تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والواقع

VD33

كما‭ ‬أشرنا‭ ‬في‭ ‬الحلقة‭ ‬السابقة،‭ ‬تقوم‭ ‬معظم‭ ‬الخطط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬تقديرات‭ ‬مالية‭ ‬دقيقة،‭ ‬إذ‭ ‬يبدأ‭ ‬المخطط‭ ‬بتحديد‭ ‬حجم‭ ‬الدخل‭ ‬المتاح‭ ‬ومستوى‭ ‬المدخرات،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬رسم‭ ‬توجهات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بمسار‭ ‬نمو‭ ‬الدخل‭. ‬ويستند‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬مثل‭ ‬معدل‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني‭ ‬إلى‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقدير‭ ‬الميل‭ ‬الحدي‭ ‬للادخار‭ ‬والاستيراد،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬احتساب‭ ‬مضاعف‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بالتغيرات‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬الدخل‭ ‬والواردات‭ ‬والمدخرات‭ ‬المحلية‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التقديرات‭ ‬المشتعلقة‭ ‬بالصادرات‭ ‬والواردات،‭ ‬ومستويات‭ ‬الدخل‭ ‬والاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬والادخار،‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬فجوات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬أبرزها‭ ‬تجاوز‭ ‬الواردات‭ ‬المتوقعة‭ ‬للصادرات‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تمويل‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬عبر‭ ‬الاقتراض‭ ‬الخارجي،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تعذر‭ ‬توفير‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الكافية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الخطة‭ ‬بالكامل‭ ‬بهدف‭ ‬تقليص‭ ‬حجم‭ ‬الواردات‭.‬
وتبرز‭ ‬تجربة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬تضمنت‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬الثانية‭ ‬للهند‭ ‬والأولى‭ ‬لباكستان‭ ‬فجوات‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات،‭ ‬تم‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطط‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬البلدين،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تمويل‭ ‬هذه‭ ‬الفجوات‭ ‬ظل‭ ‬محفوفاً‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تقلبات‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ويقتضي‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كذلك‭ ‬التنبؤ‭ ‬بكيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الدخل‭ ‬المتاح‭ ‬بين‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وتقدير‭ ‬المدخرات‭ ‬المتولدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قطاع،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬الآليات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المستهدفة‭. ‬كما‭ ‬يشمل‭ ‬إعداد‭ ‬جداول‭ ‬تفصيلية‭ ‬توضح‭ ‬حجم‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬ومستوى‭ ‬الواردات‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وأوجه‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتصدير‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المعقدة،‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المادية‭ ‬المتاحة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬الخطة،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تقدير‭ ‬الكميات‭ ‬بأسعار‭ ‬ثابتة‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ما‭ ‬يسهل‭ ‬قياس‭ ‬التغيرات‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستخدام‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬توجد‭ ‬أساليب‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الخطط،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬اعتمده‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬للإنشاء‭ ‬والتعمير‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬حيث‭ ‬تتسم‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬بالبساطة‭ ‬وعدم‭ ‬التفصيل،‭ ‬وقد‭ ‬أُعدت‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬بواسطة‭ ‬خبراء‭ ‬أجانب‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬
وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬على‭ ‬استعراض‭ ‬عام‭ ‬للأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬متضمنة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المشروعات‭ ‬المقترحة‭ ‬للتنمية،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬تسلسلاً‭ ‬واضحاً‭ ‬للإجراءات‭ ‬التنفيذية‭ ‬أو‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬محددة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬المراسلات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬البنك‭ ‬والدول‭ ‬المعنية‭ ‬كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬ضرورة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬أظهر‭ ‬إغفال‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البعثات‭ ‬الفنية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تركيبة‭ ‬هذه‭ ‬البعثات،‭ ‬التي‭ ‬ضمت‭ ‬خبراء‭ ‬بتخصصات‭ ‬مختلفة،‭ ‬انعكست‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬مخرجات‭ ‬التقارير،‭ ‬حيث‭ ‬ركّز‭ ‬كل‭ ‬خبير‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬اختصاصه،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬رؤية‭ ‬شاملة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬ككل‭.‬
وفي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الركود،‭ ‬يكتسب‭ ‬التخطيط‭ ‬معنى‭ ‬أكثر‭ ‬تحديداً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تخطيط‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬مع‭ ‬ميل‭ ‬واضح‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬نامية‭ ‬أخرى،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬البيئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تُنفذ‭ ‬فيها‭ ‬تلك‭ ‬المشروعات‭.‬
وتكشف‭ ‬التجارب‭ ‬العملية‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشروعات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬مقومات‭ ‬النجاح‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتعتمد‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬طموحات‭ ‬سياسية‭ ‬وتوقعات‭ ‬شعبية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واقعية‭. ‬ويُعد‭ ‬مشروع‭ ‬سد‭ ‬الهلمند‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬حيث‭ ‬شمل‭ ‬خططاً‭ ‬للري‭ ‬وتوليد‭ ‬الطاقة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الفيضانات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نتائجه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالمستوى‭ ‬المأمول‭.‬
فقد‭ ‬واجه‭ ‬المشروع‭ ‬تحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وهيكلية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬الاستقرار،‭ ‬واستمرت‭ ‬في‭ ‬التنقل،‭ ‬كما‭ ‬ظهرت‭ ‬اختلالات‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المياه،‭ ‬وبقي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائية‭ ‬غير‭ ‬مستغل،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬تبدو‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الانطلاق‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬المستهدفة‭ ‬مسألة‭ ‬معقدة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬التعامل‭ ‬معهما‭ ‬بشكل‭ ‬متكامل‭ ‬عند‭ ‬إعداد‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية‭.‬

