تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البيتكوين‭ ‬تتماسك‭ ‬رغم‭ ‬التوترات‭.. ‬والعملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تختبر‭ ‬أعصاب‭ ‬المستثمرين

البيتكوين‭ ‬تتماسك‭ ‬رغم‭ ‬التوترات‭.. ‬والعملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تختبر‭ ‬أعصاب‭ ‬المستثمرين

استقر‭ ‬سعر‭ ‬البيتكوين‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬تداولات‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬منهياً‭ ‬الأسبوع‭ ‬على‭ ‬تغير‭ ‬محدود‭ ‬للغاية،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬توازن‭ ‬حذر‭ ‬بين‭ ‬قوتين‭ ‬متعارضتين‭: ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬الاستثماري‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬البديلة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الاضطراب،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وتشدد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأمريكية‭.‬
وبلغ‭ ‬سعر‭ ‬البيتكوين‭ ‬نحو‭ ‬66‭,‬654‭.‬7‭ ‬دولار‭ ‬عند‭ ‬الساعة‭ ‬6‭:‬19‭ ‬صباحاً‭ ‬بتوقيت‭ ‬غرينتش،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يواصل‭ ‬التحرك‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬ضيق‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬تداولات‭ ‬السبت،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬بدت‭ ‬فيه‭ ‬السوق‭ ‬المشفرة‭ ‬وكأنها‭ ‬تعيد‭ ‬تسعير‭ ‬المشهد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬موجات‭ ‬الاندفاع‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬أداءها‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬تحركات‭ ‬البيتكوين‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬بدت‭ ‬محدودة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإغلاق‭ ‬الأسبوعي،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هادئة‭ ‬فعلياً‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬العملة‭ ‬تقلبات‭ ‬واضحة‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع،‭ ‬ونجحت‭ ‬لفترة‭ ‬وجيزة‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬68‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬إشارات‭ ‬أولية‭ ‬أوحت‭ ‬بأن‭ ‬التوترات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬قد‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬نسبي‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬لم‭ ‬تصمد‭ ‬طويلاً‭. ‬فسرعان‭ ‬ما‭ ‬تبخرت‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬نبرة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة،‭ ‬بعد‭ ‬تصريحات‭ ‬أكثر‭ ‬عدوانية‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تجاه‭ ‬إيران،‭ ‬ما‭ ‬أعاد‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬فرضية‭ ‬التصعيد‭ ‬المفتوح،‭ ‬ودفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تحملها‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭.‬
البيتكوين‭ ‬بين‭ ‬سرديتين‭ ‬متناقضتين

يعكس‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬طبيعة‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لسوق‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية،‭ ‬حيث‭ ‬تتنازع‭ ‬البيتكوين‭ ‬سرديتان‭ ‬مختلفتان‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬
السردية‭ ‬الأولى‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬البيتكوين‭ ‬أصلاً‭ ‬بديلاً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬التقليدي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬والسياسات‭ ‬الحكومية‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬البيتكوين‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬معينة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تحوط‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ذهب‭ ‬رقمي‮»‬‭ ‬يلجأ‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬عند‭ ‬اشتداد‭ ‬الضبابية‭.‬
أما‭ ‬السردية‭ ‬الثانية،‭ ‬وهي‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬السوق‭ ‬الفعلي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فتنظر‭ ‬إلى‭ ‬البيتكوين‭ ‬وبقية‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أصولاً‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر،‭ ‬تتحرك‭ ‬غالباً‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬الأسهم‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والأصول‭ ‬الحساسة‭ ‬للسيولة‭. ‬وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬عوائد‭ ‬السندات،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تشدد‭ ‬في‭ ‬الفائدة،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬شهية‭ ‬المخاطرة‭ ‬العالمية،‭ ‬ينعكس‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأصول،‭ ‬لا‭ ‬دعم‭ ‬لها‭.‬
والأسبوع‭ ‬الأخير‭ ‬قدّم‭ ‬نموذجاً‭ ‬واضحاً‭ ‬لهذا‭ ‬التناقض‭. ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬نظرياً‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬من‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬بوصفها‭ ‬‮«‬بدائل‭ ‬للنظام‭ ‬التقليدي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلياً‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاطر‭ ‬دفع‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬التمسك‭ ‬بالنقد‭ ‬والدولار‭ ‬والأدوات‭ ‬الآمنة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬الانكشاف‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬متقلبة‭ ‬بطبيعتها‭.‬

