تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصنيع‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬ورهانات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتشغيل

CZ66

تخضع‭ ‬سياسات‭ ‬التخطيط‭ ‬الصناعي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لمعادلتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬تحددان‭ ‬مسار‭ ‬نمو‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬واتجاهاتها‭. ‬الأولى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمرحلة‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التصنيع،‭ ‬فيما‭ ‬ترتبط‭ ‬الثانية‭ ‬بمدى‭ ‬نجاح‭ ‬السياسات‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬صناعات‭ ‬الآلات‭ ‬والمعدات،‭ ‬بوصفها‭ ‬ركيزة‭ ‬جوهرية‭ ‬لتسريع‭ ‬عملية‭ ‬التصنيع‭.‬
وهذان‭ ‬العاملان‭ ‬لا‭ ‬يعملان‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬بعضهما،‭ ‬بل‭ ‬يتداخلان‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التصنيع‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تُحجم‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الواسع‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وتركز‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تنمية‭ ‬الصناعات‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬ويهدف‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الأجنبية‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬المحلية‭ ‬لإنتاج‭ ‬بدائل‭ ‬وطنية،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بتوفير‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬وتوجيهه‭ ‬لاحقاً‭ ‬لاستيراد‭ ‬السلع‭ ‬الرأسمالية‭ ‬اللازمة‭ ‬للتوسع‭ ‬الصناعي‭. ‬ومع‭ ‬استكمال‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬تنتقل‭ ‬الدول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬للصناعات‭ ‬الثقيلة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إغفال‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لتنمية‭ ‬بعض‭ ‬الصناعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬حاجتها‭ ‬المباشرة‭ ‬ويسهل‭ ‬إنشاؤها‭ ‬محلياً‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الاهتمام‭ ‬بصناعات‭ ‬مثل‭ ‬الإسمنت‭ ‬والأسمدة‭ ‬الآزوتية،‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والزراعية‭.‬
وتتحمل‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬في‭ ‬مجملها،‭ ‬مسؤولية‭ ‬توفير‭ ‬التيسيرات‭ ‬الأساسية‭ ‬اللازمة‭ ‬لإنجاح‭ ‬برامج‭ ‬التصنيع،‭ ‬وتأتي‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬هذه‭ ‬التيسيرات‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬ويمكن‭ ‬رصد‭ ‬ثلاثة‭ ‬اتجاهات‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭.‬
الاتجاه‭ ‬الأول‭ ‬تتبناه‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬حيث‭ ‬يُحصر‭ ‬دور‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬محدود‭ ‬للغاية‭. ‬ففي‭ ‬تجارب‭ ‬مثل‭ ‬كينيا‭ ‬وماليزيا،‭ ‬تعتمد‭ ‬سياسات‭ ‬التصنيع‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭ ‬الفردية‭ ‬والحافز‭ ‬الشخصي‭ ‬باعتبارهما‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للنشاط‭ ‬الصناعي،‭ ‬بينما‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الاستثمار‭.‬
أما‭ ‬الاتجاه‭ ‬الثاني،‭ ‬وهو‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعاً،‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية،‭ ‬إذ‭ ‬تُفضل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬ملكية‭ ‬المصانع‭ ‬وإدارتها،‭ ‬مع‭ ‬إصرارها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬مساهمة‭ ‬الدولة‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم‭ ‬لاستمرار‭ ‬عمليات‭ ‬التصنيع‭. ‬ولا‭ ‬تتدخل‭ ‬الدولة‭ ‬بالهيمنة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬معينة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬عجز‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬إدارتها‭ ‬بكفاءة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬إحجام‭ ‬المستثمرين‭ ‬عن‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬صناعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬ذات‭ ‬أعباء‭ ‬مالية‭ ‬ثقيلة‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬تتولى‭ ‬الدولة‭ ‬إنشاء‭ ‬الصناعة‭ ‬وإدارتها،‭ ‬مع‭ ‬استمرارها‭ ‬في‭ ‬الإشراف‭ ‬والدعم‭ ‬الفني‭ ‬والإرشادي،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الباكستانية‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تتبنى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬بلدان‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬دوراً‭ ‬أكثر‭ ‬إيجابية‭ ‬واستدامة،‭ ‬إذ‭ ‬تستأثر‭ ‬الدولة‭ ‬بالصناعات‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتتشارك‭ ‬مع‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى،‭ ‬فيما‭ ‬تترك‭ ‬بعض‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬بالكامل‭ ‬للاستثمار‭ ‬الخاص‭.‬
ويُظهر‭ ‬استعراض‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬النهوض‭ ‬بالصناعات‭ ‬الثقيلة‭ ‬يقع،‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭. ‬ولهذا‭ ‬تتركز‭ ‬استثمارات‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الصناعات،‭ ‬باعتبارها‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬يُبنى‭ ‬عليها‭ ‬التقدم‭ ‬الصناعي‭ ‬الشامل‭.‬
ثالثاً‭: ‬وسائل‭ ‬تشجيع‭ ‬الجهود‭ ‬الخاصة

