التصنيع في الدول النامية ورهانات الاستثمار والتشغيل
تخضع سياسات التخطيط الصناعي في الدول النامية لمعادلتين أساسيتين تحددان مسار نمو القطاعات الصناعية واتجاهاتها. الأولى تتعلق بالمرحلة التي بلغتها الدولة في مسار التصنيع، فيما ترتبط الثانية بمدى نجاح السياسات المعتمدة في دعم الصناعات الثقيلة، ولا سيما صناعات الآلات والمعدات، بوصفها ركيزة جوهرية لتسريع عملية التصنيع.
وهذان العاملان لا يعملان بمعزل عن بعضهما، بل يتداخلان إلى حد كبير. فالدول التي لا تزال في المراحل الأولى من التصنيع غالباً ما تُحجم عن الاستثمار الواسع في الصناعات الثقيلة، وتركز بدلاً من ذلك على تنمية الصناعات الاستهلاكية. ويهدف هذا التوجه إلى تقليص الاعتماد على الواردات الأجنبية من السلع الأساسية، من خلال استغلال الموارد المحلية لإنتاج بدائل وطنية، بما يسمح بتوفير النقد الأجنبي وتوجيهه لاحقاً لاستيراد السلع الرأسمالية اللازمة للتوسع الصناعي. ومع استكمال هذه المرحلة، تنتقل الدول تدريجياً إلى مستوى أعلى يقوم على بناء قاعدة للصناعات الثقيلة.
غير أن التركيز على الصناعات الاستهلاكية في المراحل الأولى لا يعني إغفال الدول النامية لتنمية بعض الصناعات الإنتاجية التي تمس حاجتها المباشرة ويسهل إنشاؤها محلياً. ويبرز في هذا الإطار الاهتمام بصناعات مثل الإسمنت والأسمدة الآزوتية، لما لها من دور محوري في دعم التنمية الاقتصادية والزراعية.
وتتحمل الدول النامية، في مجملها، مسؤولية توفير التيسيرات الأساسية اللازمة لإنجاح برامج التصنيع، وتأتي الاستثمارات الحكومية في صدارة هذه التيسيرات. إلا أن النظرة إلى دور القطاع العام تختلف من دولة إلى أخرى، ويمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذا السياق.
الاتجاه الأول تتبناه قلة من الدول، حيث يُحصر دور القطاع العام في نطاق محدود للغاية. ففي تجارب مثل كينيا وماليزيا، تعتمد سياسات التصنيع على المبادرة الفردية والحافز الشخصي باعتبارهما المحرك الأساسي للنشاط الصناعي، بينما يقتصر دور الدولة على توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية، في إطار من حرية الاستثمار.
أما الاتجاه الثاني، وهو الأكثر شيوعاً، فيقوم على مقاربة أكثر واقعية، إذ تُفضل هذه الدول أن يتولى القطاع الخاص ملكية المصانع وإدارتها، مع إصرارها في الوقت ذاته على مساهمة الدولة بجزء من التمويل اللازم لاستمرار عمليات التصنيع. ولا تتدخل الدولة بالهيمنة على صناعة معينة إلا إذا ثبت عجز رؤوس الأموال الخاصة عن إدارتها بكفاءة، أو في حال إحجام المستثمرين عن الدخول في صناعات استراتيجية ذات أعباء مالية ثقيلة. وفي هذه الحالات، تتولى الدولة إنشاء الصناعة وإدارتها، مع استمرارها في الإشراف والدعم الفني والإرشادي، كما هو الحال في التجربة الباكستانية وعدد من دول الجوار.
في المقابل، تتبنى مجموعة من الدول، لا سيما في بعض بلدان المشرق العربي، دوراً أكثر إيجابية واستدامة، إذ تستأثر الدولة بالصناعات ذات الأهمية الاستراتيجية، وتتشارك مع القطاع الخاص في مجالات أخرى، فيما تترك بعض الأنشطة الصناعية بالكامل للاستثمار الخاص.
