القرار،‭ ‬واستمرارية‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬تقلبات‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية‭.‬
من‭ ‬هنا،‭ ‬يبرز‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬محورية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬رؤية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬لاستثمار‭ ‬قدرات‭ ‬الشركة‭ ‬والتقاط‭ ‬فرص‭ ‬السوق‭ ‬المتاحة‭. ‬فالنماذج‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬صُممت‭ ‬لتتمحور‭ ‬حول‭ ‬احتياجات‭ ‬الشركة‭ ‬التشغيلية‭ ‬وحدها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬التحديات‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة،‭ ‬والتي‭ ‬تمنح‭ ‬شركة‭ ‬العائلة‭ ‬خصوصيتها‭ ‬وتفرّدها‭ ‬المؤسسي‭.‬
أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتتجه‭ ‬المقاربات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬منظور‭ ‬أوسع‭ ‬للتخطيط‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إطار‭ ‬تحليلي‭ ‬مختلف‭ ‬يتيح‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الشركة‭ ‬باعتبارها‭ ‬كيانًا‭ ‬مركبًا،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإدارية‭ ‬مع‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأسرية،‭ ‬بما‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬آليات‭ ‬التخطيط‭ ‬وأدواته‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭.‬

نموذج‭ ‬التطوير‭ ‬ثلاثي‭ ‬الأبعاد

تستند‭ ‬أقوى‭ ‬نماذج‭ ‬تطوير‭ ‬شركات‭ ‬العائلات‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬تداخل‭ ‬الدوائر‭ ‬التنظيمية‭ ‬بوصفها‭ ‬مدخلاً‭ ‬لفهم‭ ‬البنية‭ ‬الداخلية‭ ‬للشركة‭. ‬ففي‭ ‬النموذج‭ ‬الأولي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬دائرتين‭ ‬متداخلتين،‭ ‬تُفهم‭ ‬شركة‭ ‬العائلة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬نتاج‭ ‬تفاعل‭ ‬نظامين‭ ‬رئيسيين‭ ‬هما‭: ‬نظام‭ ‬العائلة‭ ‬ونظام‭ ‬الشركة،‭ ‬بحيث‭ ‬تمثل‭ ‬كل‭ ‬دائرة‭ ‬أحد‭ ‬هذين‭ ‬النظامين‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬معايير‭ ‬للعضوية‭ ‬وقواعد‭ ‬تنظيمية‭ ‬وأدوار‭ ‬وظيفية‭ ‬مختلفة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يؤدي‭ ‬المؤسس‭ ‬المالك‭ ‬دوراً‭ ‬مزدوجاً،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬موقعه‭ ‬الأبوي‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬ومسؤوليته‭ ‬الإدارية‭ ‬بوصفه‭ ‬قائدًا‭ ‬مؤسسيًا،‭ ‬فيما‭ ‬يُنتظر‭ ‬من‭ ‬الشركة‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬أسس‭ ‬مهنية‭ ‬راسخة‭ ‬تضمن‭ ‬كفاءتها‭ ‬واستدامتها،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬تستجيب‭ ‬لبعض‭ ‬متطلبات‭ ‬الأسرة،‭ ‬مثل‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬للأبناء،‭ ‬ودعم‭ ‬حاجتهم‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬المهنية‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاستقلال‭ ‬المالي‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬خلال‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة‭ ‬كنظامين‭ ‬فرعيين‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬الشركة،‭ ‬بعدما‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مالكين‭ ‬لا‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬الإدارة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬إداريين‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬أي‭ ‬حصة‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ظهر‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الدوائر‭ ‬الثلاث‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬استجابة‭ ‬تحليلية‭ ‬لهذه‭ ‬التركيبة‭ ‬المعقدة‭.‬
ويمثل‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬شركة‭ ‬العائلة‭ ‬باعتبارها‭ ‬تفاعلاً‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنظمة‭ ‬مستقلة‭ ‬ومتداخلة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬نظام‭ ‬الشركة،‭ ‬ونظام‭ ‬الملكية،‭ ‬ونظام‭ ‬العائلة‭. ‬ويمكن‭ ‬إسقاط‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شركة‭ ‬عائلية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬زمنية‭ ‬معينة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬وما‭ ‬يفرضه‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬مستمرة‭.‬
فمع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تتغير‭ ‬ملامح‭ ‬الشركة،‭ ‬وتتبدل‭ ‬تركيبة‭ ‬العائلة،‭ ‬ويعاد‭ ‬توزيع‭ ‬الملكية‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬كما‭ ‬ينتقل‭ ‬الأفراد‭ ‬بين‭ ‬أدوار‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬هذه‭ ‬الدوائر‭. ‬فقد‭ ‬ينتقل‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬عضوًا‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬فقط،‭ ‬إلى‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬صفة‭ ‬القريب‭ ‬والعامل‭ ‬في‭ ‬الشركة،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬موظف‭ ‬إلى‭ ‬مالك‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬وكل‭ ‬انتقال‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬يولد‭ ‬بالضرورة‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬وتوازنات‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬الثلاثة،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬مسارات‭ ‬القرار‭ ‬والعلاقات‭ ‬التنظيمية‭ ‬داخل‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية‭.‬

