تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التجارة‭ ‬الرقمية‭.. ‬الوجه‭ ‬الجديد‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي

QDY…1311

منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬شهدت‭ ‬دراسات‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬نموّاً‭ ‬متزايداً،‭ ‬باعتبار‭ ‬القرار‭ ‬عنصراً‭ ‬مركزيّاً‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭. ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬التاريخ‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬أو‭ ‬نشاط‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬اتخذ‭ ‬أبعادًا‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والإدارية‭.‬
فعلماء‭ ‬النفس‭ ‬اتجهوا‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬الدوافع‭ ‬الخفية‭ ‬وراء‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬يتخذها‭ ‬الفرد،‭ ‬بينما‭ ‬ركز‭ ‬علماء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬المستهلك‭ ‬والمنتج‭ ‬والمستثمر‭. ‬أما‭ ‬علماء‭ ‬الإدارة،‭ ‬فانصرف‭ ‬اهتمامهم‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬تحسين‭ ‬أداء‭ ‬الأجهزة‭ ‬التنفيذية‭ ‬وترشيد‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ركزت‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬سلوك‭ ‬القوى‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬صنع‭ ‬السياسة‭.‬
وتجري‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬رئيسيين‭: ‬طرف‭ ‬يتولى‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬وبيئة‭ ‬تحتضن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬قبل‭ ‬صدوره‭ ‬وبعده‭. ‬ويتمثل‭ ‬الطرف‭ ‬المقرر،‭ ‬في‭ ‬الإطار‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأشخاص‭ ‬المخولين‭ ‬بالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬توجهاتها‭ ‬عبر‭ ‬الأفعال‭ ‬والقرارات،‭ ‬بينما‭ ‬تمتد‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالقرار‭ ‬في‭ ‬بعدين‭ ‬زماني‭ ‬ومكاني‭.‬
وتشمل‭ ‬البيئة‭ ‬السابقة‭ ‬للقرار‭ ‬ما‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬معطيات،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬نفسية‭ ‬أو‭ ‬موضوعية،‭ ‬كما‭ ‬تمتد‭ ‬البيئة‭ ‬اللاحقة‭ ‬للقرار‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬نفسية‭ ‬وموضوعية‭ ‬أخرى‭. ‬وتشكل‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬المتواصلة‭ ‬من‭ ‬المعطيات‭ ‬والتفاعلات‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬لعملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭.‬
ويعرّف‭ ‬ريتشارد‭ ‬سنايدر‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬بأنها‭ ‬عملية‭ ‬اجتماعية‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬اختيار‭ ‬مشكلة‭ ‬لتكون‭ ‬موضوعًا‭ ‬لقرار‭ ‬معين،‭ ‬وينتج‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬البدائل،‭ ‬يجري‭ ‬اختيار‭ ‬أحدها‭ ‬ووضعه‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ‭ ‬والتطبيق‭.‬
ويرى‭ ‬الدكتور‭ ‬إسماعيل‭ ‬صبري‭ ‬مقلد‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬تعني‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬صيغة‭ ‬عمل‭ ‬معقولة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬بدائل‭ ‬متعددة‭ ‬ومتنافسة،‭ ‬بحيث‭ ‬تستهدف‭ ‬القرارات‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬محددة‭ ‬أو‭ ‬تفادي‭ ‬نتائج‭ ‬غير‭ ‬مرغوبة‭.‬
وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬والقرار‭ ‬ذاته؛‭ ‬فعملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬من‭ ‬القرار،‭ ‬لأن‭ ‬القرار‭ ‬يمثل‭ ‬المخرجات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بموقف‭ ‬معين،‭ ‬بينما‭ ‬تشمل‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬جميع‭ ‬المدخلات‭ ‬والمخرجات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالموقف،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬القائم‭ ‬بينها‭.‬
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تمثل‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬مرحلة‭ ‬تهيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬وصياغة‭ ‬البدائل‭ ‬اللازمة‭ ‬لمعالجة‭ ‬مشكلة‭ ‬معينة،‭ ‬بينما‭ ‬يشير‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬البديل‭ ‬الأكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬أو‭ ‬البديل‭ ‬الأرجح‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬المطلوب‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬القرار‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬اختيار‭ ‬أحد‭ ‬البدائل‭ ‬المتاحة،‭ ‬وهو‭ ‬اختيار‭ ‬يخضع‭ ‬لتوجيه‭ ‬فريق‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬المستشارين‭ ‬الذين‭ ‬يوضحون‭ ‬لصانع‭ ‬القرار‭ ‬مزايا‭ ‬كل‭ ‬بديل‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬نتائج‭.‬

القرار‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الرقمية
ولكي‭ ‬يتلاءم‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الرقمي‭ ‬ومتغيراته،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مراعاة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأساسية‭.‬
أولها‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬القرار‭ ‬عملاً‭ ‬إراديّاً‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬صانع‭ ‬القرار،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تصميم‭ ‬واضح‭ ‬لجعله‭ ‬متوافقًا‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الرقمي‭ ‬ومتطلباته‭.‬
وثانيها‭ ‬وجود‭ ‬موقف‭ ‬أو‭ ‬مشكلة‭ ‬تواجه‭ ‬صانع‭ ‬القرار،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬أبعادها‭ ‬زمانيّاً‭ ‬ومكانيّاً‭ ‬وموضوعيّاً،‭ ‬مع‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬رقمي‭ ‬يأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬طبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬الجديدة‭.‬
أما‭ ‬الاعتبار‭ ‬الثالث،‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬انتقال‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬الإطار‭ ‬التصوري‭ ‬للبيئة‭ ‬السابقة،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬بعالم‭ ‬الغايات‭ ‬والأهداف،‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬الذي‭ ‬تفرضه‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬صانع‭ ‬القرار،‭ ‬بما‭ ‬يستوجب‭ ‬معالجتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أدوات‭ ‬إلكترونية‭ ‬ورقمية‭ ‬حديثة‭.‬
ينفتح‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬دور‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المحاور‭ ‬الأساسية،‭ ‬وأهمية‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للمؤسسات‭.‬

تأثير‭ ‬المؤسسات‭ ‬بالازمات‭ ‬العالمية
في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭ ‬إجراءات‭ ‬تشريعية‭ ‬سريعة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الالتزام‭ ‬بمعايير‭ ‬محاسبية‭ ‬ورقابية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬القرصنة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وحماية‭ ‬مصالح‭ ‬ملايين‭ ‬العمال‭ ‬والطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
وفي‭ ‬محاولة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬وإنقاذ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬لآليات‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الداخلية‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬علاقاتها‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬المخاطر‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬التحول‭ ‬الإلكتروني‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬القرصنة‭ ‬الرقمية‭.‬

الاعتبارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الرقمية‭ ‬
أدت‭ ‬التطورات‭ ‬العلمية‭ ‬المتسارعة‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬المعلومات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬كما‭ ‬عززت‭ ‬الأدوات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬والساعية‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬النفوذ‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬العالمية‭.‬
وباتت‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬أنظمة‭ ‬معلومات‭ ‬متطورة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قدرات‭ ‬علمية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬واسعة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أوجد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬الدور‭ ‬القيادي‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬
وقد‭ ‬امتد‭ ‬أثر‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وأنماط‭ ‬التحالفات‭ ‬والتوازنات‭ ‬السياسية،‭ ‬ومفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تأثيره‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬السياسية‭ ‬السائدة‭ ‬عالميّاً،‭ ‬مثل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والمركزية‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والمواطنة‭ ‬العالمية‭.‬
وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة،‭ ‬أصبح‭ ‬المتغير‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬متزايداً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬موقع‭ ‬الدول‭ ‬وترتيبها‭ ‬داخل‭ ‬الهرم‭ ‬الدولي،‭ ‬بحيث‭ ‬تتمتع‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بميزة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬المراكز‭ ‬القيادية‭ ‬عالميّاً‭.‬
وتختلف‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬الهرم‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية‭ ‬عن‭ ‬الهيمنة‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬السابق،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬عندما‭ ‬قامت‭ ‬الهيمنة‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬المباشر‭ ‬المدعوم‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والهيمنة‭ ‬الأيديولوجية،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬
وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬القطب‭ ‬المهيمن‭ ‬اقتصاديّاً،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬قوته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬وكانت‭ ‬الهيمنة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأمس‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬عسكري‭ ‬ومضمون‭ ‬سياسي‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬
أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬اكتسبت‭ ‬حسابات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الدولية‭ ‬طابعاً‭ ‬جديداً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬شبكات‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتوازنات‭ ‬السياسية،‭ ‬وفق‭ ‬صيغ‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬والتكامل‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭.‬
وأصبحت‭ ‬الدولة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬بلورة‭ ‬تحالفات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬قيادي‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬المهيمن‭ ‬بات‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬دولية‭ ‬تساند‭ ‬سياساته‭ ‬وتدعم‭ ‬مواقفه‭ ‬ضمن‭ ‬نسق‭ ‬تحالفي‭ ‬طويل‭ ‬الأثر‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬أصبح‭ ‬العامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬محوراً‭ ‬أساسيّاً‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬الدولية،‭ ‬وأخذ‭ ‬يؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المعاهدات‭ ‬السياسية‭ ‬والتوازنات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الثوابت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬ضمن‭ ‬مساعي‭ ‬تحديد‭ ‬موازين‭ ‬النفوذ‭ ‬الدولي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ومع‭ ‬إدراك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للتحديات‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأوروبية‭ ‬أمام‭ ‬هيمنتها‭ ‬العالمية،‭ ‬وتفاعلًا‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬المنافسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬أفرزتها‭ ‬الثورة‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬اتجهت‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬تحقق‭ ‬المنفعة‭ ‬لاقتصادها‭ ‬وطاقتها‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الامتيازات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬العسكري‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تجاه‭ ‬آسيا‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬التسعينيات‭.‬

