تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وأداء‭ ‬القطاعات‭ ‬المتنامية

الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وأداء‭ ‬القطاعات‭ ‬المتنامية

يضع‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬الإرادة‭ ‬الصلبة‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإبداع،‭ ‬باعتبارها‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالصناعات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬وهي‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬صناعة‭ ‬يكون‭ ‬الإبداع‭ ‬مادتها‭ ‬الخام،‭ ‬ومنتجها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأعلى‭ ‬قيمة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المعطيات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بهذا‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬متفرقة‭ ‬وملتبسة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الإحاطة‭ ‬به‭ ‬مهمة‭ ‬معقدة‭.‬
فالإبداع‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المصانع‭ ‬أو‭ ‬المتاجر،‭ ‬بل‭ ‬يحيط‭ ‬بنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬تقريباً،‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬والصور‭ ‬إلى‭ ‬المنتجات‭ ‬المرخصة‭ ‬والماركات‭ ‬والعلامات‭ ‬التجارية‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬المعلومات،‭ ‬لكننا‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬نتعامل‭ ‬معها‭ ‬بالمقاييس‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬نستخدمها‭ ‬عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المادي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الغذاء‭ ‬أو‭ ‬الملابس‭. ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬ندرك‭ ‬وجود‭ ‬المنتجات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬يبقى‭ ‬تقييمها‭ ‬وقياس‭ ‬قيمتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أمراً‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة؛‭ ‬فمن‭ ‬السهل‭ ‬نسبياً‭ ‬تقدير‭ ‬ثمن‭ ‬قرص‭ ‬رقمي‭ ‬أو‭ ‬آلة،‭ ‬لكن‭ ‬تقييم‭ ‬حقوق‭ ‬النشر‭ ‬أو‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهما‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭.‬
ورغم‭ ‬الخطاب‭ ‬المتزايد‭ ‬حول‭ ‬أهمية‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإبداع‭ ‬واقتصاد‭ ‬الإنترنت،‭ ‬واصلت‭ ‬غالبية‭ ‬المؤسسات‭ ‬تركيزها‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭. ‬ولعل‭ ‬لهذا‭ ‬التوجه‭ ‬ما‭ ‬يبرره،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الضريبية،‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وبدرجة‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الخدمي،‭ ‬وبحد‭ ‬أدنى‭ ‬جداً‭ ‬على‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬على‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬أيضاً،‭ ‬حيث‭ ‬تكاد‭ ‬تغيب‭ ‬إحصاءات‭ ‬استيراد‭ ‬وتصدير‭ ‬المنتجات‭ ‬الإبداعية‭ ‬عن‭ ‬السجلات‭ ‬التجارية،‭ ‬كونها‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬أو‭ ‬الضرائب،‭ ‬وهو‭ ‬تجاهل‭ ‬قد‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬اقتصادية‭ ‬حقيقية‭.‬
ويستند‭ ‬إدراج‭ ‬أي‭ ‬صناعة‭ ‬ضمن‭ ‬لائحة‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬إلى‭ ‬مدى‭ ‬توافقها‭ ‬مع‭ ‬تعريف‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإبداع‭ ‬الوارد‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول،‭ ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬تلاقي‭ ‬المبادلات‭ ‬المالية‭ ‬مع‭ ‬المنتجات‭ ‬الإبداعية‭. ‬فالمنتج‭ ‬الإبداعي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سلعة‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬إبداعي،‭ ‬وأن‭ ‬يحمل‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قابلة‭ ‬للتبادل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬ترتبط،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬بأحد‭ ‬الأشكال‭ ‬الرئيسية‭ ‬للملكية‭ ‬الفكرية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬براءات‭ ‬اختراع‭ ‬أو‭ ‬حقوق‭ ‬نشر‭ ‬أو‭ ‬علامات‭ ‬وماركات‭ ‬تجارية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تجلت‭ ‬قيمتها‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مادية‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الأزياء‭ ‬والفنون‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬جرى‭ ‬استبعاد‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية،‭ ‬مثل‭ ‬الأسرار‭ ‬التجارية،‭ ‬بسبب‭ ‬عموميتها‭ ‬وابتعادها‭ ‬عن‭ ‬المقصد‭ ‬التحليلي‭ ‬لهذا‭ ‬الطرح‭.‬
وقد‭ ‬جرى‭ ‬تضمين‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬ضمن‭ ‬العمليات‭ ‬والمنتجات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬براءات‭ ‬اختراع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إدراج‭ ‬المنتجات‭ ‬النهائية‭ ‬الناتجة‭ ‬عنها‭. ‬وينطبق‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬احتساب‭ ‬عملية‭ ‬ابتكار‭ ‬العلامة‭ ‬ذاتها،‭ ‬دون‭ ‬المبيعات‭ ‬المتولدة‭ ‬عنها‭. ‬فتصميم‭ ‬شعار‭ ‬شركة‭ ‬كبرى‭ ‬يُعد‭ ‬عملاً‭ ‬إبداعياً،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬تسويق‭ ‬منتجاتها‭ ‬وبيعها‭ ‬للمستهلكين‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭. ‬ومع‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الفاصل‭ ‬يزداد‭ ‬ضبابية‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬تُعامل‭ ‬السلع‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ماركات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬منتجات،‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬منسجماً‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬التحليل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السليم‭.‬
