تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬2026‭: ‬مؤشرات‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفاؤل

الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬2026‭: ‬مؤشرات‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفاؤل

خلافا لتوقعات المحللين عند بداية العام، تأثر المشهد الاقتصادي الأميركي في عام 2025 بمجموعة من التحولات الهيكلية الجذرية والتقلبات الناجمة عن السياسات العامة، إلا أن أحدث البيانات المنشورة يؤكد متانة السوق المحلية وقدرتها على الصمود، تارة بفعل الإنفاق الاستهلاكي القوي، وأخرى بدعم من الإنفاق الاستثماري، الذي اقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق، وتركز في أغلبه على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
بدأ عام 2026 بحالة من القلق الشديد، مع إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية عزمها التحرك بسرعة لتنفيذ أجندة تجارية واسعة النطاق، كان منتقدوها يخشون أن تؤدي إلى ركود اقتصادي واسع.

هل يكون 2026 عام تفاؤل
للاقتصاد الأميركي؟

بعد عام اقتصادي مضطرب اتسم بتقلبات حادة في الأسواق، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع نسبي في سوق العمل، تلوح في الأفق مؤشرات تدعو إلى التفاؤل بأداء الاقتصاد الأميركي في عام 2026، وفق ما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
وتشير الوكالة إلى أنه، ورغم الصدمات التي أعقبت قرارات الرئيس دونالد ترامب الجمركية المفاجئة التي أُعلنت في ما عُرف بـ»يوم التحرير»، فإن الاقتصاد الأميركي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود، إذ ارتفعت الأسواق بأكثر من 15%، وسجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا قويا بلغ 4.3% في الربع الثالث من عام 2025.
وترى بلومبيرغ أن هذا الأداء يعكس وجود مجموعة من العوامل الهيكلية والسياساتية التي قد تشكل قاعدة لانطلاقة اقتصادية أفضل خلال العام المقبل.

أموال أكثر في جيوب المستهلكين

ويتوقع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن يتلقى الأميركيون ما يصل إلى 150 مليار دولار على شكل استردادات ضريبية في مطلع عام 2026، وذلك نتيجة لقانون الموازنة الذي وقعه الرئيس خلال الصيف الماضي.
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تسهم التخفيضات الضريبية في تعزيز الطلب الكلي وزيادة المعروض من العمالة خلال العام الحالي.
كما أعلن الرئيس ترامب عزمه إرسال شيكات بقيمة ألفيْ دولار لمعظم الأسر الأميركية بهدف تهدئة المخاوف المرتبطة بتكاليف المعيشة ومن ثم تحفيز إنفاق المستهلكين وتعزيز ثقتهم، وفق تقرير بلومبيرغ.

سيولة أكبر للشركات

ويسمح قانون الموازنة الجديد للشركات بخصم كامل تكلفة المعدات التي تشتريها من الضرائب في سنة الشراء نفسها بنسبة 100%، بدلا من توزيع الخصم على عدة سنوات.
وبحسب تجارب سابقة، فإن إجراء مماثلا، إلى جانب خفض الضرائب على الشركات، أدى بعد إقرار قانون الضرائب عام 2017 إلى زيادة الاستثمارات بنحو 11 %، ورفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1 %.
ومع التعديل الجديد في قانون الموازنة، يُتوقع أن تعود الشركات إلى زيادة إنفاقها على شراء المعدات والتوسع في الإنفاق الرأسمالي، الأمر الذي قد يشكل دعما إضافيا للنمو الاقتصادي في عام 2026 وما بعده.

انخفاض متوقع في أسعار الفائدة

ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الحالي جيروم باول سيقدم على مزيد من خفض أسعار الفائدة، غير أن التوقعات تشير إلى أن الرئيس الجديد للمجلس، الذي سيتولى منصبه في مايو المقبل، سيتجه على الأرجح إلى خفضها.
كما يُرجح أن يزيد البنك المركزي من مشترياته لسندات الخزانة الأميركية، ما قد يخفف الضغوط الائتمانية ويُيسّر شروط التمويل.
هذا التوجه من شأنه ضخ مزيد من السيولة في الأسواق ودعم النشاط الاقتصادي.

