الاقتصاد العالمي وأداء القطاعات المتنامية
يضع هذا الفصل الإرادة الصلبة في صميم اقتصاد الإبداع، باعتبارها المحرك الأساسي لما يُعرف بالصناعات الإبداعية، وهي نحو خمس عشرة صناعة يكون الإبداع مادتها الخام، ومنتجها الاقتصادي الأعلى قيمة. غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن المعطيات المتعلقة بهذا الاقتصاد ما تزال متفرقة وملتبسة، ما يجعل الإحاطة به مهمة معقدة.
فالإبداع لا يقتصر على المصانع أو المتاجر، بل يحيط بنا في كل مكان تقريباً، من الكلمات والصور إلى المنتجات المرخصة والماركات والعلامات التجارية. نحن نعيش في حالة من فرط المعلومات، لكننا نادراً ما نتعامل معها بالمقاييس نفسها التي نستخدمها عند الحديث عن الإفراط في الاستهلاك المادي، سواء في الغذاء أو الملابس. وحتى حين ندرك وجود المنتجات الإبداعية، يبقى تقييمها وقياس قيمتها الاقتصادية أمراً بالغ الصعوبة؛ فمن السهل نسبياً تقدير ثمن قرص رقمي أو آلة، لكن تقييم حقوق النشر أو براءات الاختراع المرتبطة بهما أكثر تعقيداً.
ورغم الخطاب المتزايد حول أهمية اقتصاد الإبداع واقتصاد الإنترنت، واصلت غالبية المؤسسات تركيزها على الصناعات التقليدية. ولعل لهذا التوجه ما يبرره، إذ تعتمد الإيرادات العامة، ولا سيما الضريبية، بدرجة أكبر على القطاعات الصناعية التقليدية، وبدرجة أقل على القطاع الخدمي، وبحد أدنى جداً على الملكية الفكرية. ولا يقتصر أثر هذا الخلل على الناتج المحلي فحسب، بل يمتد إلى التجارة الدولية أيضاً، حيث تكاد تغيب إحصاءات استيراد وتصدير المنتجات الإبداعية عن السجلات التجارية، كونها لا تخضع للرسوم الجمركية أو الضرائب، وهو تجاهل قد ينطوي على مخاطر اقتصادية حقيقية.
ويستند إدراج أي صناعة ضمن لائحة الصناعات الإبداعية إلى مدى توافقها مع تعريف اقتصاد الإبداع الوارد في الفصل الأول، والقائم على تلاقي المبادلات المالية مع المنتجات الإبداعية. فالمنتج الإبداعي يجب أن يكون سلعة أو خدمة ناتجة عن فعل إبداعي، وأن يحمل قيمة اقتصادية قابلة للتبادل. كما أن جميع هذه المنتجات ترتبط، بشكل أو بآخر، بأحد الأشكال الرئيسية للملكية الفكرية، سواء كانت براءات اختراع أو حقوق نشر أو علامات وماركات تجارية، حتى وإن تجلت قيمتها أحياناً في صورة مادية كما في الأزياء والفنون. في المقابل، جرى استبعاد بعض أشكال الملكية الفكرية، مثل الأسرار التجارية، بسبب عموميتها وابتعادها عن المقصد التحليلي لهذا الطرح.
وقد جرى تضمين البحث والتطوير ضمن العمليات والمنتجات الجديدة التي قد تفضي إلى براءات اختراع، من دون إدراج المنتجات النهائية الناتجة عنها. وينطبق المبدأ ذاته على العلامات التجارية، حيث تم احتساب عملية ابتكار العلامة ذاتها، دون المبيعات المتولدة عنها. فتصميم شعار شركة كبرى يُعد عملاً إبداعياً، في حين أن تسويق منتجاتها وبيعها للمستهلكين لا يدخل في هذا الإطار. ومع الإقرار بأن هذا الفاصل يزداد ضبابية في الواقع المعاصر، حيث تُعامل السلع بشكل متزايد على أنها ماركات أكثر من كونها منتجات، يبقى هذا التمييز منسجماً مع منطق التحليل الاقتصادي السليم.