النمو‭ ‬العالمي

على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬قُدِّرت‭ ‬القيمة‭ ‬المالية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الإبداع‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬7‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬مع‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬يقارب‭ ‬6‭ ‬في‭ ‬المئة‭. ‬وبالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬العالمي‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬44‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬فإن‭ ‬اقتصاد‭ ‬الإبداع‭ ‬كان‭ ‬يمثل‭ ‬قرابة‭ ‬6.1‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
وتتصدر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬الملكيات‭ ‬الفكرية‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2004‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬5‭ ‬و6‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬45‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الأميركي،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يتجاوز‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬تقارير‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬بنك‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفدرالي‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬استثمرت‭ ‬سنوياً‭ ‬قرابة‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬الثقافية‭ ‬غير‭ ‬الملموسة،‭ ‬وهو‭ ‬حجم‭ ‬استثمار‭ ‬يماثل‭ ‬ما‭ ‬يُضخ‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬الزراعة‭ ‬والمكننة‭.‬
وأكد‭ ‬الاتحاد‭ ‬العالمي‭ ‬للملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬الأميركية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬النشر‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قطاع‭ ‬صناعي‭ ‬آخر،‭ ‬متقدمة‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الكيميائية‭ ‬والطيران‭ ‬والمعادن‭ ‬والتجهيزات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والآلات‭ ‬الصناعية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬قطاعي‭ ‬الغذاء‭ ‬والمشروبات‭. ‬وخلال‭ ‬ثمانينيات‭ ‬وتسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬سجلت‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬سنوية‭ ‬بلغت‭ ‬6‭.‬3‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمعدل‭ ‬نمو‭ ‬وطني‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬2‭.‬7‭ ‬في‭ ‬المئة‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2006،‭ ‬أثارت‭ ‬شركة‭ ‬الاستشارات‭ ‬الأميركية‭ ‬ماكينزي‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬عندما‭ ‬خلصت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تتطلب‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المواهب،‭ ‬فيما‭ ‬ترتفع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬الجديدة‭. ‬كما‭ ‬تجاوزت‭ ‬صادرات‭ ‬الصناعات‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬455‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ثقلها‭ ‬المتزايد‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭.‬
وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬صنّف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬أميركي‭ ‬أنفسهم‭ ‬كفنانين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬بزيادة‭ ‬قدرها‭ ‬70‭ ‬ألفاً‭ ‬عن‭ ‬العام‭ ‬السابق،‭ ‬وفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬دائرة‭ ‬إحصاءات‭ ‬التشغيل‭. ‬وتشير‭ ‬المنظمة‭ ‬الأميركية‭ ‬للفنون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬9‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬2‭.‬9‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬العاملين،‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬458‭ ‬ألف‭ ‬منظمة‭ ‬فنية،‭ ‬تمثل‭ ‬نحو‭ ‬4‭.‬3‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وخلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬ارتفع‭ ‬عدد‭ ‬الكتّاب‭ ‬بنسبة‭ ‬30‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬بينما‭ ‬زاد‭ ‬عدد‭ ‬الموسيقيين‭ ‬بنحو‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬مقارنة‭ ‬بعام‭ ‬1970،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬إنفاق‭ ‬المستهلكين‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬فنون‭ ‬الأداء‭ ‬ينمو‭ ‬بمعدل‭ ‬8‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬سنوياً‭ ‬خلال‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الابتكار‭ ‬والتوريد،‭ ‬فقد‭ ‬أصدر‭ ‬مكتب‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬الأميركي‭ ‬151‭ ‬ألف‭ ‬براءة‭ ‬اختراع،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬ألف‭ ‬براءة‭ ‬تصميم‭ ‬ونحو‭ ‬800‭ ‬براءة‭ ‬متعلقة‭ ‬بالنباتات‭. ‬وبإجمالي‭ ‬يقارب‭ ‬143‭ ‬ألف‭ ‬براءة‭ ‬صادرة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬نحو‭ ‬104‭ ‬آلاف‭ ‬علامة‭ ‬تجارية،‭ ‬يتضح‭ ‬حجم‭ ‬الزخم‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬منظومة‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية‭ ‬الأميركية‭.‬
ووفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬تضم‭ ‬قائمة‭ ‬أكبر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إجمالي‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬بعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كلاً‭ ‬من‭ ‬اليابان‭ ‬وألمانيا‭ ‬والصين‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬والبرازيل‭. ‬ولم‭ ‬يشهد‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف‭ ‬تغيرات‭ ‬جوهرية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬باستثناء‭ ‬النمو‭ ‬الاستثنائي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬الصين‭. ‬ويعكس‭ ‬ترتيب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الإبداعية‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬كبير‭ ‬حجم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لكل‭ ‬دولة،‭ ‬وإنْ‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬مصحوباً‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬التباين‭.‬
وتتميز‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بمستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬معدلات‭ ‬استهلاك‭ ‬عالية‭ ‬لما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالحاجات‭ ‬الثانوية،‭ ‬مثل‭ ‬الصحف‭ ‬ووسائل‭ ‬الترفيه‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والكتب‭ ‬المصورة‭. ‬ففي‭ ‬اليابان،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تجاوزت‭ ‬مبيعات‭ ‬القصص‭ ‬المصورة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬المانغا‮»‬‭ ‬700‭ ‬مليار‭ ‬ين،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬5‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005‭. ‬كما‭ ‬تسجل‭ ‬ألمانيا‭ ‬إنفاقاً‭ ‬مرتفعاً‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الشعبية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإبداعي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬معدلات‭ ‬التصدير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬اليابان‭ ‬وألمانيا‭ ‬وإيطاليا،‭ ‬يظل‭ ‬أدنى‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭. ‬أما‭ ‬البرازيل،‭ ‬فلا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬مؤخرة‭ ‬هذا‭ ‬التصنيف،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬ناتجها‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬والسلع‭ ‬التحويلية‭.‬
وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬تظهر‭ ‬أوروبا‭ ‬عموماً‭ ‬قوة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬الإبداع‭ ‬والاختراع‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006‭ ‬أن‭ ‬الأوروبيين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ميلهم‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬تجميع‭ ‬السيارات‭ ‬أو‭ ‬الزراعة‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬التصنيعية‭ ‬التقليدية‭. ‬ويعمل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬5‭.‬8‭ ‬ملايين‭ ‬شخص،‭ ‬وهو‭ ‬عدد‭ ‬يفوق‭ ‬مجموع‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬اليونان‭ ‬وأيرلندا‭ ‬مجتمعتين‭.‬
وفي‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬تتراجع‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2002‭ ‬و2004،‭ ‬شهد‭ ‬قطاعا‭ ‬الإبداع‭ ‬والثقافة‭ ‬نمواً‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭.‬85‭ ‬في‭ ‬المئة‭. ‬وتكشف‭ ‬إحصاءات‭ ‬أكثر‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمستويات‭ ‬تعليمية‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المتوسط،‭ ‬إذ‭ ‬يحمل‭ ‬نحو‭ ‬نصفهم‭ ‬شهادات‭ ‬جامعية،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬ربع‭ ‬إجمالي‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭. ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬أكثر‭ ‬ميلاً،‭ ‬بمرتين‭ ‬تقريباً،‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬المستقل،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قدراتهم‭ ‬الذاتية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الإبداعي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أعمالهم‭ ‬وشؤونهم‭ ‬المالية‭.‬
أما‭ ‬الصين،‭ ‬فقد‭ ‬تبنت‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متسارع‭ ‬مفاهيم‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬وإنْ‭ ‬ظلت‭ ‬أسواقها‭ ‬الوطنية‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬صغيرة‭ ‬ومجزأة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قيادات‭ ‬مدن‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬شنغهاي‭ ‬وبكين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مدن‭ ‬أخرى،‭ ‬تحركت‭ ‬بسرعة‭ ‬لدعم‭ ‬القطاعات‭ ‬الإبداعية‭ ‬وتشجيع‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬المحليين‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تُمنح‭ ‬الأولوية‭ ‬للتصميم،‭ ‬ثم‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية،‭ ‬فالنشر،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الإعلام‭ ‬والاتصالات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭. ‬وتجمع‭ ‬معظم‭ ‬التقديرات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬ثالث‭ ‬أكبر‭ ‬مصدر‭ ‬للمنتجات‭ ‬والخدمات‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬لافت‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬معظم‭ ‬سكانه‭ ‬لغته‭ ‬خارج‭ ‬حدوده‭.‬

رجوع لأعلى