نموذج‭ ‬مراحل‭ ‬التطوير‭ ‬الثلاث

تتشابك‭ ‬حاجات‭ ‬الشركة‭ ‬وحاجات‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد،‭ ‬إذ‭ ‬يضطلع‭ ‬المالك‭ ‬المدير‭ ‬بدور‭ ‬مركزي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬وتوجيه‭ ‬المسار‭ ‬العام‭ ‬للمؤسسة‭. ‬وتشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬دوافع‭ ‬المؤسس‭ ‬وسماته‭ ‬الشخصية‭ ‬تشكل‭ ‬مؤشرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬لفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬أهداف‭ ‬العمل‭ ‬العائلي‭ ‬وتوجهاته‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الكتابات‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الأعمال‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الشركات،‭ ‬بينما‭ ‬تنصب‭ ‬الدراسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بشركات‭ ‬العائلات‭ ‬على‭ ‬المراحل‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬انتقال‭ ‬المسؤولية‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬الوريث‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يظل‭ ‬المالك‭ ‬المدير‭ ‬ممسكًا‭ ‬بزمام‭ ‬القيادة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تكتسب‭ ‬فيه‭ ‬عملية‭ ‬نمو‭ ‬الأبناء‭ ‬وتطورهم‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬داخل‭ ‬العائلة،‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الأهداف‭ ‬العائلية‭ ‬لتعكس‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬مستقبل‭ ‬مهني‭ ‬مستقر‭ ‬ومسار‭ ‬آمن‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬
ومع‭ ‬تعاقب‭ ‬المراحل،‭ ‬قد‭ ‬تدخل‭ ‬حاجات‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التنازع،‭ ‬وتواجه‭ ‬الشركة‭ ‬مظاهر‭ ‬من‭ ‬الركود‭ ‬أو‭ ‬الجمود،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ضخ‭ ‬روح‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭. ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬المالك‭ ‬المدير‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬أو‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬التقاعد،‭ ‬فتتحول‭ ‬أولوية‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التماسك‭ ‬الداخلي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتأثر‭ ‬أهداف‭ ‬الشركة‭ ‬بضغوط‭ ‬هذه‭ ‬المتطلبات‭ ‬أو‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬أدائها‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تسعى‭ ‬شركة‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬العامل‭ ‬بالرضا‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالانتماء،‭ ‬وأن‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أمانًا‭ ‬ماليًا‭ ‬ومصلحة‭ ‬مستدامة‭ ‬لمالكيها،‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬منتجات‭ ‬مبتكرة‭ ‬وخدمات‭ ‬نوعية‭. ‬كما‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منصة‭ ‬للنمو‭ ‬الشخصي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬ومجالًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مواطنين‭ ‬متعاونين‭ ‬وفاعلين‭ ‬في‭ ‬محيطهم،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ترسيخ‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمان‭ ‬الوظيفي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

نظرة‭ ‬فاحصة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬مراحل‭ ‬التطوير‭ ‬الثلاث

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬التحليلية‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬دورة‭ ‬حياة‭ ‬شركة‭ ‬العائلة‭ ‬وأنماط‭ ‬النزاع‭ ‬والمخاطر‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة،‭ ‬فإنه‭ ‬يواجه‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭. ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬توصيف‭ ‬المراحل‭ ‬والحاجات‭ ‬الفردية‭ ‬للعائلة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يوضح‭ ‬بصورة‭ ‬كافية‭ ‬القوى‭ ‬المحركة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراء‭ ‬عملية‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الحيوي‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭.‬
كما‭ ‬لا‭ ‬يحدد‭ ‬النموذج‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬اللازم‭ ‬لعملية‭ ‬التخطيط‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬والشركة،‭ ‬ولا‭ ‬يبين‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المساران‭ ‬يعملان‭ ‬بشكل‭ ‬متوازٍ‭ ‬أو‭ ‬منفصل‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعرض‭ ‬بوضوح‭ ‬البنية‭ ‬التنظيمية‭ ‬الداخلية‭ ‬للعائلة،‭ ‬مثل‭ ‬مجالس‭ ‬العائلة،‭ ‬أو‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬‮«‬دستور‭ ‬العائلة‮»‬‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬الحوكمة‭ ‬وصياغة‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إليها‭ ‬عملية‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬داخل‭ ‬شركات‭ ‬العائلات‭.‬

رجوع لأعلى