تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬العائلي‭ ‬قوة‭ ‬مستمرة‭ ‬تعزز‭ ‬النجاح‭ ‬المالي

LD33

تتقدم‭ ‬الأسرة‭ ‬بوصفها‭ ‬المصدر‭ ‬الأول‭ ‬للتمويل‭ ‬والدعم‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬فهي‭ ‬الحاضنة‭ ‬الأولى‭ ‬لرأس‭ ‬المال،‭ ‬ومولّد‭ ‬الأفكار،‭ ‬وقاعدة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬منها‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭. ‬وتتشكل‭ ‬خصوصية‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬اندماج‭ ‬العلاقة‭ ‬الأسرية‭ ‬بالعمل‭ ‬والمؤسسة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬واحد،‭ ‬بحيث‭ ‬تتركز‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة‭ ‬داخل‭ ‬عائلة‭ ‬بعينها،‭ ‬ويقاس‭ ‬نجاح‭ ‬التجربة‭ ‬بمدى‭ ‬ما‭ ‬يبذله‭ ‬أفرادها‭ ‬من‭ ‬جهد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬العائلة‭ ‬والشركة‭ ‬واستدامته‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬
ويكتمل‭ ‬تعريف‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية‭ ‬حين‭ ‬يستمر‭ ‬التحكم‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬التالي،‭ ‬مدعومًا‭ ‬بأسس‭ ‬واضحة،‭ ‬صريحة‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬ضمنية،‭ ‬توجه‭ ‬مسار‭ ‬الشركة‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬العائلة‭ ‬وقيمها‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬اليومية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬رسم‭ ‬التوجهات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬هوية‭ ‬العائلة‭ ‬وتطلعاتها‭ ‬المستقبلية‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التشابه‭ ‬في‭ ‬أدوات‭ ‬التخطيط‭ ‬والإدارة‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬وغير‭ ‬العائلية،‭ ‬يبرز‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬المصلحة‭ ‬والقرار‭. ‬ففي‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية،‭ ‬تعود‭ ‬المنفعة‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬العائلة‭ ‬المالكة،‭ ‬ويظهر‭ ‬أثر‭ ‬المالك‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬التنفيذ‭ ‬وأساليب‭ ‬الإدارة،‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬طابعًا‭ ‬شخصيًا‭ ‬يتداخل‭ ‬مع‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المؤسسية‭.‬
وتُعد‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النماذج‭ ‬التنظيمية‭ ‬انتشارًا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬إذ‭ ‬تسهم‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬70‭% ‬و90‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يبقى‭ ‬مرهونًا‭ ‬بتحقيق‭ ‬التناغم‭ ‬بين‭ ‬نظامين‭ ‬مختلفين‭: ‬نظام‭ ‬الشركات‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المحددة‭ ‬سلفًا،‭ ‬ونظام‭ ‬العائلة‭ ‬الذي‭ ‬تحركه‭ ‬المسؤوليات‭ ‬والولاءات‭ ‬والقيم‭ ‬التقليدية‭. ‬وعندما‭ ‬يندمج‭ ‬النظامان‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬واحد،‭ ‬تنعكس‭ ‬تحيزات‭ ‬العائلة‭ ‬وتقلباتها‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬العمل‭ ‬والقرارات‭ ‬والفرص‭ ‬المستقبلية‭. ‬فالأسرة‭ ‬تمثل‭ ‬الروح‭ ‬والطاقة‭ ‬والالتزام‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬الشركة‭ ‬إلى‭ ‬الوجود،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬قد‭ ‬تحمل‭ ‬عوامل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إضعافها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تهديد‭ ‬بقائها‭ ‬إذا‭ ‬غاب‭ ‬التوازن‭ ‬المؤسسي‭.‬
النشأة‭ ‬التاريخية‭ ‬
لشركات‭ ‬العائلات

