تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعثر‭ ‬التجاري‭ ‬واختبار‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس

RR40

في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬لا‭ ‬يُعدّ‭ ‬تعارض‭ ‬المصالح‭ ‬أمراً‭ ‬استثنائياً،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬حين‭ ‬يتعلّق‭ ‬الأمر‭ ‬بالديون‭ ‬التجارية‭. ‬فالبنك‭ ‬المموِّل‭ ‬يتحرّك‭ ‬بدافع‭ ‬تحصيل‭ ‬حقه‭ ‬المالي‭ ‬بأسرع‭ ‬وسيلة‭ ‬ممكنة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ترتّبت‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬التصفية‭ ‬آثار‭ ‬قاسية‭ ‬على‭ ‬التاجر‭ ‬المدين‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يسعى‭ ‬هذا‭ ‬التاجر‭ ‬إلى‭ ‬إقناع‭ ‬البنوك‭ ‬التي‭ ‬اقترض‭ ‬منها‭ ‬بضرورة‭ ‬منحه‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬التزاماته،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬تشغيل‭ ‬مشروعه‭ ‬وسداد‭ ‬ديونه‭ ‬من‭ ‬عوائد‭ ‬النشاط‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬التصفية‭ ‬وإنهاء‭ ‬المشروع‭.‬
وعندما‭ ‬يتدخل‭ ‬المشرّع‭ ‬لتنظيم‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬فإنه‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬تتطلّب‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬متعارضة،‭ ‬واختيار‭ ‬الحل‭ ‬الذي‭ ‬يحقق‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فإذا‭ ‬مال‭ ‬التشريع‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة‭ ‬إلى‭ ‬مصلحة‭ ‬البنك‭ ‬الدائن‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التاجر‭ ‬المدين،‭ ‬فإن‭ ‬النتيجة‭ ‬المتوقعة‭ ‬ستكون‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬والتصفية،‭ ‬بما‭ ‬يخلّ‭ ‬بتوازن‭ ‬السوق‭ ‬المحلية،‭ ‬نتيجة‭ ‬طرح‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬الاستثمارية‭ ‬في‭ ‬المزادات،‭ ‬وما‭ ‬يرافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭.‬
وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬فإن‭ ‬الانحياز‭ ‬المفرط‭ ‬لمصلحة‭ ‬التاجر‭ ‬المدين‭ ‬يُلحق‭ ‬ضرراً‭ ‬بالغاً‭ ‬بالبنوك‭ ‬الدائنة،‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬نشاطها‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬الائتمان‭ ‬التجاري‭ ‬واسترداد‭ ‬الأموال‭ ‬المقترضة‭. ‬وأي‭ ‬إخفاق‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬مالية‭ ‬متتالية‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬قد‭ ‬تتفاقم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تهديد‭ ‬استقرار‭ ‬البنوك‭ ‬نفسها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬شعور‭ ‬البنوك‭ ‬بضعف‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬لحقوقها‭ ‬سيدفعها‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬سياساتها‭ ‬الائتمانية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬منح‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬ضمانات‭ ‬مرهقة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬التجار‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬أعمالهم‭ ‬على‭ ‬الائتمان‭.‬
وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬النصوص‭ ‬المنظمة‭ ‬للإفلاس،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬قواعد‭ ‬الأولوية‭ ‬والتفضيل‭ ‬بين‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬المتعارضة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يواجهها‭ ‬التاجر‭ ‬المدين‭. ‬فالإشكال‭ ‬يثور‭ ‬بوضوح‭ ‬عندما‭ ‬يتقدم‭ ‬المدين‭ ‬بطلب‭ ‬افتتاح‭ ‬إجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬الإفلاس،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يبادر‭ ‬فيه‭ ‬البنك‭ ‬الدائن‭ ‬إلى‭ ‬طلب‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭. ‬وهنا‭ ‬يثور‭ ‬التساؤل‭ ‬الجوهري‭: ‬أيّ‭ ‬الطلبين‭ ‬أولى‭ ‬بالتقديم‭ ‬والنظر؟
