الاقتصاد الصيني في 2026… تفاؤل رسمي رغم التحديات
في وقت يواجه فيه ثاني أكبر اقتصاد في العالم تحديات داخلية وضغوطا خارجية متزايدة.. حققت الصين في عام 2025 نمو معتدل، مدفوعا بدعم حكومي واسع.
الرئيس الصيني شي جين بينغ أعلن الأسبوع الماضي، أن الاقتصاد الصيني سيحقق هدفه في النمو عام 2025 عند النسبة المستهدفة بـ5 %، بعد ما وصفه بـ»عام استثنائي»، متوقعا، وفقا لوكالة أنباء شينخوا الرسمية، أن ينمو حجم الاقتصاد الصيني لنحو 140 تريليون يوان (20 تريليون دولار) في 2025.
وأضاف شي جين بينغ خلال الاجتماع السنوي للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، أن «الاقتصاد الصيني يواصل مسيرته بثبات رغم الضغوط، مُتجهًا نحو الابتكار والجودة، حيث أظهر مرونة وحيوية قويتين. ومن المتوقع أن يصل معدل النمو إلى نحو 5%، ليُحافظ بذلك على مكانته المتقدمة بين الاقتصادات الكبرى في العالم».
الصين حققت أهدافها الاقتصادية
وأفاد بيان سابق، بأن شي جين بينغ أعلن أن الصين حققت أهدافها الاقتصادية والتنموية، دون تحديد أهداف محددة. وأشار شي جين بينغ سابقا إلى تسامحه مع تباطؤ النمو في بعض المناطق، بل وصرح أخيرًا بضرورة تشديد الصين الرقابة على المشاريع «المتهورة»، مؤكدًا بذلك تركيزه على جودة النمو الاقتصادي، لا على وتيرته. ووفق وكالة بلومبيرغ ، فقد شهد الاقتصاد الصيني أداء جيدا في عام 2025.
وحافظت الصادرات المزدهرة على مسار النمو. ومع ذلك، يتجه الاستثمار نحو أول انكماش سنوي له منذ عام 1998، وبلغ نمو مبيعات التجزئة أسوأ وتيرة له منذ بدء الجائحة، وانخفضت أسعار المنازل الجديدة بشكل أكبر في نوفمبر الماضي ، متأثرة بأزمة العقارات.
تفاؤل قوي بعام 2026
وبالنسبة لعام 2026، قال الرئيس الصيني إن بكين ستنفذ المزيد من السياسات الاستباقية في 2026 بهدف دعم النمو على المدى الطويل. وأضاف: «من المتوقع أن يمضي اقتصاد بلادنا قدما وسط ضغوط… (لكنه) يبدي متانة وحيوية قوية».
وقال شي إن الصين ستعمل على تعزيز التحسن النوعي الفعال والنمو الكمي المعقول في الاقتصاد، مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وأكد شي أن عام 2026 يمثل بداية الخطة الخمسية الـ15 (2026-2030)، ويحمل أهمية كبيرة للقيام بعمل جيد على صعيد الزراعة والمناطق الريفية والمزارعين.
نمو نشاط المصانع في الصين
وساهمت بيانات رسمية حول قطاع التصنيع في الصين في التفاؤل الحكومي بتحقيق معدل النمو المستهدف عند 5% في 2025. وأظهرت بيانات رسمية الأربعاء الماضي، نمو نشاط المصانع في الصين على غير المتوقع في ديسمبر ، منهيا تراجعا قياسيا استمر لثمانية أشهر متتالية، إذ تلقى دعما من ارتفاع الطلبيات قبل موسم عطلات، فيما يسعى المسؤولون لتحفيز قطاع الصناعات التحويلية في البلاد دون أن يتفاقم الانكماش.
وأظهر مسح للمكتب الوطني للإحصاء ارتفاع مؤشر مديري المشتريات الرسمي إلى 50.1 في ديسمبر من 49.2 في نوفمبر، متخطيا مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش ومتجاوزا التوقعات.
ويبدو أن هذه البيانات يمكنها منح صانعي السياسات سببا للتفاؤل بعدما قرروا إكمال عام 2025 دون تحفيز إضافي كبير لتحقيق هدف النمو للعام بأكمله البالغ نحو خمسة بالمائة.
وقفز المؤشر الفرعي للإنتاج إلى 51.7 من 50 في نوفمبر ، في حين ارتفعت الطلبيات الجديدة إلى 50.8 من 49.2، مسجلة أقوى أداء منذ مارس. ولكن طلبيات التصدير الجديدة ظلت بطيئة، إذ ارتفعت إلى 49 من 47.6 في نوفمبر، مما يؤكد حاجة المسؤولين إلى تعزيز الطلب المحلي وتقليل الاعتماد على الطلب من الولايات المتحدة، أكبر سوق استهلاكية في العالم، في ظل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب.