تعود‭ ‬جذور‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬إلى‭ ‬فجر‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الممالك‭ ‬القديمة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬المؤرخين‭ ‬لا‭ ‬يتوقفون‭ ‬طويلًا‭ ‬عند‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬ازدهار‭ ‬الحضارات،‭ ‬تكشف‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬عن‭ ‬ظهور‭ ‬أول‭ ‬عمليات‭ ‬الإقراض‭ ‬مقابل‭ ‬فائدة‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬لتصبح‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجارة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتكون‭ ‬محركًا‭ ‬للتجديد‭ ‬والابتكار،‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬المنتجات‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬المستهلكين‭. ‬وقد‭ ‬ازدهرت‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬والبابليين‭ ‬والمصريين‭ ‬واليهود‭ ‬واليونان‭ ‬والفينيقيين‭ ‬والرومان‭ ‬والهنود،‭ ‬وأسهمت‭ ‬عائلات‭ ‬تجارية‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬معارف‭ ‬الحضارات‭ ‬عبر‭ ‬طرق‭ ‬التجارة،‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬البابلي‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليونانية،‭ ‬ومن‭ ‬التقويم‭ ‬اليهودي‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬الروماني،‭ ‬لتصبح‭ ‬التجارة‭ ‬العائلية‭ ‬جسرًا‭ ‬حضاريًا‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬ويصوغ‭ ‬ملامح‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭.‬
تضع‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬منذ‭ ‬نشأتها،‭ ‬أطرًا‭ ‬تنظيمية‭ ‬تحكم‭ ‬نشاطها‭ ‬الصناعي‭ ‬والتجاري‭ ‬وتحدد‭ ‬معايير‭ ‬جودة‭ ‬المنتجات‭ ‬وتداولها‭. ‬ويستحضر‭ ‬التاريخ‭ ‬نموذجًا‭ ‬مبكرًا‭ ‬لهذا‭ ‬التنظيم‭ ‬حين‭ ‬يضع‭ ‬ملك‭ ‬بابل‭ ‬مدوّنة‭ ‬تضم‭ ‬نحو‭ ‬300‭ ‬قانون،‭ ‬منقوشة‭ ‬على‭ ‬عمود‭ ‬حجري‭ ‬محفوظ‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬اللوفر‭ ‬بباريس،‭ ‬لتكون‭ ‬مرجعًا‭ ‬ينظم‭ ‬المعاملات‭ ‬ويضبط‭ ‬أسس‭ ‬التجارة‭. ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬تلعب‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للتصنيع‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬مؤرخو‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬الصغيرة‭ ‬تمثل‭ ‬صلة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التقاليد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القديمة‭ ‬والانطلاق‭ ‬نحو‭ ‬أنماط‭ ‬إنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬حداثة،‭ ‬مدعومة‭ ‬بتنامي‭ ‬دور‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬الصناعي‭.‬
وفي‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬تظهر‭ ‬غالبية‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬بوصفها‭ ‬كيانات‭ ‬حديثة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عمر‭ ‬معظمها‭ ‬أربعة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬بساطة‭ ‬تأسيس‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشركات،‭ ‬فإنها‭ ‬تواصل‭ ‬الانتشار‭ ‬والتجدد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭. ‬فمهما‭ ‬تصاعدت‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية،‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬قائمًا‭ ‬بوجود‭ ‬أفراد‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نجاح‭ ‬تجاري‭ ‬واقتصادي‭ ‬يُنسب‭ ‬إليهم،‭ ‬وينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬والأحفاد‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭.‬
وخلال‭ ‬مسارها‭ ‬التطوري،‭ ‬تمر‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬بمرحلتين‭ ‬مفصليتين‭. ‬تمتد‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قبل‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬أما‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬فتتبلور‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬انتقالًا‭ ‬واسعًا‭ ‬للإدارة‭ ‬والملكية‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬الثاني،‭ ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬محدودة‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬الثالث‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬تواكب‭ ‬الشركات‭ ‬تحولات‭ ‬العصر‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬والإنترنت‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬المنافسة‭ ‬وانفتاح‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بروز‭ ‬النماذج‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الغربية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬السوق‭.‬

الشكل‭ ‬العام‭ ‬لشركات‭ ‬العائلات

يرتبط‭ ‬تأسيس‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬المعروفة‭ ‬عالميًا‭ ‬بالكيان‭ ‬العائلي،‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬المصدر‭ ‬الأول‭ ‬للتمويل‭ ‬والدعم‭. ‬فالأسرة‭ ‬تمد‭ ‬الشركة‭ ‬برأس‭ ‬المال‭ ‬والأفكار‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬و«الدم‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬حيويتها،‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬حافزًا‭ ‬دائمًا‭ ‬للمالك‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الجاد،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬النجاح،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬المؤسسة‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬
وتبرز‭ ‬ظاهرة‭ ‬عمل‭ ‬الأب‭ ‬والابن‭ ‬معًا‭ ‬بوصفها‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعًا‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬متانة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجيلين‭ ‬وقدرتهما‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الروابط‭ ‬الأسرية‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬إنتاجية‭. ‬وتنظر‭ ‬الأسرة‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬الشركة‭ ‬باعتباره‭ ‬استثمارًا‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬تعبيراتها‭ ‬عن‭ ‬ذاتها‭ ‬ومصدرها‭ ‬المالي‭ ‬المستقبلي‭. ‬ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬عادل‭ ‬للجهد‭ ‬والعائدات،‭ ‬وعلى‭ ‬قيمة‭ ‬متراكمة‭ ‬تبنى‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬المتواصل‭ ‬مقابل‭ ‬دخل‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬السوق،‭ ‬بهدف‭ ‬ضمان‭ ‬بقاء‭ ‬الشركة‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬فالمستفيدون‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬لا‭ ‬يركزون‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬الدورية،‭ ‬بل‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬الشركة‭ ‬بوصفها‭ ‬إرثًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحسابات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭.‬
يشارك‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬العائلة‭ ‬نفسها،‭ ‬وتتوزع‭ ‬أدوارهم‭ ‬وفق‭ ‬أنماط‭ ‬قيادية‭ ‬وإدارية‭ ‬مختلفة‭ ‬تشكل‭ ‬ملامح‭ ‬المؤسسة‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬انطلاقتها‭.‬