يجدر‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طلب‭ ‬المدين‭ ‬بإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬يعكس‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬بإدارة‭ ‬مشروعه‭ ‬وتشغيله،‭ ‬مع‭ ‬الالتزام‭ ‬بسداد‭ ‬ديون‭ ‬البنك‭ ‬من‭ ‬أرباح‭ ‬المرحلة‭ ‬اللاحقة‭ ‬لإعادة‭ ‬التنظيم‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الغاية‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬البنك‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬غلّ‭ ‬يد‭ ‬المدين‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬نشاطه،‭ ‬ثم‭ ‬تصفية‭ ‬أمواله‭ ‬واستيفاء‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬حصيلة‭ ‬التصفية‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يبرز‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬موقف‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬رقم‭ ‬71‭ ‬لسنة‭ ‬2020‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬وكيف‭ ‬عالج‭ ‬مسألة‭ ‬تعارض‭ ‬الطلبات‭ ‬وتحديد‭ ‬أولويتها‭.‬
وقد‭ ‬جاء‭ ‬القانون‭ ‬بمجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬قاعدة‭ ‬ضمّ‭ ‬الطلبات‭ ‬المتعارضة،‭ ‬حيث‭ ‬أناط‭ ‬بإدارة‭ ‬الإفلاس‭ ‬القضائية،‭ ‬برئاسة‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس،‭ ‬مهمة‭ ‬ضم‭ ‬جميع‭ ‬الطلبات‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬المدين‭ ‬والدائنين،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬متعارضة‭ ‬في‭ ‬أهدافها،‭ ‬للنظر‭ ‬فيها‭ ‬مجتمعة‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬واحد‭ ‬بشأنها،‭ ‬وذلك‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬نصت‭ ‬عليه‭ ‬المادة‭ ‬17‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭.‬

أفضلية‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬وحدودها‭ ‬
في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي

نصّ‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬صراحةً‭ ‬على‭ ‬تفضيل‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الطلبات‭ ‬المتعارضة‭ ‬المقدَّمة‭ ‬من‭ ‬المدين‭ ‬أو‭ ‬الدائنين،‭ ‬واعتبره‭ ‬الطلب‭ ‬الرئيسي‭ ‬متى‭ ‬وُجد‭ ‬تعارض‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬طلب‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬من‭ ‬الإفلاس‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وذلك‭ ‬وفقًا‭ ‬للمادة‭ ‬17‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬توجّهًا‭ ‬تشريعيًا‭ ‬واضحًا‭ ‬نحو‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للحلول‭ ‬التي‭ ‬تُبقي‭ ‬المشروع‭ ‬قائمًا‭ ‬وتمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬فعلية‭ ‬للتعافي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬إنهائه‭ ‬بالتصفية‭.‬
ويُفهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬أن‭ ‬المشرّع‭ ‬قد‭ ‬تبنّى‭ ‬حلًا‭ ‬وسطًا‭ ‬بين‭ ‬نظامين‭ ‬متباينين؛‭ ‬أولهما‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬التي‭ ‬يظل‭ ‬فيها‭ ‬المدين‭ ‬محتفظاً‭ ‬بإدارة‭ ‬أعماله‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إشراف‭ ‬أمين،‭ ‬وثانيهما‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬الذي‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬غلّ‭ ‬يد‭ ‬المدين‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬مشروعه‭ ‬والاتجاه‭ ‬نحو‭ ‬التصفية‭. ‬أما‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬فقد‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬وسطى،‭ ‬حيث‭ ‬يستمر‭ ‬المدين‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬نشاطه،‭ ‬ولكن‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬أمين‭ ‬الإفلاس‭ ‬وخلال‭ ‬تنفيذ‭ ‬خطة‭ ‬معتمدة‭ ‬لإعادة‭ ‬التنظيم،‭ ‬وفقًا‭ ‬لما‭ ‬تقضي‭ ‬به‭ ‬المادة‭ ‬99‭ ‬من‭ ‬القانون‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬لم‭ ‬يُقصِ‭ ‬المشرّع‭ ‬طلب‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬إقصاءً‭ ‬تاماً،‭ ‬بل‭ ‬اعتبره‭ ‬طلباً‭ ‬احتياطياً‭ ‬عند‭ ‬تعارضه‭ ‬مع‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭. ‬فمتى‭ ‬فشلت‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الدائنين،‭ ‬أو‭ ‬تعذّر‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬يُعاد‭ ‬إحياء‭ ‬طلب‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬للنظر‭ ‬فيه‭ ‬بصفته‭ ‬الخيار‭ ‬النهائي‭. ‬ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬عن‭ ‬رغبة‭ ‬تشريعية‭ ‬في‭ ‬إبقاء‭ ‬باب‭ ‬التصفية‭ ‬مفتوحًا‭ ‬كحل‭ ‬أخير،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جعله‭ ‬الخيار‭ ‬الأول‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭.‬
وعلى‭ ‬خلاف‭ ‬ذلك،‭ ‬ألزم‭ ‬القانون‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬بعدم‭ ‬قبول‭ ‬طلب‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬إذا‭ ‬تعارض‭ ‬مع‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أو‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المشرّع‭ ‬قد‭ ‬أعاد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الأولويات‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وضيّق‭ ‬من‭ ‬نطاق‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الإجراءات‭ ‬متى‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحقق‭ ‬الغاية‭ ‬المرجوّة‭ ‬منها‭.‬
وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القواعد،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المشرّع‭ ‬قد‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬درجة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬العملية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترجيح‭ ‬الإجراء‭ ‬الذي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬مصلحة‭ ‬الدائن‭ ‬في‭ ‬استيفاء‭ ‬حقه‭ ‬ومصلحة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬المشروع‭ ‬القابل‭ ‬للحياة،‭ ‬مع‭ ‬افتراض‭ ‬حسن‭ ‬نية‭ ‬المدين‭ ‬وقدرته‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬السداد‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬المستقبلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬الفوري‭ ‬إلى‭ ‬تصفية‭ ‬نشاطه‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬تثيرها‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬طبيعتها‭ ‬الإلزامية‭ ‬الصارمة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يمنح‭ ‬القانون‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬أي‭ ‬سلطة‭ ‬تقديرية‭ ‬في‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الطلبات‭ ‬المتعارضة‭ ‬بحسب‭ ‬ظروف‭ ‬كل‭ ‬حالة‭. ‬فجاءت‭ ‬قواعد‭ ‬الأفضلية‭ ‬مطلقة،‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الاستثناء،‭ ‬ولا‭ ‬تتيح‭ ‬للقاضي‭ ‬أن‭ ‬يُقدّر‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬مجدية‭ ‬فعليًا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬بعينها،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الأكثر‭ ‬عدالة‭ ‬وحماية‭ ‬لحقوق‭ ‬الدائنين‭.‬