ويُظهر استعراض برامج التنمية الاقتصادية أن العبء الأكبر في النهوض بالصناعات الثقيلة يقع، في الأساس، على عاتق القطاع العام. ولهذا تتركز استثمارات الدول الصناعية بصورة واضحة في هذا النوع من الصناعات، باعتبارها القاعدة التي يُبنى عليها التقدم الصناعي الشامل.
ثالثاً: وسائل تشجيع الجهود الخاصة
يُظهر استعراض برامج التنمية في الدول النامية أن العبء الأكبر في عملية التصنيع يقع، في الغالب، على عاتق القطاع الخاص. ويستدعي هذا الواقع تبنّي حزمة من السياسات والتدابير التي من شأنها تحفيز الأفراد على توجيه مدخراتهم نحو الاستثمار الصناعي، وتشجيعهم على الانخراط في الأعمال الحرة بوصفها محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي.
وتتنوّع أدوات تشجيع الجهود الخاصة، من أبرزها منح المشروعات الصناعية إعفاءات ضريبية مؤقتة إلى أن تتمكن من تحقيق أرباح مجزية، إلى جانب إعفاء المساهمين كلياً أو جزئياً من الضرائب المفروضة على أرباحهم، شريطة إعادة استثمارها في النشاط الإنتاجي. كما تلجأ الدول إلى فرض رسوم جمركية على السلع المستوردة التي تنافس المنتجات الوطنية، في إطار حماية الصناعات المحلية الناشئة.
وفي المقابل، تحرص الحكومات على إعفاء ما تستورده المشروعات الوطنية من آلات ومعدات من الرسوم الجمركية، مع توفير النقد الأجنبي اللازم لتغطية احتياجاتها الاستيرادية. ويواكب ذلك تخصيص مؤسسات مصرفية لتمويل المشروعات الفردية عبر قروض ميسرة وفوائد منخفضة، إضافة إلى دعمها في الحصول على قروض من الخارج وضمان التزاماتها تجاه المؤسسات الأجنبية.
ولا يقتصر الدعم على الجوانب المالية، بل يمتد ليشمل تسهيل حصول الصناعات الخاصة على مصادر الطاقة التي تمتلكها الدولة، مثل الكهرباء والنفط، بأسعار تفضيلية، فضلاً عن تمكينها من استخدام شبكات النقل والاتصال بتكاليف مناسبة، بما يعزز قدرتها التنافسية واستدامة نشاطها.
توفير القوى العاملة
تواجه الدول النامية مفارقة حادة في سوق العمل، تتمثل في نقص الكفاءات الماهرة مقابل وفرة في العمالة غير المدربة. ويضع هذا الواقع على كاهلها تحديين رئيسيين: الأول يتمثل في توسيع نطاق فرص العمل، والثاني في رفع مستوى تأهيل أكبر نسبة ممكنة من القوة العاملة.
أولاً: توفير العمالة
لا تولي معظم برامج التنمية اهتماماً كافياً بالسياسات المرتبطة بتوفير فرص العمل، إذ نادراً ما تحدد أهدافاً واضحة لزيادة العمالة في قطاعات الاقتصاد القومي باستثناء الزراعة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن معدل الزيادة السنوية في عدد سكان الدول النامية يتراوح بين 2% و3%، وهو ما يفرض ضغوطاً متزايدة على أسواق العمل.
وعند مقارنة النمو السكاني بالزيادة في حجم القوة العاملة المتاحة، يتضح تباين ملحوظ بين الدول؛ إذ يسجل أدنى معدل في باكستان وبعض الدول المجاورة بنحو 1.8%، بينما يبلغ أقصاه في كولومبيا عند 3.8%. أما في مصر، فتتساوى الزيادة في عدد السكان مع الزيادة في القوة العاملة عند نحو 2.2%. وتفترض معظم الدول النامية أن معدل نمو العمالة غير الزراعية يجب أن يفوق، بصورة جوهرية، معدل نمو إجمالي قوة العمل.