وقالت خبيرة إحصائية في المكتب الوطني للإحصاءات وفقا لرويترز، إن الثقة تبدو في تحسن بسبب التخزين قبل العطلة، إذ يستعد ثاني أكبر اقتصاد في العالم للاحتفال بالعام القمري الجديد في فبراير المقبل ، مشيرة إلى زيادة تخزين في قطاعات الزراعة وتجهيز الأغذية والمشروبات.
انتعاش هش لقطاع العقارات المتعثر
أما في القطاع الثاني المهم وهو العقارات، فقد نجت شركة التطوير العقاري الصينية المدعومة من الدولة «تشاينا فانكي»، التي كانت في يوم من الأيام أكبر شركة بناء منازل في الصين من حيث المبيعات، بصعوبة بالغة من التخلف عن سداد سندات بقيمة ملياري يوان (284 ملايين دولار) في الأسبوع الماضي، في ظل استمرار التعافي البطيء والمؤلم لسوق العقارات الصينية.
في الوقت نفسه، سعت الشركة الصينية إلى تأجيل سداد ديون محلية أخرى بقيمة 3.7 مليارات يوان (530 مليون دولار) مستحقة في 28 ديسمبر الماضي، حيث وافق حاملو السندات على تمديد الموعد النهائي إلى فبراير المقبل.
وبعد سنوات من بدء تراجع سوق الإسكان في الصين، لا يزال المطورون الصينيون يكافحون لاستعادة عافيتهم، على الرغم من سلسلة من السياسات الحكومية الرامية إلى إنعاش القطاع.
وقد أدى ضعف الاستثمار وأسعار المساكن إلى زعزعة ثقة المستثمرين، مما انعكس سلبا على الاقتصاد بشكل عام، حيث يجد ملايين مالكي المنازل أنفسهم عالقين بشقق تقل قيمتها بكثير عما دفعوه مقابلها. وبدلا من أن تكون سوق العقارات محركا رئيسيا للازدهار كما كان في السابق، أصبحت الآن تثقل كاهل الاقتصاد. ورغم موافقة حاملي سندات شركة فانكي على تمديد آجال سداد ديونها، إلا أن خطر التخلف عن السداد لا يزال قائماً.
شركة فانكي تعاني
وتعاني شركة فانكي، المدرجة في البورصة والمملوكة لشركة مترو شنشن الحكومية للسكك الحديدية، من وضع مالي كارثي، وفقا لوكالة أسوشييتد برس، حيث انخفضت إيراداتها بنسبة 27 % مقارنة بالعام الماضي خلال الربع الثالث من العام المنصرم، وجرى تعليق تداول العديد من سنداتها المحلية بعد انهيار أسعارها.
وتبلغ ديون الشركة أكثر من 50 مليار دولار، وهو مبلغ أقل من ديون شركة تشاينا إيفرغراند التي تجاوزت 300 مليار دولار، والتي كانت من أوائل شركات العقارات التي انهارت عندما تخلفت عن السداد عام 2021 بعد حملة حكومية صارمة على الاقتراض المفرط في القطاع.
ويقول المحللون وفقا للوكالة ذاتها، إن فانكي، التي تأسست في ثمانينيات القرن الماضي في مدينة شنشن الجنوبية المزدهرة، ربما تختبر حدود الدعم الحكومي لمطوري العقارات في إنعاش هذا القطاع، الذي كان يمثل في السابق أكثر من ربع إجمالي النشاط الاقتصادي في الصين. وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على بدء التراجع، لم يتعافَ قطاع العقارات في الصين بعد. ويختلف الوضع من مدينة إلى أخرى، لكن أسعار المنازل انخفضت عموما بنسبة 20 % أو أكثر عن ذروتها في عام 2021.
واستمر هذا التراجع، حيث انخفضت مبيعات المنازل الجديدة بنسبة 11.2 % من حيث القيمة على أساس سنوي في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام الحالي، وفقا للإحصاءات الرسمية. كما انخفضت الاستثمارات العقارية بنسبة 16 % تقريبا خلال الفترة نفسها. وقد تسبب هذا الركود في تسريح جماعي للعمال، مما أضر بثقة المستهلكين وإنفاقهم بشكل عام. وكتبت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة الصين الكبرى في بنك آي.إن.جي، في تعليق حديث: «لا يزال التراجع المستمر في سوق العقارات من أهم المخاطر التي تواجه جهود الصين للتحول إلى نموذج نمو قائم على الطلب المحلي».
وواجهت شركة تشاينا إيفرغراند، التي كانت تعتبر في السابق «أكبر من أن تفلس» باعتبارها واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، صعوبات في عام 2021، واضطرت في نهاية المطاف إلى التصفية. كما تخلف العديد من المطورين الصينيين الآخرين عن السداد، وفي بعض الحالات أعيدت هيكلة ديونهم. وقد أثرت الإجراءات الصارمة لمكافحة فيروس كورونا المستجد خلال الجائحة سلبا على القطاع، حيث جرى تعليق مشاريع البناء.