النمو العالمي
على المستوى العالمي، قُدِّرت القيمة المالية لاقتصاد الإبداع بنحو 2.7 تريليون دولار في عام 2005، مع معدل نمو سنوي يقارب 6 في المئة. وبالاستناد إلى بيانات البنك الدولي، التي تشير إلى أن إجمالي الناتج المحلي العالمي بلغ نحو 44 تريليون دولار في الفترة نفسها، فإن اقتصاد الإبداع كان يمثل قرابة 6.1 في المئة من الاقتصاد العالمي.
وتتصدر الولايات المتحدة هذه الأسواق، إذ بلغت قيمة الملكيات الفكرية الأميركية في عام 2004 ما بين 5 و6 تريليونات دولار، أي ما يعادل نحو 45 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الأميركي، وهو مستوى يتجاوز الناتج المحلي لأي دولة أخرى. كما أظهرت تقارير معتمدة على بيانات بنك الاحتياطي الفدرالي أن الشركات الأميركية استثمرت سنوياً قرابة تريليون دولار في المنتجات الثقافية غير الملموسة، وهو حجم استثمار يماثل ما يُضخ في قطاعات تقليدية مثل الزراعة والمكننة.
وأكد الاتحاد العالمي للملكية الفكرية أن الصناعات الأميركية القائمة على حقوق النشر أسهمت في الاقتصاد الأميركي خلال عام 2000 أكثر من أي قطاع صناعي آخر، متقدمة على الصناعات الكيميائية والطيران والمعادن والتجهيزات الإلكترونية والآلات الصناعية، فضلاً عن قطاعي الغذاء والمشروبات. وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، سجلت هذه الصناعات معدلات نمو سنوية بلغت 6.3 في المئة، مقارنة بمعدل نمو وطني لم يتجاوز 2.7 في المئة.
وفي عام 2006، أثارت شركة الاستشارات الأميركية ماكينزي نقاشاً واسعاً عندما خلصت إلى أن نحو 40 في المئة من فرص العمل في الولايات المتحدة تتطلب التعبير عن المواهب، فيما ترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 70 في المئة في الوظائف الجديدة. كما تجاوزت صادرات الصناعات القائمة على الملكية الفكرية 455 مليار دولار في عام 2004، ما يعكس ثقلها المتزايد في التجارة الدولية.
وعلى صعيد سوق العمل، صنّف أكثر من مليوني أميركي أنفسهم كفنانين في عام 2000، بزيادة قدرها 70 ألفاً عن العام السابق، وفقاً لبيانات دائرة إحصاءات التشغيل. وتشير المنظمة الأميركية للفنون إلى أن نحو 2.9 مليون شخص، أي ما يعادل 2.9 في المئة من إجمالي العاملين، يعملون في 458 ألف منظمة فنية، تمثل نحو 4.3 في المئة من مجموع الأعمال في الولايات المتحدة. وخلال العقود الماضية، ارتفع عدد الكتّاب بنسبة 30 في المئة، بينما زاد عدد الموسيقيين بنحو 50 في المئة مقارنة بعام 1970، في حين كان إنفاق المستهلكين على حضور فنون الأداء ينمو بمعدل 8 في المئة سنوياً خلال تسعينيات القرن العشرين.
أما على مستوى الابتكار والتوريد، فقد أصدر مكتب براءات الاختراع الأميركي 151 ألف براءة اختراع، من بينها أكثر من 13 ألف براءة تصميم ونحو 800 براءة متعلقة بالنباتات. وبإجمالي يقارب 143 ألف براءة صادرة في عام 2005، إضافة إلى تسجيل نحو 104 آلاف علامة تجارية، يتضح حجم الزخم الذي تشهده منظومة الملكية الفكرية الأميركية.