بيانات‭ ‬الوظائف‭ ‬الأمريكية‭ ‬تربك‭ ‬السوق

ولم‭ ‬يكن‭ ‬العامل‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قيد‭ ‬أداء‭ ‬السوق‭ ‬الرقمية‭. ‬فقد‭ ‬جاءت‭ ‬بيانات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتضيف‭ ‬طبقة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬التعقيد،‭ ‬بعدما‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتفظ‭ ‬بقدر‭ ‬ملحوظ‭ ‬من‭ ‬الصلابة‭.‬
فقد‭ ‬أضاف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬178‭ ‬ألف‭ ‬وظيفة‭ ‬في‭ ‬مارس،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تراجع‭ ‬معدل‭ ‬البطالة‭ ‬إلى‭ ‬4‭.‬3‭ %‬،‭ ‬وهي‭ ‬أرقام‭ ‬بدت‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬المتوقع،‭ ‬وعززت‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمره‭ ‬لخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬حساسية‭ ‬السوق‭ ‬الرقمية‭. ‬فالعملات‭ ‬المشفرة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬البيتكوين،‭ ‬استفادت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬الرهانات‭ ‬على‭ ‬تراجع‭ ‬الفائدة‭ ‬وتوافر‭ ‬السيولة،‭ ‬لأن‭ ‬انخفاض‭ ‬العائد‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬التقليدية‭ ‬يدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬أعلى‭ ‬مخاطرة‭ ‬وأكثر‭ ‬جاذبية‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬تأتي‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قوية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬احتمال‭ ‬بقاء‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬ضغطاً‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬خبراً‭ ‬جيداً‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالضرورة‭ ‬خبراً‭ ‬جيداً‭ ‬لسوق‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬يراقبون‭ ‬فقط‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بل‭ ‬يراقبون‭ ‬بشكل‭ ‬أدق‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬ستؤجل‭ ‬دورة‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي،‭ ‬وتُبقي‭ ‬الدولار‭ ‬والعوائد‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭.‬
استقرار‭ ‬البدائل‮…‬‭ ‬ولكن‭ ‬بلا‭ ‬اندفاعة

هذا‭ ‬المزاج‭ ‬الحذر‭ ‬انعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬البديلة،‭ ‬التي‭ ‬فضلت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬التحرك‭ ‬داخل‭ ‬نطاقات‭ ‬محدودة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬إشارات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬جديدة‭.‬
فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬الإيثر،‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬عملة‭ ‬رقمية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بنسبة‭ ‬طفيفة‭ ‬بلغت‭ ‬0‭.‬4‭ % ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬2058‭.‬92‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬ارتفاع‭ ‬محدود‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬تماسكها‭ ‬النسبي‭ ‬فوق‭ ‬مستويات‭ ‬الدعم‭ ‬النفسية‭ ‬المهمة‭.‬
وتحظى‭ ‬الإيثر‭ ‬بمتابعة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬فقط‭ ‬أصلاً‭ ‬رقمياً‭ ‬للمضاربة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬لجزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬تطبيقات‭ ‬التمويل‭ ‬اللامركزي‭ ‬والعقود‭ ‬الذكية‭ ‬والمشاريع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتوكنات‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬استقرارها‭ ‬يُقرأ‭ ‬عادة‭ ‬كإشارة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬تخارج‭ ‬جماعي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬تُظهر‭ ‬الزخم‭ ‬الكافي‭ ‬لتأكيد‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬واسعة‭.‬
أما‭ ‬الريبل‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬32‭ ‬دولار،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬التحركات‭ ‬الانتقائية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬استقرت‭ ‬سولانا‭ ‬فوق‭ ‬80‭ ‬دولاراً،‭ ‬محافظة‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬بدت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬ثبات‭ ‬تكتيكي‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬هيكلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬محفزات‭ ‬نقدية‭ ‬أو‭ ‬تنظيمية‭ ‬قوية‭ ‬تدفع‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭.‬

سوق‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‮…‬‭ ‬ولكن‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية

أحد‭ ‬الجوانب‭ ‬اللافتة‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬السوق‭ ‬الرقمية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الهيكلية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬للعوامل‭ ‬الكلية‭ ‬العالمية‭.‬
ففي‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة،‭ ‬كانت‭ ‬تحركاتها‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلي،‭ ‬مدفوعة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬بالمضاربة،‭ ‬أو‭ ‬قصص‭ ‬التقنية،‭ ‬أو‭ ‬تدفقات‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬اندماجاً‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬دخول‭ ‬مؤسسات‭ ‬استثمارية‭ ‬كبرى،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬توسع‭ ‬المنتجات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعامل‭ ‬المستثمرين‭ ‬معها‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬سلة‭ ‬الأصول‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تتأثر‭ ‬بالعوائد‭ ‬والسيولة‭ ‬والدولار‭ ‬والفائدة‭.‬
وهذا‭ ‬التطور‭ ‬له‭ ‬وجهان‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬منح‭ ‬السوق‭ ‬المشفرة‭ ‬شرعية‭ ‬أوسع‭ ‬وأدخل‭ ‬إليها‭ ‬سيولة‭ ‬مؤسسية‭ ‬أكبر‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬جعلها‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بحركة‭ ‬الماكرو‭ ‬العالمية،‭ ‬أي‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وأسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬والحروب،‭ ‬والتضخم،‭ ‬والديناميكيات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تحديداً،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬البيتكوين‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تماسك‭ ‬دون‭ ‬اندفاع‭. ‬فالسوق‭ ‬لم‭ ‬تتلقَّ‭ ‬صدمة‭ ‬مباشرة‭ ‬تبرر‭ ‬هبوطاً‭ ‬حاداً،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬داعمة‭ ‬تكفي‭ ‬لإطلاق‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬قوية‭.‬

هل‭ ‬تصبح‭ ‬الحرب‭ ‬داعماً‭ ‬للبيتكوين؟

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يتكرر‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المستثمرين‭ ‬الآن‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬للحرب‭ ‬أو‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أن‭ ‬تدعم‭ ‬البيتكوين‭ ‬فعلاً؟
الإجابة‭ ‬ليست‭ ‬بسيطة‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬البيتكوين‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬إذا‭ ‬ارتبطت‭ ‬هذه‭ ‬الاضطرابات‭ ‬بتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬العملات‭ ‬التقليدية،‭ ‬أو‭ ‬بزيادة‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬الأموال،‭ ‬أو‭ ‬بارتفاع‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬التسييس‭ ‬المالي‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬أخرى‭ ‬–‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تتسبب‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬الدولار‭ ‬والعوائد‭ ‬الأمريكية‭ ‬–‭ ‬فإن‭ ‬الأثر‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬سلبياً‭ ‬على‭ ‬البيتكوين،‭ ‬لأنها‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أصلاً‭ ‬حساساً‭ ‬للسيولة‭ ‬والمخاطرة‭. ‬
وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الراهنة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مختلطاً‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬تخلق‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬مناخاً‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬احتياطياتهم‭ ‬وأصولهم‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬يرفع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬ويؤخر‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة،‭ ‬ويزيد‭ ‬قوة‭ ‬الدولار،‭ ‬سيكون‭ ‬على‭ ‬الأرجح‭ ‬عاملاً‭ ‬ضاغطاً‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭.‬

المستثمرون‭ ‬يترقبون‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬
أبعد‭ ‬من‭ ‬الشاشات
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬لا‭ ‬يراقبون‭ ‬فقط‭ ‬الرسوم‭ ‬البيانية‭ ‬أو‭ ‬مستويات‭ ‬الدعم‭ ‬والمقاومة،‭ ‬بل‭ ‬يتابعون‭ ‬أيضاً‭ ‬ثلاثة‭ ‬ملفات‭ ‬أساسية‭ ‬باتت‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬للسوق‭:‬
أولاً‭: ‬مسار‭ ‬الحرب‭ ‬والتوترات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية
أي‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬التصعيد‭ ‬أو‭ ‬تهدئة‭ ‬ممرات‭ ‬الطاقة‭ ‬قد‭ ‬تمنح‭ ‬السوق‭ ‬بعض‭ ‬الارتياح،‭ ‬بينما‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬البيتكوين‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬مستويات‭ ‬أقل‭.‬

ثانياً‭: ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأمريكية
فإذا‭ ‬استمرت‭ ‬بيانات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬مفاجأة‭ ‬الأسواق‭ ‬بالقوة،‭ ‬فقد‭ ‬تتراجع‭ ‬رهانات‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يبقي‭ ‬الضغط‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭.‬

ثالثاً‭: ‬حركة‭ ‬الدولار‭ ‬والعوائد
لأن‭ ‬قوة‭ ‬الدولار‭ ‬وارتفاع‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬الأمريكية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يقلصان‭ ‬جاذبية‭ ‬الأصول‭ ‬البديلة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭.‬

اختبار‭ ‬أعصاب‭ ‬جماعي

البيتكوين‭ ‬والعملات‭ ‬الرقمية‭ ‬أنهت‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أشبه‭ ‬بـاختبار‭ ‬أعصاب‭ ‬جماعي‭.‬
فالأسواق‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬الآن‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬المضاربة‭ ‬والتقنية،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬حرب،‭ ‬ونفط،‭ ‬وفائدة،‭ ‬ودولار،‭ ‬وسياسة‭ ‬عالمية‭ ‬متقلبة‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭ ‬فقط‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬ستذهب‭ ‬الأسعار؟‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الصبر‭ ‬حتى‭ ‬تتضح‭ ‬الصورة؟

رجوع لأعلى