طاقة أرخص

يتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تسهم القوانين الضريبية الجديدة، التي تشجع على زيادة إنتاج النفط والغاز، في دعم نمو الاقتصاد خلال العام الجديد، مع ترجيح أن يكون تأثيرها أوضح في السنوات اللاحقة، نظرا لكون بعض هذه القوانين مؤقتة وتحتاج وقتا لتظهر نتائجها.
ورغم أن أسعار النفط لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، فإن زيادة إنتاج الطاقة قد تؤدي إلى وفرة في المعروض، ما يساعد على خفض تكاليفها تدريجيا، ويخفف الأعباء عن الشركات والمستهلكين على حد سواء.
وفي موازاة ذلك، تشير بلومبيرغ إلى أن حالة الغموض المرتبطة بالرسوم الجمركية قد تتراجع خلال عام 2026. فرغم أن الرسوم المرتفعة التي أُعلنت في «يوم التحرير» تسببت في صدمة للأسواق وأسهمت في رفع التضخم، فإن بدء تنفيذ بعض الاتفاقات التجارية، إلى جانب اقتراب حسم الجدل القانوني حول هذه الرسوم، قد يقلل من حالة عدم اليقين التي خيمت على الاقتصاد خلال العام الجاري.
وتخلص الوكالة إلى أن اجتماع هذه العوامل يوفر أسبابا وجيهة للتفاؤل بأداء الاقتصاد الأميركي في عام 2026، مشيرة إلى أن قانون الموازنة وحده قد يسهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.9% خلال العام المقبل.
لكن بلومبيرغ تحذر من مخاطر محتملة تمتد إلى ما بعد 2026، فهذه الحوافز المكثفة قد تخلق ما تصفه بـ»نشوة اقتصادية قصيرة الأجل»، على غرار ما حدث خلال جائحة كورونا، مع ما يرافقها من مخاطر تضخمية. فشيكات الدعم، والتخفيضات الضريبية، وانخفاض أسعار الفائدة قد تعيد إشعال التضخم، بما يضر بالأسر الأميركية ويقوض استقرار التوقعات الاقتصادية.

ضعف التوظيف قد ينذر بمشكلات

وفي سياق متصل يرى الاقتصاديان مارك زاندي وكلوديا سهم أن سوق العمل الحالية، التي تُوصف بأنها «ضعف التوظيف وضعف التسريح»، غير قابلة للاستمرار، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى قفزة في معدلات البطالة بحسب «ماركت ووتش».
وسجّل الاقتصاد نمواً بنسبة 4.3 % في الربع الثالث، إلا أن معدل البطالة واصل ارتفاعه تدريجياً ليبلغ 4.6 % في نوفمبر، مقارنة بـ4 % في بداية العام.
وبينما تبدو توقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي واقتصاديي «وول ستريت» لعام 2026 متفائلة عموماً، مع تسارع النمو واستقرار البطالة وتراجع التضخم في العام الجديد، فإن خبراء اقتصاديين مستقلين آخرين أكثر قلقاً، ويرون العديد من المخاطر المحتملة. ويشير هؤلاء إلى سوق عمل تبدو ضعيفة، في وقت تعثّر فيه التقدم المحرز في كبح التضخم.
وقال مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في «موديز أناليتكس»، في مقابلة مع «ماركت ووتش»: «الاقتصاد يبدو هشّاً إلى حدّ كبير».
منذ الصيف، تمثلت الأخبار الإيجابية في انخفاض وتيرة تسريح العمال، غير أن معظم الشركات لا تضيف وظائف جديدة. ويصف الاقتصاديون هذا الوضع بأنه سوق عمل «ضعف التوظيف وضعف التسريح».
ويتفق زاندي وكلوديا سهم، الاقتصادية البارزة التي شغلت سابقاً منصباً في الاحتياطي الفيدرالي وتشغل حالياً منصب كبيرة الاقتصاديين في «نيو سنشري أدفايزرز»، على أن هذا الاتجاه غير مستدام وقد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في البطالة.

اختلاف في تشخيص سوق العمل

من جانبه، يرى آدم بوزن، رئيس «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي»، أن زاندي وسهم يبالغان في التركيز على ضعف الطلب على العمالة. ويشير إلى أن سوق العمل شهدت تغيّرات هيكلية كبيرة في مرحلة ما بعد الجائحة.
وقال: «جرى قدر كبير من التكيّف في سوق العمل خلال فترة قصيرة جداً، ونتيجة لذلك لم يتبقَّ الكثير مما يمكن تعديله». وأضاف أن أرباب العمل «كوّنوا مخزوناً من العمال» يمكن تقليصه تدريجياً، ما يسمح بارتفاع البطالة لفترة من دون الدخول في ركود.

التضخم قد يعود إلى التصاعد

يبدي بوزن قلقاً أكبر من سهم وزاندي حيال الضغوط التضخمية في عام 2026. وقال: «سنشهد مجموعة من العوامل التضخمية»، من بينها رسوم «ترامب» الجمركية، واحتياطي فيدرالي تقلّ مصداقيته في مكافحة التضخم، إضافة إلى التحفيز المالي الناتج عن مشروع قانون الضرائب الجمهوري الذي أُقرّ الصيف الماضي.
وأشار إلى أن صدمات التضخم ستكون أشد تأثيراً وأكثر استمراراً.

رجوع لأعلى