التجارة الرقمية.. الوجه الجديد للاقتصاد العالمي
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت دراسات صنع القرار نموّاً متزايداً، باعتبار القرار عنصراً مركزيّاً في العملية السياسية. وقد ظهرت إشارات إلى مفهوم اتخاذ القرار في بعض الدراسات التي تناولت التاريخ الدبلوماسي أو نشاط المؤسسات الحكومية، إلا أن الاهتمام بهذا المفهوم اتخذ أبعادًا أكثر اتساعًا مع تطور العلوم الاجتماعية والاقتصادية والإدارية.
فعلماء النفس اتجهوا إلى دراسة الدوافع الخفية وراء القرارات التي يتخذها الفرد، بينما ركز علماء الاقتصاد على قرارات المستهلك والمنتج والمستثمر. أما علماء الإدارة، فانصرف اهتمامهم إلى كيفية تحسين أداء الأجهزة التنفيذية وترشيد عملية اتخاذ القرار، في حين ركزت العلوم السياسية على القرارات التي تعكس سلوك القوى المؤثرة في عمليات صنع السياسة.
وتجري عملية صنع القرار بين طرفين رئيسيين: طرف يتولى اتخاذ القرار، وبيئة تحتضن هذا القرار قبل صدوره وبعده. ويتمثل الطرف المقرر، في الإطار السياسي، في الدولة من خلال الأشخاص المخولين بالإفصاح عن توجهاتها عبر الأفعال والقرارات، بينما تمتد البيئة المحيطة بالقرار في بعدين زماني ومكاني.
وتشمل البيئة السابقة للقرار ما يتشكل في ذهن صانع القرار وما يحيط به من معطيات، سواء كانت ذات طبيعة نفسية أو موضوعية، كما تمتد البيئة اللاحقة للقرار إلى أبعاد نفسية وموضوعية أخرى. وتشكل هذه السلسلة المتواصلة من المعطيات والتفاعلات الإطار العام لعملية صنع القرار.
ويعرّف ريتشارد سنايدر عملية صنع القرار بأنها عملية اجتماعية يجري من خلالها اختيار مشكلة لتكون موضوعًا لقرار معين، وينتج عن هذا الاختيار عدد محدود من البدائل، يجري اختيار أحدها ووضعه موضع التنفيذ والتطبيق.
ويرى الدكتور إسماعيل صبري مقلد أن عملية صنع القرار تعني التوصل إلى صيغة عمل معقولة من بين بدائل متعددة ومتنافسة، بحيث تستهدف القرارات تحقيق أهداف محددة أو تفادي نتائج غير مرغوبة.
وهنا يبرز التمييز بين عملية صنع القرار والقرار ذاته؛ فعملية صنع القرار السياسي أوسع نطاقاً من القرار، لأن القرار يمثل المخرجات المرتبطة بموقف معين، بينما تشمل عملية صنع القرار جميع المدخلات والمخرجات المرتبطة بالموقف، إضافة إلى التفاعل القائم بينها.
ومن هذا المنطلق، تمثل عملية صنع القرار مرحلة تهيئة المعلومات وصياغة البدائل اللازمة لمعالجة مشكلة معينة، بينما يشير اتخاذ القرار إلى اختيار البديل الأكثر ملاءمة أو البديل الأرجح لتحقيق الهدف المطلوب.
وبالتالي، فإن القرار هو في جوهره اختيار أحد البدائل المتاحة، وهو اختيار يخضع لتوجيه فريق العمل أو المستشارين الذين يوضحون لصانع القرار مزايا كل بديل وما يترتب عليه من نتائج.
القرار في البيئة الرقمية
ولكي يتلاءم القرار السياسي مع النظام الرقمي ومتغيراته، لا بد من مراعاة مجموعة من الاعتبارات الأساسية.
أولها أن يكون القرار عملاً إراديّاً من جانب صانع القرار، يقوم على تصميم واضح لجعله متوافقًا مع الواقع الرقمي ومتطلباته.
