التعثر التجاري واختبار المرونة في قانون الإفلاس
في عالم الأعمال، لا يُعدّ تعارض المصالح أمراً استثنائياً، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بالديون التجارية. فالبنك المموِّل يتحرّك بدافع تحصيل حقه المالي بأسرع وسيلة ممكنة، حتى لو ترتّبت على إجراءات التصفية آثار قاسية على التاجر المدين. وفي المقابل، يسعى هذا التاجر إلى إقناع البنوك التي اقترض منها بضرورة منحه فرصة جديدة لإعادة هيكلة التزاماته، أملاً في استمرار تشغيل مشروعه وسداد ديونه من عوائد النشاط بدلًا من الذهاب إلى التصفية وإنهاء المشروع.
وعندما يتدخل المشرّع لتنظيم مثل هذه الحالات، فإنه يكون أمام معادلة دقيقة تتطلّب الموازنة بين مصالح متعارضة، واختيار الحل الذي يحقق الحد الأدنى من العدالة والاستقرار الاقتصادي. فإذا مال التشريع بصورة كاملة إلى مصلحة البنك الدائن على حساب التاجر المدين، فإن النتيجة المتوقعة ستكون اتساع دائرة شهر الإفلاس والتصفية، بما يخلّ بتوازن السوق المحلية، نتيجة طرح عدد كبير من الأصول الاستثمارية في المزادات، وما يرافق ذلك من تراجع حاد في قيمتها السوقية.
وفي الجهة المقابلة، فإن الانحياز المفرط لمصلحة التاجر المدين يُلحق ضرراً بالغاً بالبنوك الدائنة، التي يقوم نشاطها أساساً على نجاح الائتمان التجاري واسترداد الأموال المقترضة. وأي إخفاق واسع في هذا المجال قد يقود إلى أزمات مالية متتالية داخل القطاع المصرفي، قد تتفاقم إلى حد تهديد استقرار البنوك نفسها. كما أن شعور البنوك بضعف الحماية القانونية لحقوقها سيدفعها إلى تشديد سياساتها الائتمانية، سواء عبر تقليص منح القروض أو فرض ضمانات مرهقة، وهو ما ينعكس سلبًا على التجار الذين يعتمدون في تمويل أعمالهم على الائتمان.
وانطلاقًا من ذلك، تبرز أهمية النصوص المنظمة للإفلاس، ولا سيما تلك التي تحدد قواعد الأولوية والتفضيل بين الإجراءات القانونية المتعارضة التي قد يواجهها التاجر المدين. فالإشكال يثور بوضوح عندما يتقدم المدين بطلب افتتاح إجراءات إعادة الهيكلة أمام محكمة الإفلاس، في الوقت الذي يبادر فيه البنك الدائن إلى طلب شهر الإفلاس. وهنا يثور التساؤل الجوهري: أيّ الطلبين أولى بالتقديم والنظر؟
يجدر التنويه إلى أن طلب المدين بإعادة الهيكلة يعكس رغبته في الاستمرار بإدارة مشروعه وتشغيله، مع الالتزام بسداد ديون البنك من أرباح المرحلة اللاحقة لإعادة التنظيم. في حين أن الغاية الأساسية من طلب البنك شهر الإفلاس تتمثل في غلّ يد المدين عن إدارة نشاطه، ثم تصفية أمواله واستيفاء الدين من حصيلة التصفية.
ومن هنا، يبرز التساؤل حول موقف قانون الإفلاس رقم 71 لسنة 2020 من هذه الإشكالية، وكيف عالج مسألة تعارض الطلبات وتحديد أولويتها.
وقد جاء القانون بمجموعة من القواعد، في مقدمتها قاعدة ضمّ الطلبات المتعارضة، حيث أناط بإدارة الإفلاس القضائية، برئاسة قاضي الإفلاس، مهمة ضم جميع الطلبات المقدمة من المدين والدائنين، حتى وإن كانت متعارضة في أهدافها، للنظر فيها مجتمعة واتخاذ قرار واحد بشأنها، وذلك وفقًا لما نصت عليه المادة 17 من قانون الإفلاس.
أفضلية إعادة الهيكلة وحدودها
في التطبيق العملي
نصّ قانون الإفلاس صراحةً على تفضيل طلب إعادة الهيكلة على غيره من الطلبات المتعارضة المقدَّمة من المدين أو الدائنين، واعتبره الطلب الرئيسي متى وُجد تعارض بينه وبين طلب التسوية الوقائية من الإفلاس أو طلب شهر الإفلاس، وذلك وفقًا للمادة 17 من قانون الإفلاس. ويعكس هذا الاختيار توجّهًا تشريعيًا واضحًا نحو إعطاء الأولوية للحلول التي تُبقي المشروع قائمًا وتمنحه فرصة فعلية للتعافي بدلًا من إنهائه بالتصفية.
