البيتكوين تتماسك رغم التوترات.. والعملات المشفرة تختبر أعصاب المستثمرين
استقر سعر البيتكوين بشكل ملحوظ في ختام تداولات يوم الجمعة، منهياً الأسبوع على تغير محدود للغاية، في إشارة إلى أن أكبر الأصول الرقمية في العالم دخلت مرحلة توازن حذر بين قوتين متعارضتين: من جهة، استمرار الطلب الاستثماري على الأصول البديلة في أوقات الاضطراب، ومن جهة أخرى، تصاعد الضغوط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وتشدد السياسة النقدية الأمريكية.
وبلغ سعر البيتكوين نحو 66,654.7 دولار عند الساعة 6:19 صباحاً بتوقيت غرينتش، قبل أن يواصل التحرك في نطاق ضيق مع بداية تداولات السبت، في وقت بدت فيه السوق المشفرة وكأنها تعيد تسعير المشهد العالمي على أساس أكثر واقعية، بعيداً عن موجات الاندفاع السريعة التي طبعت أداءها في مراحل سابقة.
ورغم أن تحركات البيتكوين خلال الأيام الماضية بدت محدودة على مستوى الإغلاق الأسبوعي، فإن السوق لم تكن هادئة فعلياً. فقد شهدت العملة تقلبات واضحة خلال الأسبوع، ونجحت لفترة وجيزة في الصعود إلى ما يقارب 68 ألف دولار، مستفيدة من إشارات أولية أوحت بأن التوترات في الشرق الأوسط قد تتجه إلى احتواء نسبي أو على الأقل إلى تجنب مزيد من التصعيد المباشر بين الولايات المتحدة وإيران.
غير أن هذه المكاسب لم تصمد طويلاً. فسرعان ما تبخرت مع عودة الخطاب السياسي الأمريكي إلى نبرة أكثر حدة، بعد تصريحات أكثر عدوانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، ما أعاد إلى الأسواق فرضية التصعيد المفتوح، ودفع المستثمرين إلى إعادة النظر في حجم المخاطر التي يمكن تحملها في المدى القريب.
البيتكوين بين سرديتين متناقضتين
يعكس هذا الأداء طبيعة المرحلة الحالية بالنسبة لسوق العملات الرقمية، حيث تتنازع البيتكوين سرديتان مختلفتان في آن واحد.
السردية الأولى ترى في البيتكوين أصلاً بديلاً يمكن أن يستفيد من تراجع الثقة في النظام المالي التقليدي، أو من تصاعد المخاطر الجيوسياسية، أو من الشكوك المرتبطة بالدولار والسياسات الحكومية. ووفق هذا المنطق، قد تبدو البيتكوين في أوقات معينة أقرب إلى أداة تحوط أو «ذهب رقمي» يلجأ إليه بعض المستثمرين عند اشتداد الضبابية.
أما السردية الثانية، وهي الأكثر حضوراً في سلوك السوق الفعلي خلال السنوات الأخيرة، فتنظر إلى البيتكوين وبقية العملات المشفرة باعتبارها أصولاً عالية المخاطر، تتحرك غالباً في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه الأسهم التكنولوجية والأصول الحساسة للسيولة. وبذلك، فإن أي ارتفاع في عوائد السندات، أو أي تشدد في الفائدة، أو أي تراجع في شهية المخاطرة العالمية، ينعكس عادة في صورة ضغط على هذه الأصول، لا دعم لها.
والأسبوع الأخير قدّم نموذجاً واضحاً لهذا التناقض. فبينما كان يمكن نظرياً أن تستفيد العملات المشفرة من التوترات الجيوسياسية بوصفها «بدائل للنظام التقليدي»، فإن ما حدث فعلياً هو أن تصاعد المخاطر دفع شريحة واسعة من المستثمرين إلى التمسك بالنقد والدولار والأدوات الآمنة، بدلاً من زيادة الانكشاف على أصول متقلبة بطبيعتها.