ورغم ارتفاع معدلات التوظيف في القطاعات غير الزراعية مقارنة بإجمالي القوة العاملة، فإن عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل يفوق الزيادة المتحققة في فرص العمل المستحدثة. وبعبارة أخرى، تواجه الدول النامية واقعاً يتمثل في استمرار ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل أو العاملين دون استغلال كامل لقدراتهم، حتى في ظل تنفيذ برامج التنمية.
وعلى الرغم من أن هذه البرامج تسهم في توسيع فرص العمل خارج القطاع الزراعي، فإن أثر مشروعات التصنيع في معالجة مشكلة البطالة يظل محدوداً. ومن منطلق الأهمية الاجتماعية لرفع مستويات التشغيل، تولي العديد من الدول النامية اهتماماً متزايداً بمختلف السياسات والآليات التي تتيح تعظيم فرص العمل إلى أقصى حد ممكن، باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تفضيل التوسع في العمالة على التوسع
في رأس المال
تميل العديد من الدول النامية، ولا سيما تلك التي تعاني فائضاً في الأيدي العاملة، إلى إعطاء الأولوية للمشروعات كثيفة العمالة، باعتبارها القادرة على توفير فرص عمل لأكبر شريحة ممكنة من السكان. وينبع هذا التوجه من اعتبارات اجتماعية واقتصادية واضحة، إذ يساهم في الحد من البطالة وتحسين مستويات المعيشة. كما يحقق هدفاً موازياً يتمثل في ترشيد استخدام رؤوس الأموال، عبر إحلال العامل البشري محل الآلة متى أمكن، وتوجيه الموارد المالية المتاحة إلى مجالات لا غنى فيها عن الاستثمار الرأسمالي.
تشجيع الصناعات الصغيرة
والصناعات الريفية
وتتجه برامج التنمية في عدد كبير من الدول النامية إلى دعم الصناعات الصغيرة والصناعات الريفية، لكونها أحد الحلول الفعالة لمشكلة البطالة المقنّعة، التي تنتشر على نحو خاص في المناطق الريفية. وتمتاز هذه الصناعات بقدرتها على استقطاب مدخرات الأفراد المحليين وتوظيفها في أنشطة إنتاجية، فضلاً عن استفادتها من المهارات والخبرات المتوافرة في بيئاتها المحلية، والتي قد تعجز الصناعات الكبرى عن استيعابها أو توظيفها بالكفاءة ذاتها.
وتشمل هذه الأنشطة طيفاً واسعاً من الصناعات، مثل صناعة الأحذية، والأدوات المنزلية، وبعض أنواع المنسوجات، والأدوات الزراعية، وغيرها. وتنظر كثير من الدول النامية إلى هذه الصناعات باعتبارها مرحلة أساسية في بناء القاعدة الصناعية، إذ تسهم في إعداد كوادر بشرية تشكل لاحقاً الدعامة الرئيسة للصناعات الكبرى، بما يضمن استدامة حركة التصنيع الحديثة على المدى الطويل.
غير أن نجاح هذا الدور يظل مرهوناً بتدخل الدولة لتقديم الدعم المالي والخبرة الفنية لأصحاب هذه الصناعات والعاملين فيها، بما يساعدها على التطور ومواكبة متطلبات السوق، دون أن تتحول إلى عبء يعرقل التقدم الصناعي الشامل.
وتبرز التجربة الهندية مثالاً لافتاً في هذا المجال، إذ يشير تقرير خطة التنمية الثالثة في الهند إلى أن ضعف تنظيم الصناعات الصغيرة والريفية وغياب التنسيق بينها، ولا سيما من خلال الجمعيات التعاونية، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية، بما يحد من إقبال المستهلكين على منتجاتها ويقيد طاقتها الإنتاجية. ويوصي التقرير بضرورة تدخل الدولة لتقديم الدعم اللازم، بما يتيح خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز دور هذه الصناعات في خدمة الاقتصاد الوطني.