يُظهر‭ ‬استعراض‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬أن‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التصنيع‭ ‬يقع،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬ويستدعي‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬تبنّي‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬والتدابير‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تحفيز‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬مدخراتهم‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصناعي،‭ ‬وتشجيعهم‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬الحرة‭ ‬بوصفها‭ ‬محركاً‭ ‬أساسياً‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتتنوّع‭ ‬أدوات‭ ‬تشجيع‭ ‬الجهود‭ ‬الخاصة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬منح‭ ‬المشروعات‭ ‬الصناعية‭ ‬إعفاءات‭ ‬ضريبية‭ ‬مؤقتة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬مجزية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إعفاء‭ ‬المساهمين‭ ‬كلياً‭ ‬أو‭ ‬جزئياً‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬أرباحهم،‭ ‬شريطة‭ ‬إعادة‭ ‬استثمارها‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الإنتاجي‭. ‬كما‭ ‬تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬المستوردة‭ ‬التي‭ ‬تنافس‭ ‬المنتجات‭ ‬الوطنية،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حماية‭ ‬الصناعات‭ ‬المحلية‭ ‬الناشئة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تحرص‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬إعفاء‭ ‬ما‭ ‬تستورده‭ ‬المشروعات‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬آلات‭ ‬ومعدات‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬اللازم‭ ‬لتغطية‭ ‬احتياجاتها‭ ‬الاستيرادية‭. ‬ويواكب‭ ‬ذلك‭ ‬تخصيص‭ ‬مؤسسات‭ ‬مصرفية‭ ‬لتمويل‭ ‬المشروعات‭ ‬الفردية‭ ‬عبر‭ ‬قروض‭ ‬ميسرة‭ ‬وفوائد‭ ‬منخفضة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعمها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬وضمان‭ ‬التزاماتها‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأجنبية‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الدعم‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬تسهيل‭ ‬حصول‭ ‬الصناعات‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬الدولة،‭ ‬مثل‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنفط،‭ ‬بأسعار‭ ‬تفضيلية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تمكينها‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والاتصال‭ ‬بتكاليف‭ ‬مناسبة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬واستدامة‭ ‬نشاطها‭.‬

توفير‭ ‬القوى‭ ‬العاملة

تواجه‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬مفارقة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬الكفاءات‭ ‬الماهرة‭ ‬مقابل‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬العمالة‭ ‬غير‭ ‬المدربة‭. ‬ويضع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬كاهلها‭ ‬تحديين‭ ‬رئيسيين‭: ‬الأول‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬والثاني‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬تأهيل‭ ‬أكبر‭ ‬نسبة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭.‬

أولاً‭: ‬توفير‭ ‬العمالة

لا‭ ‬تولي‭ ‬معظم‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬اهتماماً‭ ‬كافياً‭ ‬بالسياسات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتوفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬إذ‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬تحدد‭ ‬أهدافاً‭ ‬واضحة‭ ‬لزيادة‭ ‬العمالة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القومي‭ ‬باستثناء‭ ‬الزراعة‭. ‬وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬الزيادة‭ ‬السنوية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬2‭% ‬و3‭%‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬العمل‭.‬
وعند‭ ‬مقارنة‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬بالزيادة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬المتاحة،‭ ‬يتضح‭ ‬تباين‭ ‬ملحوظ‭ ‬بين‭ ‬الدول؛‭ ‬إذ‭ ‬يسجل‭ ‬أدنى‭ ‬معدل‭ ‬في‭ ‬باكستان‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬8‭%‬،‭ ‬بينما‭ ‬يبلغ‭ ‬أقصاه‭ ‬في‭ ‬كولومبيا‭ ‬عند‭ ‬3‭.‬8‭%. ‬أما‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬فتتساوى‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬مع‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬عند‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬2‭%. ‬وتفترض‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬أن‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬العمالة‭ ‬غير‭ ‬الزراعية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يفوق،‭ ‬بصورة‭ ‬جوهرية،‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬إجمالي‭ ‬قوة‭ ‬العمل‭.‬
ورغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬التوظيف‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬الزراعية‭ ‬مقارنة‭ ‬بإجمالي‭ ‬القوة‭ ‬العاملة،‭ ‬فإن‭ ‬عدد‭ ‬الداخلين‭ ‬الجدد‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬يفوق‭ ‬الزيادة‭ ‬المتحققة‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬المستحدثة‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬واقعاً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬أعداد‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬العاملين‭ ‬دون‭ ‬استغلال‭ ‬كامل‭ ‬لقدراتهم،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬خارج‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي،‭ ‬فإن‭ ‬أثر‭ ‬مشروعات‭ ‬التصنيع‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬مشكلة‭ ‬البطالة‭ ‬يظل‭ ‬محدوداً‭. ‬ومن‭ ‬منطلق‭ ‬الأهمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لرفع‭ ‬مستويات‭ ‬التشغيل،‭ ‬تولي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬اهتماماً‭ ‬متزايداً‭ ‬بمختلف‭ ‬السياسات‭ ‬والآليات‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬تعظيم‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭ ‬ممكن،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬
تفضيل‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬العمالة‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬
في‭ ‬رأس‭ ‬المال