أسس‭ ‬إضافية‭ ‬لسلامة‭ ‬التخطيط

تتطلب‭ ‬الخطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬السليمة‭ ‬تقديم‭ ‬تصور‭ ‬كمي‭ ‬ومالي‭ ‬متكامل‭ ‬للاقتصاد‭ ‬القومي،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإجمالي‭ ‬أو‭ ‬القطاعي،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬الأبعاد‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والقدرات‭ ‬الإدارية،‭ ‬ومستوى‭ ‬التنسيق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحقيق‭ ‬التوزيع‭ ‬الكفء‭ ‬للاستثمارات‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التوجهات‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬الخطة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬التوزيع‭ ‬الأمثل‭ ‬للاستثمارات‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬نظراً‭ ‬لدورهما‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬التنفيذ‭ ‬الفعّال‭.‬
ويُقصد‭ ‬بالتناسق‭ ‬هنا‭ ‬بعدان‭ ‬رئيسيان؛‭ ‬الأول‭ ‬مالي،‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية‭ ‬والموارد‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المستهدفة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬والثاني‭ ‬كمي،‭ ‬ويعني‭ ‬توافر‭ ‬الموارد‭ ‬السلعية‭ ‬بما‭ ‬يلبي‭ ‬متطلبات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭.‬
ويبقى‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬خطة‭ ‬مرهوناً‭ ‬بعنصر‭ ‬التنفيذ،‭ ‬حيث‭ ‬تمثل‭ ‬الكوادر‭ ‬الإدارية‭ ‬الكفؤة‭ ‬والمخلصة‭ ‬أحد‭ ‬أندر‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جزءاً‭ ‬منها‭ ‬يتجه‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬أفضل‭ ‬ومكانة‭ ‬مهنية‭ ‬أعلى،‭ ‬ما‭ ‬يفاقم‭ ‬فجوة‭ ‬التنفيذ‭.‬

الموازنة‭ ‬وتحديد‭ ‬الأولويات

يرتبط‭ ‬توزيـع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقـاً‭ ‬بتحقيق‭ ‬التـوازن‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصـادية‭ ‬المختلفة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬التوازن‭ ‬يحمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دلالة‭. ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬الأمثل‭ ‬لتعظيم‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬تنمو‭ ‬فيه‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بمعدلات‭ ‬محددة‭.‬
كما‭ ‬يُستخدم‭ ‬المفهوم‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬تواكب‭ ‬نمو‭ ‬الاستهلاك‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬تشغيل‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاستثمار‭.‬
وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬يبرز‭ ‬تباين‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬اتجاه‭ ‬أنها‭ ‬تتحقق‭ ‬عبر‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬القطاعات‭ ‬المتخلفة‭ ‬لدفعها‭ ‬نحو‭ ‬النمو،‭ ‬بينما‭ ‬يدعو‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭ ‬إلى‭ ‬شمولية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬القطاعات،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬شاملة‭ ‬لكافة‭ ‬مكونات‭ ‬الاقتصاد‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تعارض‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬مدارس‭ ‬اقتصادية‭ ‬تفضل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قطاعات‭ ‬بعينها،‭ ‬كالصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬والخدمات،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالقطاع‭ ‬الزراعي،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬جدلاً‭ ‬مستمراً‭ ‬حول‭ ‬أولويات‭ ‬التنمية‭ ‬ومساراتها‭.‬
توازن‭ ‬العرض