ويُفهم من هذا التنظيم أن المشرّع قد تبنّى حلًا وسطًا بين نظامين متباينين؛ أولهما التسوية الوقائية التي يظل فيها المدين محتفظاً بإدارة أعماله من دون إشراف أمين، وثانيهما شهر الإفلاس الذي يترتب عليه غلّ يد المدين عن إدارة مشروعه والاتجاه نحو التصفية. أما إعادة الهيكلة، فقد وُضعت في منزلة وسطى، حيث يستمر المدين في إدارة نشاطه، ولكن تحت إشراف أمين الإفلاس وخلال تنفيذ خطة معتمدة لإعادة التنظيم، وفقًا لما تقضي به المادة 99 من القانون.
وفي الوقت ذاته، لم يُقصِ المشرّع طلب شهر الإفلاس إقصاءً تاماً، بل اعتبره طلباً احتياطياً عند تعارضه مع طلب إعادة الهيكلة. فمتى فشلت المفاوضات مع الدائنين، أو تعذّر التوصل إلى خطة قابلة للتنفيذ، يُعاد إحياء طلب شهر الإفلاس للنظر فيه بصفته الخيار النهائي. ويكشف هذا الترتيب عن رغبة تشريعية في إبقاء باب التصفية مفتوحًا كحل أخير، من دون جعله الخيار الأول منذ البداية.
وعلى خلاف ذلك، ألزم القانون قاضي الإفلاس بعدم قبول طلب التسوية الوقائية إذا تعارض مع طلب إعادة الهيكلة أو شهر الإفلاس، وهو ما يؤكد أن المشرّع قد أعاد رسم خريطة الأولويات داخل منظومة الإفلاس، وضيّق من نطاق اللجوء إلى بعض الإجراءات متى لم تعد تحقق الغاية المرجوّة منها.
وبناءً على هذه القواعد، يبدو أن المشرّع قد سعى إلى تحقيق أعلى درجة ممكنة من العدالة العملية، من خلال ترجيح الإجراء الذي يوازن بين مصلحة الدائن في استيفاء حقه ومصلحة الاقتصاد في استمرار المشروع القابل للحياة، مع افتراض حسن نية المدين وقدرته الفعلية على السداد من الأرباح المستقبلية بدلاً من اللجوء الفوري إلى تصفية نشاطه.
غير أن الإشكالية الواقعية التي تثيرها هذه القواعد تتمثل في طبيعتها الإلزامية الصارمة، إذ لم يمنح القانون قاضي الإفلاس أي سلطة تقديرية في المفاضلة بين الطلبات المتعارضة بحسب ظروف كل حالة. فجاءت قواعد الأفضلية مطلقة، لا تقبل الاستثناء، ولا تتيح للقاضي أن يُقدّر ما إذا كانت إعادة الهيكلة مجدية فعليًا في حالة بعينها، أو ما إذا كان شهر الإفلاس هو الحل الأكثر عدالة وحماية لحقوق الدائنين.
وهذه الصرامة التشريعية تصطدم، في التطبيق العملي، بتنوّع وتعقيد أوضاع التعثر المالي، حيث لا تخضع جميع الحالات لنسق واحد أو معايير موحّدة. الأمر الذي يجعل قواعد الأفضلية، بصورتها الحالية، أقرب إلى قواعد جامدة، تفتقر إلى المرونة اللازمة لتنظيم مسائل تعثّر الائتمان التجاري، وهي مسائل تتطلب في جوهرها مساحة أوسع للتقدير القضائي ومراعاة خصوصية كل حالة على حدة.
فعلى سبيل المثال، قد يَتَقَدَّم المدين والدائنون بطلباتٍ مُتَعَارِضَةٍ، فإذا رجعنا لقواعد الأفضلية يكون طلب إعادة الهيكلة هو الأصلي، لكن في الواقع قد يكون المدين ذو خبرةٍ واسعةٍ وسمعةٍ طيبةٍ وفي غير حاجةٍ لرقابة الأمين التي تَفرِضُهَا إجراءات الهيكلة، بل إنَّ هذه الرقابة قد تُعَرقِلُ تنفيذ الخطَّة وتُأَخِّر قرار تسيير أعمال المدين؛ لذا تكون إجراءات التسوية الوقائية أكثر مناسبةً لأنَّها لا تتضمَّن وجود الأمين، ورغم إدراك قاضي الإفلاس لهذا، فهو لن يستطيع سوى البحث بطلب إعادة الهيكلة أولاً كطلبٍ أصليٍّ في ظلِّ النص الصريح للمادة 17.
