تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التكنولوجيا‭ ‬ترسم‭ ‬مسار‭ ‬العائدات‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة

VZ32

شهدت‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭ ‬تحولاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬مصادر‭ ‬القيمة‭ ‬والإنتاج‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬المكثف‭ ‬للموارد‭ ‬المادية‭ ‬ودورات‭ ‬الإنتاج‭ ‬التقليدية،‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬اقتصاد‭ ‬جديد‭ ‬تتشكل‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬المعرفة‭ ‬والمعلومات‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬ومع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬الحالي،‭ ‬أصبح‭ ‬تدوير‭ ‬المعلومات‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارتها‭ ‬عاملاً‭ ‬موازياً‭ ‬ـ‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬ـ‭ ‬من‭ ‬تدوير‭ ‬الموارد‭ ‬المادية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر‭ ‬بات‭ ‬يعمل‭ ‬ضمن‭ ‬مسارين‭ ‬متداخلين،‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭ ‬منطق‭ ‬مختلف‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فهناك‭ ‬نموذج‭ ‬تقليدي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالمدارس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنظيم‭ ‬الهرمي‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الإنتاج‭. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬برز‭ ‬نموذج‭ ‬آخر‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬زيادة‭ ‬العائدات،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتعلم‭ ‬التنظيمي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬المهارات‭ ‬البشرية‭ ‬والمعلومات‭ ‬لتحقيق‭ ‬مزايا‭ ‬تنافسية‭ ‬مستمرة‭.‬

كيف‭ ‬يسعى‭ ‬المديرون‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬زيادة‭ ‬العائدات

أمام‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬وجد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬أنفسهم‭ ‬مطالبين‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬الإدارة‭ ‬التقليدية،‭ ‬والتوجه‭ ‬نحو‭ ‬فهم‭ ‬ديناميكيات‭ ‬الأسواق‭ ‬الحديثة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭. ‬وقد‭ ‬دفعهم‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬نظم‭ ‬المعلومات‭ ‬والتقنيات‭ ‬الرقمية‭ ‬لفهم‭ ‬حركة‭ ‬الأسواق‭ ‬بشكل‭ ‬أدق،‭ ‬واستيعاب‭ ‬آليات‭ ‬التغذية‭ ‬الراجعة‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬والمنافسين‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬يصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬قراءة‭ ‬اتجاهات‭ ‬الطلب‭ ‬وتحديد‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الشركات‭ ‬موقعاً‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬اقتصاد‭ ‬زيادة‭ ‬العائدات‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬القيادات‭ ‬الإدارية‭ ‬إدراك‭ ‬موقع‭ ‬مؤسساتهم‭ ‬داخل‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تنشأ‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬غيرها،‭ ‬بل‭ ‬تتطور‭ ‬ضمن‭ ‬منظومات‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬الابتكارات‭ ‬والشركات‭ ‬والأسواق‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬منتج‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬داخل‭ ‬الشركة،‭ ‬بل‭ ‬يتأثر‭ ‬أيضاً‭ ‬بمدى‭ ‬قوة‭ ‬الشبكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬ضمنها‭ ‬المؤسسة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬وبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تعظيم‭ ‬العائدات‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬يحتاج‭ ‬المديرون‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬قدرتهم‭ ‬الحقيقية‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬التنافسي،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬توفر‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب‭. ‬فاقتصاد‭ ‬زيادة‭ ‬العائدات‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكافئ‭ ‬من‭ ‬يسبق‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬ويحقق‭ ‬انتشاراً‭ ‬مبكراً،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬التضحية‭ ‬بجزء‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬مقابل‭ ‬مكاسب‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬تتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الحاسمة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬عندما‭ ‬تشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مسار‭ ‬العائدات‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬معاكس‭.‬

أهمية‭ ‬استشراف‭ ‬الموجات‭ ‬التكنولوجية

ومن‭ ‬السمات‭ ‬البارزة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المعاصر‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬موجات‭ ‬متعاقبة‭. ‬فالتقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬تظهر‭ ‬ثم‭ ‬تنتشر‭ ‬وتبلغ‭ ‬ذروتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحل‭ ‬محلها‭ ‬موجة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يصبح‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬المؤسسات‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬الموجة‭ ‬القادمة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالنجاح‭ ‬في‭ ‬الموجة‭ ‬الحالية‭.‬
ويمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬بالإبحار‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬موجة‭ ‬متحركة؛‭ ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬موقعها‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬خارج‭ ‬المنافسة‭ ‬سريعاً،‭ ‬بينما‭ ‬تنجح‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬مستقبلية‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬والاستعداد‭ ‬لها‭ ‬مبكراً‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬زيادة‭ ‬العائدات‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالابتكار‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار،‭ ‬بل‭ ‬يعتمد‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬باتجاهات‭ ‬السوق‭ ‬وفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬المنافسة‭ ‬القادمة‭.‬