ووفقاً لبيانات البنك الدولي، تضم قائمة أكبر الاقتصادات الوطنية من حيث إجمالي الناتج المحلي، بعد الولايات المتحدة، كلاً من اليابان وألمانيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا والبرازيل. ولم يشهد هذا التصنيف تغيرات جوهرية خلال السنوات الماضية، باستثناء النمو الاستثنائي الذي حققته الصين. ويعكس ترتيب الاقتصادات الإبداعية إلى حدٍّ كبير حجم الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة، وإنْ كان ذلك مصحوباً بدرجات متفاوتة من التباين.
وتتميز هذه الدول بمستويات مرتفعة من الإنفاق على البحث والتطوير، إلى جانب معدلات استهلاك عالية لما يُعرف بالحاجات الثانوية، مثل الصحف ووسائل الترفيه الإلكترونية والكتب المصورة. ففي اليابان، على سبيل المثال، تجاوزت مبيعات القصص المصورة من نوع «المانغا» 700 مليار ين، أي ما يعادل نحو 5.9 مليار دولار، في عام 2005. كما تسجل ألمانيا إنفاقاً مرتفعاً على البحث والتطوير ووسائل الإعلام الشعبية، غير أن حجم الإنتاج الإبداعي، إلى جانب معدلات التصدير في كل من اليابان وألمانيا وإيطاليا، يظل أدنى مما هو عليه في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. أما البرازيل، فلا تزال في مؤخرة هذا التصنيف، إذ يعتمد الجزء الأكبر من ناتجها المحلي على الصناعات الغذائية والسلع التحويلية.
وعلى مستوى القارة الأوروبية، تظهر أوروبا عموماً قوة واضحة في مجالي الإبداع والاختراع. فقد أظهرت دراسات صادرة عن الاتحاد الأوروبي في عام 2006 أن الأوروبيين يميلون إلى العمل في الصناعات الإبداعية بدرجة أكبر من ميلهم إلى العمل في قطاعات مثل تجميع السيارات أو الزراعة أو غيرها من الأنشطة التصنيعية التقليدية. ويعمل في هذه الصناعات ما لا يقل عن 5.8 ملايين شخص، وهو عدد يفوق مجموع القوى العاملة في كل من اليونان وأيرلندا مجتمعتين.
وفي وقت كانت فيه فرص العمل داخل الاتحاد الأوروبي تتراجع بين عامي 2002 و2004، شهد قطاعا الإبداع والثقافة نمواً في فرص العمل بنسبة 1.85 في المئة. وتكشف إحصاءات أكثر دلالة أن العاملين في الصناعات الإبداعية يتمتعون بمستويات تعليمية أعلى من المتوسط، إذ يحمل نحو نصفهم شهادات جامعية، مقارنة بنحو ربع إجمالي القوة العاملة. كما أنهم أكثر ميلاً، بمرتين تقريباً، إلى العمل المستقل، ما يفرض عليهم الاعتماد على قدراتهم الذاتية، ليس فقط في الجانب الإبداعي، بل أيضاً في إدارة أعمالهم وشؤونهم المالية.
أما الصين، فقد تبنت على نحو متسارع مفاهيم الإبداع والابتكار، وإنْ ظلت أسواقها الوطنية حتى وقت قريب صغيرة ومجزأة. غير أن قيادات مدن كبرى مثل شنغهاي وبكين، إلى جانب مدن أخرى، تحركت بسرعة لدعم القطاعات الإبداعية وتشجيع رواد الأعمال المحليين. وغالباً ما تُمنح الأولوية للتصميم، ثم الحرف اليدوية، فالنشر، وصولاً إلى الإعلام والاتصالات الإلكترونية، ولا سيما تلك التي تستهدف فئة الشباب. وتجمع معظم التقديرات على أن الصين أصبحت في عام 2005 ثالث أكبر مصدر للمنتجات والخدمات الإبداعية في العالم، وهو تطور لافت في بلد لا يتحدث معظم سكانه لغته خارج حدوده.