وثانيها وجود موقف أو مشكلة تواجه صانع القرار، بحيث يمكن تحديد أبعادها زمانيّاً ومكانيّاً وموضوعيّاً، مع التعامل معها من منظور رقمي يأخذ في الاعتبار طبيعة البيئة الجديدة.
أما الاعتبار الثالث، فيتمثل في انتقال القرار من الإطار التصوري للبيئة السابقة، التي يمكن وصفها بعالم الغايات والأهداف، إلى الواقع العملي الذي تفرضه المشكلة التي تواجه صانع القرار، بما يستوجب معالجتها من خلال أدوات إلكترونية ورقمية حديثة.
ينفتح النقاش حول دور الشركات الكبرى في صناعة القرار داخل الدول ومؤسساتها على مجموعة من المحاور الأساسية، وأهمية الاعتبارات الاقتصادية الرقمية في السياسة الخارجية للمؤسسات.
تأثير المؤسسات بالازمات العالمية
في ظل الأزمات المالية التي مرت بها دول عديدة حول العالم، كان من المتوقع أن تتخذ المؤسسات السياسية إجراءات تشريعية سريعة تفرض على الشركات الالتزام بمعايير محاسبية ورقابية قادرة على الحد من القرصنة الإلكترونية من جهة، وحماية مصالح ملايين العمال والطبقة الوسطى من جهة أخرى.
وفي محاولة للحد من تداعيات هذه المرحلة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تبرز الحاجة إلى وضع حدود واضحة لآليات إدارة المؤسسات، بدءًا من الإدارة الداخلية وصولًا إلى علاقاتها الخارجية، بما يسمح بتحديد طبيعة المخاطر الناجمة عن التحول الإلكتروني واتساع نطاق القرصنة الرقمية.
الاعتبارات الاقتصادية الرقمية
أدت التطورات العلمية المتسارعة إلى إحداث تحولات عميقة في نظم المعلومات والتكنولوجيا المتقدمة، كما عززت الأدوات المستخدمة في السياسة الدولية والساعية إلى ترسيخ النفوذ والسيطرة على المستويات العالمية.
وباتت الدول الصناعية الأكثر تقدماً في مقدمة الدول التي تمتلك أنظمة معلومات متطورة، إلى جانب قدرات علمية وتكنولوجية واسعة، وهو ما أوجد مجموعة من المتغيرات التي عززت الدور القيادي لهذه الدول في النظام الدولي.
وقد امتد أثر التطور التكنولوجي على جميع المؤسسات، وأنماط التحالفات والتوازنات السياسية، ومفهوم الأمن القومي في إطاره الاستراتيجي، فضلًا عن تأثيره في القيم السياسية السائدة عالميّاً، مثل الديمقراطية والمركزية الأيديولوجية والمواطنة العالمية.
وعلى مستوى عناصر القوة الشاملة، أصبح المتغير التكنولوجي يؤدي دوراً متزايداً في تحديد موقع الدول وترتيبها داخل الهرم الدولي، بحيث تتمتع الدول الأكثر تقدماً في المجال التكنولوجي بميزة مهمة في التنافس على المراكز القيادية عالميّاً.
وتختلف الهيمنة على قمة الهرم الدولي في عصر المعلومات والاتصالات بصورة جوهرية عن الهيمنة التي سادت في العهد السابق، ولا سيما خلال المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، عندما قامت الهيمنة بصورة أساسية على النفوذ المباشر المدعوم بالقوة العسكرية والهيمنة الأيديولوجية، كما كان الحال بالنسبة إلى الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة.
وقد أظهرت التجربة أن هذا النمط من الهيمنة كان يقود في كثير من الأحيان إلى استنزاف القطب المهيمن اقتصاديّاً، بما ينعكس على قوته الاستراتيجية على المدى البعيد، وكانت الهيمنة الدولية في عالم الأمس ذات طابع عسكري ومضمون سياسي بالدرجة الأولى.