بيانات الوظائف الأمريكية تربك السوق
ولم يكن العامل الجيوسياسي وحده هو ما قيد أداء السوق الرقمية. فقد جاءت بيانات سوق العمل الأمريكية لتضيف طبقة أخرى من التعقيد، بعدما أظهرت أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يحتفظ بقدر ملحوظ من الصلابة.
فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 178 ألف وظيفة في مارس، في حين تراجع معدل البطالة إلى 4.3 %، وهي أرقام بدت أقوى من المتوقع، وعززت الانطباع بأن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد لا يكون في عجلة من أمره لخفض أسعار الفائدة.
وهنا تكمن حساسية السوق الرقمية. فالعملات المشفرة، وعلى رأسها البيتكوين، استفادت في فترات سابقة من الرهانات على تراجع الفائدة وتوافر السيولة، لأن انخفاض العائد على الأدوات التقليدية يدفع المستثمرين إلى البحث عن فرص أعلى مخاطرة وأكثر جاذبية. لكن عندما تأتي البيانات الاقتصادية قوية، فإن ذلك يعيد إلى الواجهة احتمال بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يشكل ضغطاً غير مباشر على الأصول الرقمية.
وبالتالي، فإن ما بدا للوهلة الأولى خبراً جيداً للاقتصاد الأمريكي، لم يكن بالضرورة خبراً جيداً لسوق العملات المشفرة. فالمستثمرون في هذا السوق لا يراقبون فقط قوة الاقتصاد، بل يراقبون بشكل أدق ما إذا كانت هذه القوة ستؤجل دورة التيسير النقدي، وتُبقي الدولار والعوائد الأمريكية في موقع القوة.
استقرار البدائل… ولكن بلا اندفاعة
هذا المزاج الحذر انعكس أيضاً على أداء العملات الرقمية البديلة، التي فضلت هي الأخرى التحرك داخل نطاقات محدودة دون أن تقدم إشارات واضحة على دخول موجة صعود جديدة.
فقد ارتفعت الإيثر، ثاني أكبر عملة رقمية في العالم، بنسبة طفيفة بلغت 0.4 % لتصل إلى نحو 2058.92 دولار، وهو ارتفاع محدود لكنه يعكس استمرار تماسكها النسبي فوق مستويات الدعم النفسية المهمة.
وتحظى الإيثر بمتابعة خاصة من المستثمرين لأنها لا تمثل فقط أصلاً رقمياً للمضاربة، بل أيضاً البنية الأساسية لجزء كبير من تطبيقات التمويل اللامركزي والعقود الذكية والمشاريع المرتبطة بتوكنات الأصول الرقمية. ولذلك، فإن استقرارها يُقرأ عادة كإشارة على أن السوق لم تدخل بعد مرحلة تخارج جماعي، لكنها في الوقت نفسه لا تُظهر الزخم الكافي لتأكيد موجة صعود واسعة.
أما الريبل فقد ارتفعت إلى نحو 1.32 دولار، مستفيدة من بعض التحركات الانتقائية، في حين استقرت سولانا فوق 80 دولاراً، محافظة على جزء من المكاسب التي راكمتها خلال الأشهر الماضية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات بدت أقرب إلى ثبات تكتيكي منها إلى موجة صعود هيكلية، خصوصاً في ظل غياب محفزات نقدية أو تنظيمية قوية تدفع السوق إلى الأمام.
سوق أكثر نضجاً… ولكن أكثر حساسية
أحد الجوانب اللافتة في سلوك السوق الرقمية خلال هذه المرحلة هو أنها أصبحت أكثر نضجاً من الناحية الهيكلية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حساسية للعوامل الكلية العالمية.
ففي المراحل الأولى من عمر العملات المشفرة، كانت تحركاتها كثيراً ما تبدو منفصلة عن الاقتصاد الكلي، مدفوعة إلى حد بعيد بالمضاربة، أو قصص التقنية، أو تدفقات المستثمرين الأفراد. أما اليوم، فقد أصبحت هذه السوق أكثر اندماجاً في النظام المالي العالمي، سواء عبر دخول مؤسسات استثمارية كبرى، أو عبر توسع المنتجات الاستثمارية المرتبطة بها، أو من خلال تعامل المستثمرين معها كجزء من سلة الأصول العالمية التي تتأثر بالعوائد والسيولة والدولار والفائدة.