وبالمقابل قد يلمس القاضي من المدين سوء النية ومحاولة التهرُّب من السداد، وعلى الرغم من كون إجراءات شهر الإفلاس ستكون أكثر مناسبةً لهذه الوضعية؛ لأنَّها تغلُّ يد المدين عن إدارة أعماله، إلاَّ أنَّ القاضي سيكون ملزماً بالبحث بإعادة الهيكلة أولاً كطلبٍ أصليٍّ.
لذا، نقترح في هذا المقام اعتبار قواعد الأفضلية المنصوص عليها في المادة 17 من قانون الإفلاس قواعداً عامةً، والنصُّ على استثناءٍ يَمنَحُ قاضي الإفلاس صلاحية تحديد طبيعة الطلب المُتَعَارِضِ مع طلباتٍ أخرى إذا توفَّرت معطياتٌ ماليةٌ وقانونيةٌ واضحةٌ للقاضي تَدفَعُهُ نحو تفضيل طلبٍ على آخر.
مع ضرورة أن يكون قرار قاضي الإفلاس مُسبَّباً، بحيث يكون لمحكمة الإفلاس بحث الأسباب وتقييم مدى حسن تقدير القاضي إذا تمَّ الطعن على قراره.
وفي نفس السياق، قد يتقدّم المدين والدائنون بطلبات متعارضة، وبالرجوع إلى قواعد الأفضلية المقرّرة قانونًا يكون طلب إعادة الهيكلة هو الطلب الأصلي الواجب بحثه أولًا. غير أن الواقع العملي قد يكشف عن أوضاع مغايرة تماماً لما افترضه النص. فقد يكون المدين متمتعاً بخبرة واسعة وسمعة تجارية طيبة، وقادراً على إدارة مشروعه بكفاءة، بما يجعله غير محتاج لرقابة أمين الإفلاس التي تفرضها إجراءات إعادة الهيكلة. بل قد تتحوّل هذه الرقابة، في بعض الحالات، إلى عامل إبطاء يعرقل سرعة اتخاذ القرار ويؤثر سلبًا في تسيير الأعمال وتنفيذ الخطة، الأمر الذي يجعل إجراءات التسوية الوقائية، الخالية من وجود الأمين، أكثر ملاءمة لطبيعة الحالة. ومع ذلك، فإن قاضي الإفلاس، رغم إدراكه لهذه المعطيات، يبقى مقيّداً بالنص الصريح للمادة 17، ولا يملك سوى البدء ببحث طلب إعادة الهيكلة بوصفه الطلب الأصلي.
وفي المقابل، قد تتوافر لدى القاضي مؤشرات واضحة على سوء نية المدين ومحاولته التهرّب من السداد أو استغلال إجراءات إعادة الهيكلة كوسيلة لكسب الوقت. وفي مثل هذه الحالة، قد تكون إجراءات شهر الإفلاس هي الأجدر بالتطبيق، لما تنطوي عليه من غلّ يد المدين عن إدارة أعماله ووضعها تحت يد القضاء. غير أن القاضي، ورغم قناعته بملاءمة هذا المسار، يظل ملزمًا قانونًا بإعطاء الأسبقية لطلب إعادة الهيكلة، دون أن يكون له هامش تقدير يسمح له بتجاوز هذا الترتيب.
ومن هنا، يبرز مقترح إعادة النظر في الطبيعة الجامدة لقواعد الأفضلية الواردة في المادة 17 من قانون الإفلاس، وذلك باعتبارها قواعد عامة، مع النص على استثناء يخول قاضي الإفلاس سلطة تقديرية محدودة، تمكّنه من تحديد الإجراء الأنسب من بين الطلبات المتعارضة، متى توافرت أمامه معطيات مالية وقانونية واضحة تبرّر تفضيل طلب على آخر.
على أن تُقيَّد هذه السلطة بضمانات جوهرية، في مقدمتها إلزام القاضي بتسبيب قراره تسبيبًا كافيًا ومفصلًا، بما يتيح لمحكمة الإفلاس أو جهة الطعن المختصة رقابة هذا التقدير، والتحقق من مدى سلامته وانسجامه مع أهداف قانون الإفلاس في تحقيق التوازن بين حماية الائتمان، وصون حقوق الدائنين، وإتاحة الفرصة الحقيقية لإنقاذ المشاريع القابلة للاستمرار.