تميل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬فائضاً‭ ‬في‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة،‭ ‬إلى‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للمشروعات‭ ‬كثيفة‭ ‬العمالة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬لأكبر‭ ‬شريحة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬السكان‭. ‬وينبع‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واضحة،‭ ‬إذ‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭. ‬كما‭ ‬يحقق‭ ‬هدفاً‭ ‬موازياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬ترشيد‭ ‬استخدام‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬عبر‭ ‬إحلال‭ ‬العامل‭ ‬البشري‭ ‬محل‭ ‬الآلة‭ ‬متى‭ ‬أمكن،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬المتاحة‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الرأسمالي‭.‬

تشجيع‭ ‬الصناعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬
والصناعات‭ ‬الريفية

وتتجه‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الصناعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والصناعات‭ ‬الريفية،‭ ‬لكونها‭ ‬أحد‭ ‬الحلول‭ ‬الفعالة‭ ‬لمشكلة‭ ‬البطالة‭ ‬المقنّعة،‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭. ‬وتمتاز‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬مدخرات‭ ‬الأفراد‭ ‬المحليين‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬إنتاجية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬استفادتها‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬والخبرات‭ ‬المتوافرة‭ ‬في‭ ‬بيئاتها‭ ‬المحلية،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تعجز‭ ‬الصناعات‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬استيعابها‭ ‬أو‭ ‬توظيفها‭ ‬بالكفاءة‭ ‬ذاتها‭.‬
وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬طيفاً‭ ‬واسعاً‭ ‬من‭ ‬الصناعات،‭ ‬مثل‭ ‬صناعة‭ ‬الأحذية،‭ ‬والأدوات‭ ‬المنزلية،‭ ‬وبعض‭ ‬أنواع‭ ‬المنسوجات،‭ ‬والأدوات‭ ‬الزراعية،‭ ‬وغيرها‭. ‬وتنظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬باعتبارها‭ ‬مرحلة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬القاعدة‭ ‬الصناعية،‭ ‬إذ‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬كوادر‭ ‬بشرية‭ ‬تشكل‭ ‬لاحقاً‭ ‬الدعامة‭ ‬الرئيسة‭ ‬للصناعات‭ ‬الكبرى،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استدامة‭ ‬حركة‭ ‬التصنيع‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬يظل‭ ‬مرهوناً‭ ‬بتدخل‭ ‬الدولة‭ ‬لتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والخبرة‭ ‬الفنية‭ ‬لأصحاب‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬والعاملين‭ ‬فيها،‭ ‬بما‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬التطور‭ ‬ومواكبة‭ ‬متطلبات‭ ‬السوق،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يعرقل‭ ‬التقدم‭ ‬الصناعي‭ ‬الشامل‭.‬
وتبرز‭ ‬التجربة‭ ‬الهندية‭ ‬مثالاً‭ ‬لافتاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬تقرير‭ ‬خطة‭ ‬التنمية‭ ‬الثالثة‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬تنظيم‭ ‬الصناعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والريفية‭ ‬وغياب‭ ‬التنسيق‭ ‬بينها،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الجمعيات‭ ‬التعاونية،‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية،‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬إقبال‭ ‬المستهلكين‭ ‬على‭ ‬منتجاتها‭ ‬ويقيد‭ ‬طاقتها‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ويوصي‭ ‬التقرير‭ ‬بضرورة‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬لتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬اللازم،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتعزيز‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬

رجوع لأعلى