أما اليوم، فقد اكتسبت حسابات الهيمنة الدولية طابعاً جديداً يقوم على إقامة شبكات من المصالح الاقتصادية والتوازنات السياسية، وفق صيغ من التفاعل والتكامل بين الأطراف المختلفة.
وأصبحت الدولة القادرة على بلورة تحالفات قائمة على المصالح أكثر قدرة على الوصول إلى موقع قيادي على الصعيد العالمي، وهو ما يعني أن الطرف المهيمن بات بحاجة إلى أطراف دولية تساند سياساته وتدعم مواقفه ضمن نسق تحالفي طويل الأثر.
وفي هذا الإطار، أصبح العامل الاقتصادي محوراً أساسيّاً في التحالفات الدولية، وأخذ يؤدي دوراً مباشراً في إعادة تشكيل المعاهدات السياسية والتوازنات الاستراتيجية التي يشهدها العالم، وفي التأثير في الثوابت الاستراتيجية الكبرى ضمن مساعي تحديد موازين النفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، ومع إدراك الولايات المتحدة للتحديات الآسيوية والأوروبية أمام هيمنتها العالمية، وتفاعلًا مع متطلبات المنافسة الاقتصادية التي أفرزتها الثورة العلمية والتكنولوجية، اتجهت إلى البحث عن تحالفات دولية تحقق المنفعة لاقتصادها وطاقتها الإنتاجية، بدلًا من التركيز على الامتيازات ذات الطابع العسكري كما كان سائداً في السابق، وهو ما تجلى في السياسة الأمريكية تجاه آسيا منذ مطلع التسعينيات.
المصالح في البيئة الإلكترونية
لا يمكن إغفال التأثير الذي تمارسه جماعات الضغط والمصالح في رسم الإطار العام للسياسة الخارجية للدول، ولا سيما الدول الكبرى، وفي صناعة قراراتها، بما في ذلك القرارات المرتبطة بالتدخل.
ويختلف دور هذه الجماعات وتأثيرها من إدارة إلى أخرى، تبعاً للظروف السياسية وطبيعة المتغيرات التي تفرضها البيئة المحيطة.
ويبدأ فهم مدى فاعلية جماعات الضغط والمصالح في السياسة الخارجية من مجموعة من العوامل التي ساعدت على نموها وترسيخ حضورها، وفي مقدمتها طبيعة تكوين المجتمع، إلى جانب العوامل السياسية المرتبطة بالسلطة وتوزيع اختصاصاتها.
السياسات الداخلية للشركات
أصبحت الشركات، في ظل التجارة والتسويق الإلكترونيين، تعمل ضمن بيئة جديدة تشمل القطاعات الخدمية والإنتاجية، مستفيدة من الانتشار المستمر لوسائل التواصل في عصر المعلومات الرقمية.
ومع هذا التحول، بات العالم أقرب إلى قرية صغيرة تفتح أبوابها أمام الأفراد والحكومات، وتربط بين مؤسسات الدولة الواحدة وقطاعاتها العامة والخاصة، بما يخلق علاقات اقتصادية متزايدة الاعتماد على الأدوات الرقمية.
ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال قطاع السياحة باعتباره نموذجًا مؤسسيًّا مهمًّا للتحول الرقمي في مختلف الدول.
فالسياحة تمثل في بعض البلدان النامية مصدراً رئيسيّاً للدخل، ويمكن دعمها من خلال إنشاء شبكات إنترنت تدار محليّاً، وتتيح للعملاء المحتملين البحث والحجز ودفع تكاليف الرحلات والفنادق بالوسائل الإلكترونية.
ولم تعد السياحة الإلكترونية مجرد خيار، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة الخدمات السياحية وتكاليفها، إلى جانب التطور المستمر في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واشتداد المنافسة بين الوجهات السياحية.
ومن هنا تتضح أهمية السياحة الإلكترونية من خلال المنافع التي توفرها لمنتجي الخدمات السياحية ومستهلكيها على حد سواء.