الاقتصاد العائلي قوة مستمرة تعزز النجاح المالي
تتقدم الأسرة بوصفها المصدر الأول للتمويل والدعم في الشركات العائلية، فهي الحاضنة الأولى لرأس المال، ومولّد الأفكار، وقاعدة الموارد البشرية التي تنطلق منها هذه الكيانات. وتتشكل خصوصية هذا النوع من الشركات من اندماج العلاقة الأسرية بالعمل والمؤسسة في إطار واحد، بحيث تتركز الملكية والإدارة داخل عائلة بعينها، ويقاس نجاح التجربة بمدى ما يبذله أفرادها من جهد للحفاظ على الترابط بين العائلة والشركة واستدامته عبر الزمن.
ويكتمل تعريف الشركة العائلية حين يستمر التحكم فيها من جيل إلى الجيل التالي، مدعومًا بأسس واضحة، صريحة كانت أو ضمنية، توجه مسار الشركة وفق رؤية العائلة وقيمها. هنا لا يقتصر الدور على الإدارة اليومية، بل يمتد إلى رسم التوجهات الاستراتيجية التي تعكس هوية العائلة وتطلعاتها المستقبلية.
وعلى الرغم من التشابه في أدوات التخطيط والإدارة بين الشركات العائلية وغير العائلية، يبرز الفارق الجوهري في طبيعة المصلحة والقرار. ففي الشركة العائلية، تعود المنفعة أساسًا إلى العائلة المالكة، ويظهر أثر المالك في تفاصيل التنفيذ وأساليب الإدارة، ما يضفي على القرارات طابعًا شخصيًا يتداخل مع الاعتبارات المؤسسية.
وتُعد الشركات العائلية من أكثر النماذج التنظيمية انتشارًا في عالم الأعمال، إذ تسهم بنسبة تتراوح بين 70% و90% من الناتج الإجمالي العالمي. غير أن نجاح هذا النموذج يبقى مرهونًا بتحقيق التناغم بين نظامين مختلفين: نظام الشركات القائم على التنافس وتحقيق الأهداف المحددة سلفًا، ونظام العائلة الذي تحركه المسؤوليات والولاءات والقيم التقليدية. وعندما يندمج النظامان في كيان واحد، تنعكس تحيزات العائلة وتقلباتها وعلاقاتها الداخلية على أسلوب العمل والقرارات والفرص المستقبلية. فالأسرة تمثل الروح والطاقة والالتزام الذي يطلق الشركة إلى الوجود، لكنها في الوقت ذاته قد تحمل عوامل قادرة على إضعافها أو حتى تهديد بقائها إذا غاب التوازن المؤسسي.
النشأة التاريخية
لشركات العائلات
تعود جذور الشركات العائلية إلى فجر المجتمعات الإنسانية، إذ تشكل هذه الشركات القوى العاملة الأساسية في الممالك القديمة. ورغم أن المؤرخين لا يتوقفون طويلًا عند دورها في ازدهار الحضارات، تكشف الوثائق التاريخية عن ظهور أول عمليات الإقراض مقابل فائدة قبل نحو أربعة آلاف عام، لتصبح منذ ذلك الحين الشركات العائلية العمود الفقري للأنظمة الاقتصادية في مختلف أنحاء العالم.
ولا يقتصر دورها على الإنتاج والتجارة فحسب، بل تمتد لتكون محركًا للتجديد والابتكار، عبر تقديم المنتجات والخدمات التي تلبي احتياجات المستهلكين. وقد ازدهرت هذه الشركات في أرجاء العالم القديم بين العرب والبابليين والمصريين واليهود واليونان والفينيقيين والرومان والهنود، وأسهمت عائلات تجارية صغيرة في نقل معارف الحضارات عبر طرق التجارة، من علم الفلك البابلي إلى الفلسفة اليونانية، ومن التقويم اليهودي إلى القانون الروماني، لتصبح التجارة العائلية جسرًا حضاريًا يربط بين الثقافات ويصوغ ملامح العالم القديم.
تضع الشركات العائلية، منذ نشأتها، أطرًا تنظيمية تحكم نشاطها الصناعي والتجاري وتحدد معايير جودة المنتجات وتداولها. ويستحضر التاريخ نموذجًا مبكرًا لهذا التنظيم حين يضع ملك بابل مدوّنة تضم نحو 300 قانون، منقوشة على عمود حجري محفوظ اليوم في متحف اللوفر بباريس، لتكون مرجعًا ينظم المعاملات ويضبط أسس التجارة. ومع تزايد عدد الشركات العائلية في القرن العشرين، تلعب هذه الكيانات دورًا محوريًا في المراحل الأولى للتصنيع حول العالم، إذ يرى مؤرخو الصناعة والتجارة أن الشركات العائلية الصغيرة تمثل صلة وصل بين الحفاظ على التقاليد الاقتصادية القديمة والانطلاق نحو أنماط إنتاج أكثر حداثة، مدعومة بتنامي دور رأس المال في تشكيل المشهد الصناعي.
وفي منطقة الخليج العربي، تظهر غالبية الشركات العائلية بوصفها كيانات حديثة نسبيًا، إذ لا يتجاوز عمر معظمها أربعة أو خمسة عقود. وعلى الرغم من بساطة تأسيس هذا النوع من الشركات، فإنها تواصل الانتشار والتجدد في مختلف بقاع العالم. فمهما تصاعدت التحديات التي تفرضها التحولات الاقتصادية العالمية، يبقى هذا النموذج قائمًا بوجود أفراد قادرين على تحقيق نجاح تجاري واقتصادي يُنسب إليهم، وينتقل إلى الأبناء والأحفاد عبر الأجيال.