عضو‭ ‬العائلة‭ ‬المؤسس

ينقسم‭ ‬المؤسسون‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنماط‭ ‬رئيسية‭.‬
أولها‭ ‬المالكون،‭ ‬حيث‭ ‬تتركز‭ ‬الملكية‭ ‬والقرار‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬امتدادًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لذاته‭ ‬وهويته‭. ‬يميل‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬إلى‭ ‬احتكار‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬ويظهر‭ ‬قدرًا‭ ‬محدودًا‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬الإدارة،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬أسلوبه‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأبناء‭ ‬وأفراد‭ ‬العائلة‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المؤسسة،‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬مشددة‭ ‬وسيطرة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تفاصيل‭ ‬العمل‭.‬
أما‭ ‬النمط‭ ‬الثاني،‭ ‬فهو‭ ‬الموجّهون،‭ ‬الذين‭ ‬يمسكون‭ ‬بزمام‭ ‬الشركة‭ ‬بحزم،‭ ‬لكنهم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬فريق‭ ‬عمل‭ ‬كفؤ‭ ‬وتفويض‭ ‬المسؤوليات‭. ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الفاعلية‭ ‬والتناسق‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬ويؤمنون‭ ‬بأهمية‭ ‬إشراك‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬مسؤوليات‭ ‬حقيقية‭ ‬داخل‭ ‬الشركة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لهم‭ ‬فهم‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬واكتساب‭ ‬الخبرة‭ ‬العملية‭. ‬ويتميز‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬بالفخر‭ ‬بالعائلة‭ ‬وبالشركة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬روح‭ ‬التعاون‭ ‬والولاء‭ ‬والدفء‭ ‬الأسري‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭. ‬ومع‭ ‬نضوج‭ ‬الشركة،‭ ‬يحرص‭ ‬الموجّه‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬إشكالية‭ ‬نقل‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬تفضيل‭ ‬أحد‭ ‬الأبناء‭ ‬على‭ ‬الآخرين،‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬العائلي‭ ‬والمؤسسي‭.‬
ويبرز‭ ‬النمط‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬التقنيين،‭ ‬وهم‭ ‬مؤسسون‭ ‬ينطلقون‭ ‬من‭ ‬مهاراتهم‭ ‬الفنية‭ ‬أو‭ ‬قدراتهم‭ ‬الإبداعية‭ ‬لبناء‭ ‬الشركة‭. ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يفضل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل‭ ‬الإدارية‭ ‬اليومية،‭ ‬ولا‭ ‬يترددون‭ ‬في‭ ‬تفويض‭ ‬شؤون‭ ‬الإدارة‭ ‬للآخرين،‭ ‬فيما‭ ‬يحتفظون‭ ‬بالمعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬المتخصصة‭ ‬لأنفسهم‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يظهرون‭ ‬حماسة‭ ‬مماثلة‭ ‬لنقل‭ ‬هذه‭ ‬الخبرات‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء،‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يمتلكون‭ ‬المستوى‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬المهارة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬يتجه‭ ‬الأبناء‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬إدارية‭ ‬تقل‭ ‬فيها‭ ‬المنافسة‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬المؤسس،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬قد‭ ‬يضعهم‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬مع‭ ‬إدارات‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة،‭ ‬بفعل‭ ‬اختلاف‭ ‬الرؤى‭ ‬وتباين‭ ‬الأدوار‭ ‬داخل‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭.‬
بهذا،‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬الشركة‭ ‬العائلية‭ ‬من‭ ‬تفاعل‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬المختلفة،‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬طبيعة‭ ‬القيادة،‭ ‬وآليات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬ومسار‭ ‬انتقال‭ ‬الخبرة‭ ‬والسلطة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭.‬

رجوع لأعلى