يفرّق‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬بين‭ ‬نمطين‭ ‬من‭ ‬التوازن‭: ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬وتوازن‭ ‬الطلب‭. ‬ويعكس‭ ‬الأول‭ ‬أهمية‭ ‬التكامل‭ ‬الرأسي‭ ‬بين‭ ‬الصناعات‭ ‬الأساسية‭ ‬والاستهلاكية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بما‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬للصناعات‭ ‬الأساسية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يشيـر‭ ‬الثاني‭ ‬إلى‭ ‬التكامـل‭ ‬الأفقـي‭ ‬بين‭ ‬القطاعـات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والتحويلية‭ ‬والزراعية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬النوعين‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العملي،‭ ‬نظراً‭ ‬لتداخل‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الصناعات‭ ‬الأساسية‭ ‬والاستهلاكية،‭ ‬وتشابك‭ ‬أدوارها‭ ‬داخل‭ ‬الهيكل‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتنبع‭ ‬أهمية‭ ‬توازن‭ ‬العرض‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬مثل‭ ‬الطرق‭ ‬والمرافق‭ ‬العامة،‭ ‬والتي‭ ‬تتطلب‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬ضخمة‭ ‬بعوائد‭ ‬مباشرة‭ ‬محدودة،‭ ‬لكنها‭ ‬تمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لنمو‭ ‬صناعات‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬ربحية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬عمالة‭ ‬ماهرة‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬توفر‭ ‬الطاقة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الصناعات‭ ‬المتكاملة‭ ‬رأسياً‭ ‬تستطيع‭ ‬امتصاص‭ ‬انخفاض‭ ‬العائد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬أنشطتها‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يدعم‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬أخرى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بها‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تضطر‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً،‭ ‬خاصة‭ ‬التي‭ ‬تنشط‭ ‬فيها‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬إلى‭ ‬ضخ‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬الموانئ‭ ‬وشبكات‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬البنى‭ ‬الأساسية،‭ ‬لتهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬اللازمة‭ ‬لنمو‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬إسهامات‭ ‬المخططين‭ ‬الاجتماعيين،‭ ‬مثل‭ ‬مخططي‭ ‬المدن‭ ‬وقطاع‭ ‬التعليم،‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬آثارها‭ ‬تظهر‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭.‬
ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬غير‭ ‬الموجهة‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬اختلالات‭ ‬العرض‭ ‬داخلياً،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استيراد‭ ‬المكونات‭ ‬أو‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الفنية‭ ‬لتعويض‭ ‬نقص‭ ‬المهارات‭ ‬المحلية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬هناك‭ ‬خدمات‭ ‬أساسية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استيرادها،‭ ‬رغم‭ ‬ضرورتها‭ ‬لقيام‭ ‬الصناعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬بعض‭ ‬المدخلات،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لتقليل‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭.‬
وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬تساؤل‭ ‬جوهري‭ ‬حول‭ ‬أولوية‭ ‬التوازن‭ ‬أو‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬للمرافق‭ ‬العامة‭ ‬كالنقل‭ ‬والتعليم‭ ‬والطاقة‭ ‬تجعلها‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أولويات‭ ‬الاستثمار،‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬وخفض‭ ‬تكاليفه‭.‬

هيكل‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية

تواجه‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬صعوبات‭ ‬منهجية،‭ ‬نتيجة‭ ‬اختلاف‭ ‬التعريفات‭ ‬ونطاق‭ ‬المشروعات،‭ ‬إذ‭ ‬تقتصر‭ ‬بعض‭ ‬الخطط‭ ‬على‭ ‬المشروعات‭ ‬الأساسية،‭ ‬بينما‭ ‬تشمل‭ ‬أخرى‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭.‬
كما‭ ‬يختلف‭ ‬مفهوم‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬فقد‭ ‬تشمل‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬بينما‭ ‬تُستبعد‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬المقارنات‭.‬
ورغم‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬تظهر‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬تبايناً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬التنمية؛‭ ‬فقد‭ ‬ركزت‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬خطتها‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أولت‭ ‬الصين‭ ‬اهتماماً‭ ‬أكبر‭ ‬بالصناعة،‭ ‬خاصة‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة‭. ‬وبينما‭ ‬سعت‭ ‬الهند‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الزراعة‭ ‬والصناعة،‭ ‬اتجهت‭ ‬في‭ ‬خطتها‭ ‬الثانية‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬الصناعة‭ ‬والتعدين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ظل‭ ‬نصيب‭ ‬الصناعة‭ ‬فيها‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مقارنة‭ ‬بالصين‭.‬
ويبقى‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬جدوى‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬مرهوناً‭ ‬بعامل‭ ‬الزمن،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬بوصفها‭ ‬عملية‭ ‬مستمرة‭ ‬وتلقائية‭ ‬يبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬مثل‭ ‬النقل‭ ‬والتعليم،‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬السكانية،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬بدورها‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬لمسار‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬

للحديث‭ ‬بقية

رجوع لأعلى