المصالح‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الإلكترونية
لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬جماعات‭ ‬الضغط‭ ‬والمصالح‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للدول،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬صناعة‭ ‬قراراتها،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القرارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتدخل‭.‬
ويختلف‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬وتأثيرها‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬تبعاً‭ ‬للظروف‭ ‬السياسية‭ ‬وطبيعة‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭.‬
ويبدأ‭ ‬فهم‭ ‬مدى‭ ‬فاعلية‭ ‬جماعات‭ ‬الضغط‭ ‬والمصالح‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬نموها‭ ‬وترسيخ‭ ‬حضورها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬طبيعة‭ ‬تكوين‭ ‬المجتمع،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العوامل‭ ‬السياسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسلطة‭ ‬وتوزيع‭ ‬اختصاصاتها‭.‬

السياسات‭ ‬الداخلية‭ ‬للشركات‭ ‬
أصبحت‭ ‬الشركات،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التجارة‭ ‬والتسويق‭ ‬الإلكترونيين،‭ ‬تعمل‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬جديدة‭ ‬تشمل‭ ‬القطاعات‭ ‬الخدمية‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬المستمر‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬الرقمية‭.‬
ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬بات‭ ‬العالم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابها‭ ‬أمام‭ ‬الأفراد‭ ‬والحكومات،‭ ‬وتربط‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭ ‬وقطاعاتها‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متزايدة‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭.‬
ويمكن‭ ‬الاستدلال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬باعتباره‭ ‬نموذجًا‭ ‬مؤسسيًّا‭ ‬مهمًّا‭ ‬للتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭.‬
فالسياحة‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬مصدراً‭ ‬رئيسيّاً‭ ‬للدخل،‭ ‬ويمكن‭ ‬دعمها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬إنترنت‭ ‬تدار‭ ‬محليّاً،‭ ‬وتتيح‭ ‬للعملاء‭ ‬المحتملين‭ ‬البحث‭ ‬والحجز‭ ‬ودفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الرحلات‭ ‬والفنادق‭ ‬بالوسائل‭ ‬الإلكترونية‭.‬
ولم‭ ‬تعد‭ ‬السياحة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬مجرد‭ ‬خيار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ضرورة‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬الخدمات‭ ‬السياحية‭ ‬وتكاليفها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التطور‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والاتصالات،‭ ‬واشتداد‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الوجهات‭ ‬السياحية‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتضح‭ ‬أهمية‭ ‬السياحة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المنافع‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬لمنتجي‭ ‬الخدمات‭ ‬السياحية‭ ‬ومستهلكيها‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

رجوع لأعلى