التأمين والعقار يتصدران.. والتكنولوجيا خارج الكبار رغم النفوذ
في قلب الاقتصاد العالمي، لا تتوزع الإيرادات بالتساوي بين مختلف القطاعات، بل تتركّز في صناعات بعينها تقود حركة المال والاستثمار حول العالم. ومع أن عام 2026 لا يزال في مراحله الأولى، فإن المؤشرات الأولية تقدّم قراءة واضحة نسبياً لخريطة القطاعات الأكثر توليداً للإيرادات، وتعكس في الوقت ذاته التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي بعد سنوات من الاضطرابات، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا باضطرابات سلاسل الإمداد، وصولًا إلى تشديد السياسات النقدية وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
هذه المعطيات مجتمعة أسهمت في إعادة ترتيب أولويات الاستثمار عالمياً، وأعادت تسليط الضوء على قطاعات تقليدية أثبتت قدرتها على الصمود، إلى جانب بروز أدوار جديدة لقطاعات أخرى مدفوعة بالتحول الرقمي والتغيرات الديموغرافية.
القطاعات المتصدرة عالميًا: عودة إلى الأساسيات
تُظهر التقديرات أن قطاع التأمين على الحياة والصحة يتصدر قائمة أكبر القطاعات عالميًا من حيث الإيرادات المتوقعة خلال عام 2026، بإيرادات تصل إلى نحو 6.18 تريليون دولار. ويعكس هذا التقدم تحولاً واضحاً في سلوك الأفراد والشركات نحو تعزيز الحماية المالية، خصوصًا بعد التجربة العالمية مع الجائحة، التي رفعت مستوى الوعي بأهمية التأمين الصحي والتخطيط طويل الأجل. كما أن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية عالميًا، وتوسع التغطيات التأمينية في الأسواق الناشئة، ساهما في تعزيز نمو هذا القطاع.
في المرتبة الثانية، يأتي قطاع العقارات التجارية بإيرادات متوقعة تبلغ 5.60 تريليون دولار، مدفوعًا بجملة من العوامل المتداخلة. فالنقص المزمن في المعروض السكني في عدد من الاقتصادات الكبرى، إلى جانب التوسع في مشاريع البنية التحتية، وزيادة الطلب على المستودعات والمراكز اللوجستية المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، كلها عوامل عززت من جاذبية الاستثمار العقاري. وعلى الرغم من الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة، فإن القطاع أظهر مرونة ملحوظة بفضل الطلب الهيكلي المستمر.
أما صناديق التقاعد، التي تحتل المرتبة الثالثة بإيرادات تُقدّر بنحو 4.52 تريليون دولار، فتستفيد من اتجاهين رئيسيين: الأول هو التوسع في برامج الادخار التقاعدي سواء الإلزامية أو الاختيارية، والثاني هو تحسن أداء الأسواق المالية، ما ينعكس إيجابًا على عوائد هذه الصناديق. كما تلعب الشيخوخة المتزايدة للسكان في الدول المتقدمة دوراً حاسماً في تضخيم حجم الأصول المُدارة، ما يعزز من مكانة هذا القطاع في الاقتصاد العالمي.
الطاقة والصناعة: استمرارية رغم التحول
يحافظ قطاع النفط والغاز على حضوره القوي ضمن أكبر القطاعات عالمياً، بإيرادات متوقعة تبلغ 4.26 تريليون دولار. ورغم تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، فإن الطلب العالمي على الوقود الأحفوري لا يزال مرتفعاً، مدعوماً بالنمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة، وبطبيعة التحول التدريجي في مزيج الطاقة العالمي. كما أن التوترات الجيوسياسية أسهمت في إبقاء الأسعار عند مستويات داعمة لإيرادات الشركات.
ويوازيه تقريباً قطاع بيع السيارات بإيرادات تبلغ 4.25 تريليون دولار، ما يعكس استمرار قوة الطلب العالمي على المركبات، خاصة مع تحسن سلاسل التوريد بعد سنوات من الاضطراب. ويشهد القطاع تحولات هيكلية مهمة، أبرزها التوسع في إنتاج السيارات الكهربائية، وزيادة الاستثمارات في التقنيات الذكية وأنظمة القيادة الذاتية.
ويبرز كذلك قطاع تصنيع قطع غيار السيارات بإيرادات تبلغ 2.60 تريليون دولار، إلى جانب قطاع تصنيع السيارات نفسه الذي يسجل نحو 2.53 تريليون دولار، ما يعكس عمق سلاسل القيمة الصناعية وتشابكها، حيث تمتد آثار الطلب على المركبات إلى شبكة واسعة من الموردين والمصنعين حول العالم.
القطاع المالي: بين الفرص والقيود
تحتفظ البنوك التجارية بموقعها كأحد الأعمدة الرئيسية للنظام المالي العالمي، بإيرادات متوقعة تبلغ 3.79 تريليون دولار. ويستفيد القطاع من النشاط الاقتصادي العالمي ومن الطلب المستمر على التمويل، سواء للأفراد أو الشركات. كما ساهمت أسعار الفائدة المرتفعة نسبياً في تحسين هوامش الربحية لدى البنوك، إلا أنها في المقابل أدت إلى تباطؤ نمو الطلب على القروض، ما خلق حالة من التوازن بين الفرص والتحديات.
ويأتي قطاع التأمين العام بإيرادات تُقدّر بنحو 2.81 تريليون دولار، مدفوعاً بارتفاع الطلب على تغطية المخاطر المتزايدة، سواء المرتبطة بالتغير المناخي أو بالتقلبات الاقتصادية. وتلعب شركات التأمين دوراً متنامياً في إدارة المخاطر العالمية، ما يعزز من أهمية هذا القطاع في المشهد الاقتصادي.
الخدمات الهندسية والبنية التحتية: ركيزة للنمو
يسجل قطاع الخدمات الهندسية إيرادات تُقدّر بنحو 1.97 تريليون دولار، مستفيداً من استمرار الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والتطوير العمراني، لا سيما في الاقتصادات الناشئة التي تسعى إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية وتحسين جودة الحياة. كما أن التحول نحو المدن الذكية، والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، يوفران فرصًا إضافية لنمو هذا القطاع.
التكنولوجيا: تأثير واسع وإيرادات مجزأة
رغم التأثير الكبير الذي تمارسه شركات التكنولوجيا على مختلف القطاعات، فإن هذا القطاع لا يظهر ككيان موحد ضمن قائمة أكبر عشرة قطاعات من حيث الإيرادات. ويعود ذلك إلى طبيعته المتشعبة، حيث تتوزع أنشطته على مجالات متعددة.
ففي مقدمة القطاعات التكنولوجية، يأتي تصنيع الإلكترونيات الاستهلاكية بإيرادات متوقعة تبلغ 1.92 تريليون دولار، يليه قطاع الاتصالات اللاسلكية بنحو 1.86 تريليون دولار، ثم تصنيع أشباه الموصلات بإيرادات تصل إلى 1.67 تريليون دولار. كما تسجل خدمات الإنترنت نحو 0.92 تريليون دولار، والتكنولوجيا الحيوية نحو 0.81 تريليون دولار.
ويعكس هذا التوزع طبيعة الاقتصاد الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع مختلف الصناعات، بدلاً من أن تكون قطاعًا قائمًا بذاته فقط.