وخلال مسارها التطوري، تمر الشركات العائلية بمرحلتين مفصليتين. تمتد الأولى إلى ما قبل عصر المعلومات والاتصالات، ولا سيما في الشرق الأوسط قبل تسعينيات القرن الماضي. أما المرحلة الثانية، فتتبلور خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حيث تشهد انتقالًا واسعًا للإدارة والملكية من الجيل الأول إلى الجيل الثاني، وفي حالات محدودة إلى الجيل الثالث. وفي هذه المرحلة، تواكب الشركات تحولات العصر من صعود التقنيات الحديثة والإنترنت إلى اتساع المنافسة وانفتاح الأسواق العالمية، إلى جانب بروز النماذج الرأسمالية الغربية القائمة على حرية السوق.
الشكل العام لشركات العائلات
يرتبط تأسيس عدد كبير من الشركات المعروفة عالميًا بالكيان العائلي، الذي يظل المصدر الأول للتمويل والدعم. فالأسرة تمد الشركة برأس المال والأفكار والموارد البشرية و«الدم الجديد» الذي يعزز حيويتها، ما يشكل حافزًا دائمًا للمالك على العمل الجاد، والسعي إلى النجاح، والحفاظ على استمرارية المؤسسة عبر الزمن.
وتبرز ظاهرة عمل الأب والابن معًا بوصفها الأكثر شيوعًا في الشركات العائلية، حيث تعتمد على متانة العلاقة بين الجيلين وقدرتهما على تحويل الروابط الأسرية إلى قوة إنتاجية. وتنظر الأسرة إلى تأسيس الشركة باعتباره استثمارًا طويل الأجل، وأحد أهم تعبيراتها عن ذاتها ومصدرها المالي المستقبلي. ويقوم هذا النموذج على توزيع عادل للجهد والعائدات، وعلى قيمة متراكمة تبنى عبر سنوات من العمل المتواصل مقابل دخل غالبًا ما يكون أقل من متوسط السوق، بهدف ضمان بقاء الشركة للأجيال القادمة. فالمستفيدون من هذا الكيان لا يركزون فقط على العوائد الدورية، بل ينظرون إلى الشركة بوصفها إرثًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز الحسابات قصيرة الأجل.
يشارك في تأسيس الشركة العائلية عدد من الأفراد المنتمين إلى العائلة نفسها، وتتوزع أدوارهم وفق أنماط قيادية وإدارية مختلفة تشكل ملامح المؤسسة منذ لحظة انطلاقتها.
عضو العائلة المؤسس
ينقسم المؤسسون عادة إلى ثلاثة أنماط رئيسية.
أولها المالكون، حيث تتركز الملكية والقرار في يد شخص واحد يرى في الشركة امتدادًا مباشرًا لذاته وهويته. يميل هذا النمط إلى احتكار صنع القرار، ويظهر قدرًا محدودًا من الثقة في قدرة الآخرين على الإدارة، ما ينعكس على أسلوبه في التعامل مع الأبناء وأفراد العائلة العاملين في المؤسسة، عبر فرض رقابة مشددة وسيطرة مباشرة على تفاصيل العمل.
أما النمط الثاني، فهو الموجّهون، الذين يمسكون بزمام الشركة بحزم، لكنهم في الوقت ذاته يحرصون على بناء فريق عمل كفؤ وتفويض المسؤوليات. يسعون إلى تعزيز الفاعلية والتناسق داخل المؤسسة، ويؤمنون بأهمية إشراك الأبناء في تحمل مسؤوليات حقيقية داخل الشركة، بما يتيح لهم فهم طبيعة العمل من الداخل واكتساب الخبرة العملية. ويتميز هذا النمط بالفخر بالعائلة وبالشركة على حد سواء، والعمل على ترسيخ روح التعاون والولاء والدفء الأسري في بيئة العمل. ومع نضوج الشركة، يحرص الموجّه على تجنب الوقوع في إشكالية نقل السلطة أو تفضيل أحد الأبناء على الآخرين، حفاظًا على التوازن العائلي والمؤسسي.
ويبرز النمط الثالث في التقنيين، وهم مؤسسون ينطلقون من مهاراتهم الفنية أو قدراتهم الإبداعية لبناء الشركة. غالبًا ما يفضل هؤلاء الابتعاد عن التفاصيل الإدارية اليومية، ولا يترددون في تفويض شؤون الإدارة للآخرين، فيما يحتفظون بالمعرفة التقنية المتخصصة لأنفسهم. وفي كثير من الحالات، لا يظهرون حماسة مماثلة لنقل هذه الخبرات إلى الأبناء، الذين قد لا يمتلكون المستوى ذاته من المهارة. ونتيجة لذلك، يتجه الأبناء إلى مواقع إدارية تقل فيها المنافسة المباشرة مع المؤسس، غير أن هذا المسار قد يضعهم أحيانًا في حالة من التوتر مع إدارات الشركة من غير أفراد العائلة، بفعل اختلاف الرؤى وتباين الأدوار داخل الهيكل التنظيمي.
بهذا، تتشكل ملامح الشركة العائلية من تفاعل هذه الأنماط المختلفة، التي تحدد منذ البداية طبيعة القيادة، وآليات اتخاذ القرار، ومسار انتقال الخبرة والسلطة بين الأجيال.