وهذا التطور له وجهان. فمن جهة، منح السوق المشفرة شرعية أوسع وأدخل إليها سيولة مؤسسية أكبر. ومن جهة أخرى، جعلها أكثر ارتباطاً بحركة الماكرو العالمية، أي أكثر عرضة لتقلبات السياسة النقدية، وأسعار الطاقة، والحروب، والتضخم، والديناميكيات الجيوسياسية.
ولهذا السبب تحديداً، لم يكن غريباً أن تنهي البيتكوين الأسبوع في حالة تماسك دون اندفاع. فالسوق لم تتلقَّ صدمة مباشرة تبرر هبوطاً حاداً، لكنها في الوقت نفسه لم تحصل على بيئة داعمة تكفي لإطلاق موجة صعود قوية.
هل تصبح الحرب داعماً للبيتكوين؟
السؤال الذي يتكرر كثيراً في أوساط المستثمرين الآن هو: هل يمكن للحرب أو التوترات الجيوسياسية أن تدعم البيتكوين فعلاً؟
الإجابة ليست بسيطة. ففي بعض الحالات، يمكن أن تستفيد البيتكوين من الاضطرابات إذا ارتبطت هذه الاضطرابات بتراجع الثقة في العملات التقليدية، أو بزيادة القيود على حركة الأموال، أو بارتفاع المخاوف من التسييس المالي. لكن في حالات أخرى – خصوصاً عندما تتسبب الأزمة في ارتفاع الدولار والعوائد الأمريكية – فإن الأثر قد يكون سلبياً على البيتكوين، لأنها تبقى في نهاية المطاف أصلاً حساساً للسيولة والمخاطرة.
وفي الحالة الراهنة، يبدو أن الأثر لا يزال مختلطاً. فمن جهة، تخلق الحرب في الشرق الأوسط مناخاً عاماً من عدم اليقين قد يدفع بعض المستثمرين إلى تنويع احتياطياتهم وأصولهم. لكن من جهة أخرى، فإن أي تصعيد يرفع أسعار النفط، ويؤخر خفض الفائدة، ويزيد قوة الدولار، سيكون على الأرجح عاملاً ضاغطاً على العملات المشفرة.
المستثمرون يترقبون ما هو
أبعد من الشاشات
ولهذا، فإن المستثمرين في سوق العملات الرقمية لا يراقبون فقط الرسوم البيانية أو مستويات الدعم والمقاومة، بل يتابعون أيضاً ثلاثة ملفات أساسية باتت تتحكم في الاتجاه العام للسوق:
أولاً: مسار الحرب والتوترات الأمريكية الإيرانية
أي إشارات إلى احتواء التصعيد أو تهدئة ممرات الطاقة قد تمنح السوق بعض الارتياح، بينما أي تصعيد جديد قد يعيد البيتكوين إلى اختبار مستويات أقل.
ثانياً: السياسة النقدية الأمريكية
فإذا استمرت بيانات الاقتصاد الأمريكي في مفاجأة الأسواق بالقوة، فقد تتراجع رهانات خفض الفائدة، وهو ما قد يبقي الضغط قائماً على العملات المشفرة.
ثالثاً: حركة الدولار والعوائد
لأن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية غالباً ما يقلصان جاذبية الأصول البديلة، بما فيها العملات الرقمية.
اختبار أعصاب جماعي
البيتكوين والعملات الرقمية أنهت الأسبوع في وضع أشبه بـاختبار أعصاب جماعي.
فالأسواق لا تتعامل الآن فقط مع المضاربة والتقنية، بل مع حرب، ونفط، وفائدة، ودولار، وسياسة عالمية متقلبة. وفي مثل هذه البيئة، لا يكون السؤال فقط: إلى أين ستذهب الأسعار؟ بل أيضًا: من يملك القدرة على الصبر حتى تتضح الصورة؟