وهذه‭ ‬الصرامة‭ ‬التشريعية‭ ‬تصطدم،‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬بتنوّع‭ ‬وتعقيد‭ ‬أوضاع‭ ‬التعثر‭ ‬المالي،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬جميع‭ ‬الحالات‭ ‬لنسق‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬معايير‭ ‬موحّدة‭. ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬قواعد‭ ‬الأفضلية،‭ ‬بصورتها‭ ‬الحالية،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬جامدة،‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المرونة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتنظيم‭ ‬مسائل‭ ‬تعثّر‭ ‬الائتمان‭ ‬التجاري،‭ ‬وهي‭ ‬مسائل‭ ‬تتطلب‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬للتقدير‭ ‬القضائي‭ ‬ومراعاة‭ ‬خصوصية‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬يَتَقَدَّم‭ ‬المدين‭ ‬والدائنون‭ ‬بطلباتٍ‭ ‬مُتَعَارِضَةٍ،‭ ‬فإذا‭ ‬رجعنا‭ ‬لقواعد‭ ‬الأفضلية‭ ‬يكون‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬هو‭ ‬الأصلي،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬المدين‭ ‬ذو‭ ‬خبرةٍ‭ ‬واسعةٍ‭ ‬وسمعةٍ‭ ‬طيبةٍ‭ ‬وفي‭ ‬غير‭ ‬حاجةٍ‭ ‬لرقابة‭ ‬الأمين‭ ‬التي‭ ‬تَفرِضُهَا‭ ‬إجراءات‭ ‬الهيكلة،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الرقابة‭ ‬قد‭ ‬تُعَرقِلُ‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطَّة‭ ‬وتُأَخِّر‭ ‬قرار‭ ‬تسيير‭ ‬أعمال‭ ‬المدين؛‭ ‬لذا‭ ‬تكون‭ ‬إجراءات‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية‭ ‬أكثر‭ ‬مناسبةً‭ ‬لأنَّها‭ ‬لا‭ ‬تتضمَّن‭ ‬وجود‭ ‬الأمين،‭ ‬ورغم‭ ‬إدراك‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬لهذا،‭ ‬فهو‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬سوى‭ ‬البحث‭ ‬بطلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أولاً‭ ‬كطلبٍ‭ ‬أصليٍّ‭ ‬في‭ ‬ظلِّ‭ ‬النص‭ ‬الصريح‭ ‬للمادة‭ ‬17‭.‬
وبالمقابل‭ ‬قد‭ ‬يلمس‭ ‬القاضي‭ ‬من‭ ‬المدين‭ ‬سوء‭ ‬النية‭ ‬ومحاولة‭ ‬التهرُّب‭ ‬من‭ ‬السداد،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬إجراءات‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬ستكون‭ ‬أكثر‭ ‬مناسبةً‭ ‬لهذه‭ ‬الوضعية؛‭ ‬لأنَّها‭ ‬تغلُّ‭ ‬يد‭ ‬المدين‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬أعماله،‭ ‬إلاَّ‭ ‬أنَّ‭ ‬القاضي‭ ‬سيكون‭ ‬ملزماً‭ ‬بالبحث‭ ‬بإعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬أولاً‭ ‬كطلبٍ‭ ‬أصليٍّ‭.‬
لذا،‭ ‬نقترح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬اعتبار‭ ‬قواعد‭ ‬الأفضلية‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬17‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬قواعداً‭ ‬عامةً،‭ ‬والنصُّ‭ ‬على‭ ‬استثناءٍ‭ ‬يَمنَحُ‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬صلاحية‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬الطلب‭ ‬المُتَعَارِضِ‭ ‬مع‭ ‬طلباتٍ‭ ‬أخرى‭ ‬إذا‭ ‬توفَّرت‭ ‬معطياتٌ‭ ‬ماليةٌ‭ ‬وقانونيةٌ‭ ‬واضحةٌ‭ ‬للقاضي‭ ‬تَدفَعُهُ‭ ‬نحو‭ ‬تفضيل‭ ‬طلبٍ‭ ‬على‭ ‬آخر‭.‬
مع‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قرار‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬مُسبَّباً،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬لمحكمة‭ ‬الإفلاس‭ ‬بحث‭ ‬الأسباب‭ ‬وتقييم‭ ‬مدى‭ ‬حسن‭ ‬تقدير‭ ‬القاضي‭ ‬إذا‭ ‬تمَّ‭ ‬الطعن‭ ‬على‭ ‬قراره‭.‬
وفي‭ ‬نفس‭ ‬السياق،‭ ‬قد‭ ‬يتقدّم‭ ‬المدين‭ ‬والدائنون‭ ‬بطلبات‭ ‬متعارضة،‭ ‬وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬الأفضلية‭ ‬المقرّرة‭ ‬قانونًا‭ ‬يكون‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬هو‭ ‬الطلب‭ ‬الأصلي‭ ‬الواجب‭ ‬بحثه‭ ‬أولًا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬قد‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬أوضاع‭ ‬مغايرة‭ ‬تماماً‭ ‬لما‭ ‬افترضه‭ ‬النص‭. ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬المدين‭ ‬متمتعاً‭ ‬بخبرة‭ ‬واسعة‭ ‬وسمعة‭ ‬تجارية‭ ‬طيبة،‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مشروعه‭ ‬بكفاءة،‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬غير‭ ‬محتاج‭ ‬لرقابة‭ ‬أمين‭ ‬الإفلاس‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬إجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تتحوّل‭ ‬هذه‭ ‬الرقابة،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬إبطاء‭ ‬يعرقل‭ ‬سرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬ويؤثر‭ ‬سلبًا‭ ‬في‭ ‬تسيير‭ ‬الأعمال‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الخطة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬إجراءات‭ ‬التسوية‭ ‬الوقائية،‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬الأمين،‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحالة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس،‭ ‬رغم‭ ‬إدراكه‭ ‬لهذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬يبقى‭ ‬مقيّداً‭ ‬بالنص‭ ‬الصريح‭ ‬للمادة‭ ‬17،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬سوى‭ ‬البدء‭ ‬ببحث‭ ‬طلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬بوصفه‭ ‬الطلب‭ ‬الأصلي‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬قد‭ ‬تتوافر‭ ‬لدى‭ ‬القاضي‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬نية‭ ‬المدين‭ ‬ومحاولته‭ ‬التهرّب‭ ‬من‭ ‬السداد‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬إجراءات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لكسب‭ ‬الوقت‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬إجراءات‭ ‬شهر‭ ‬الإفلاس‭ ‬هي‭ ‬الأجدر‭ ‬بالتطبيق،‭ ‬لما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬غلّ‭ ‬يد‭ ‬المدين‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬أعماله‭ ‬ووضعها‭ ‬تحت‭ ‬يد‭ ‬القضاء‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القاضي،‭ ‬ورغم‭ ‬قناعته‭ ‬بملاءمة‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬يظل‭ ‬ملزمًا‭ ‬قانونًا‭ ‬بإعطاء‭ ‬الأسبقية‭ ‬لطلب‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬هامش‭ ‬تقدير‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بتجاوز‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يبرز‭ ‬مقترح‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الطبيعة‭ ‬الجامدة‭ ‬لقواعد‭ ‬الأفضلية‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬17‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس،‭ ‬وذلك‭ ‬باعتبارها‭ ‬قواعد‭ ‬عامة،‭ ‬مع‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬استثناء‭ ‬يخول‭ ‬قاضي‭ ‬الإفلاس‭ ‬سلطة‭ ‬تقديرية‭ ‬محدودة،‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬الإجراء‭ ‬الأنسب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الطلبات‭ ‬المتعارضة،‭ ‬متى‭ ‬توافرت‭ ‬أمامه‭ ‬معطيات‭ ‬مالية‭ ‬وقانونية‭ ‬واضحة‭ ‬تبرّر‭ ‬تفضيل‭ ‬طلب‭ ‬على‭ ‬آخر‭.‬
على‭ ‬أن‭ ‬تُقيَّد‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬بضمانات‭ ‬جوهرية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬إلزام‭ ‬القاضي‭ ‬بتسبيب‭ ‬قراره‭ ‬تسبيبًا‭ ‬كافيًا‭ ‬ومفصلًا،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لمحكمة‭ ‬الإفلاس‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬الطعن‭ ‬المختصة‭ ‬رقابة‭ ‬هذا‭ ‬التقدير،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬سلامته‭ ‬وانسجامه‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬قانون‭ ‬الإفلاس‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬الائتمان،‭ ‬وصون‭ ‬حقوق‭ ‬الدائنين،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬المشاريع‭ ‬القابلة‭ ‬للاستمرار‭.‬

رجوع لأعلى