صعود‭ ‬العائدات

إذا‭ ‬ما‭ ‬أُخذت‭ ‬هذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬مجتمعة‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار،‭ ‬فإن‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬العائدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬تصبح‭ ‬أكبر‭. ‬فهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬يكافئ‭ ‬المديرين‭ ‬القادرين‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬جريئة‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأسواق‭ ‬المتغيرة‭ ‬بثقة‭ ‬ومرونة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬المخاطر،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬أحياناً‭ ‬العمل‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬دنيا‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مبكرة‭ ‬غير‭ ‬مضمونة‭ ‬النتائج‭. ‬لذلك‭ ‬تجد‭ ‬المؤسسات‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬منافسة‭ ‬مستمرة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬حضورها‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬وعدم‭ ‬فقدان‭ ‬موقعها‭ ‬لصالح‭ ‬منافسين‭ ‬أكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬للمخاطرة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬قدّم‭ ‬المفكر‭ ‬التكنولوجي‭ ‬George Gilder‭ ‬رؤية‭ ‬مبكرة‭ ‬للتحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬القرن‭ ‬العشرون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والسياسة‭. ‬فقد‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬بدأت‭ ‬تتراجع‭ ‬تدريجياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بأهمية‭ ‬الثروة‭ ‬الفكرية‭ ‬والعقلية،‭ ‬وأن‭ ‬المعرفة‭ ‬والابتكار‭ ‬باتا‭ ‬يمثلان‭ ‬المصدر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للقوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬
وبناءً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬أخذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬المادية‭ ‬للإنتاج‭ ‬الضخم‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬المعلومات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬التصميم‭ ‬والإنتاج‭ ‬وإدارة‭ ‬الأسواق‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬ظهرت‭ ‬اقتصاديات‭ ‬جديدة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬بالانتقال‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬العائدات‭ ‬المحدودة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬العائدات‭ ‬المتزايدة‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المبتكرة‭ ‬فرصاً‭ ‬أكبر‭ ‬للنمو‭ ‬والاستمرار‭.‬

المعلوماتية‭ ‬كمحرك‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي

أدى‭ ‬التطور‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬البيانات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬العناصر‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬بشكل‭ ‬وثيق‭ ‬بمستويات‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والابتكار‭ ‬المؤسسي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬المعرفة‭ ‬وتدريب‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬المتسارعة‭.‬

عوامل‭ ‬نجاح‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة

تشير‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وخاصة‭ ‬تلك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بـ‭ ‬Organisation for Economic Co-operation and Development،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬أصبح‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭.‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الاقتصادات‭:‬

أولاً‭: ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬المعلوماتية
شهدت‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬توسعاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬المعلومات‭ ‬والبيانات‭ ‬باعتبارها‭ ‬مورداً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭. ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الرئيسية‭ ‬للتطور‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬مثل‭ ‬الإلكترونيات‭ ‬والحواسيب‭ ‬وصناعة‭ ‬الطائرات‭.‬
كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬مساهمة‭ ‬الصناعات‭ ‬ذات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العالية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭ ‬داخل‭ ‬دول‭ ‬المنظمة،‭ ‬حيث‭ ‬تراوحت‭ ‬نسبتها‭ ‬بين‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬و25‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دورها‭ ‬المتنامي‭ ‬في‭ ‬الصادرات‭ ‬العالمية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الحواسيب‭ ‬والمعدات‭ ‬التقنية‭ ‬والأنظمة‭ ‬الإلكترونية‭.‬
وفي‭ ‬المقابل‭ ‬شهد‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬المعرفة،‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والاتصالات‭ ‬وإدارة‭ ‬البيانات‭ ‬نمواً‭ ‬سريعاً،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬يشكل‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يرتبط‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭.‬

الاستثمار‭ ‬العلمي

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬توجهت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬والابتكار‭ ‬العلمي‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المادية‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لتحقيق‭ ‬النمو،‭ ‬بل‭ ‬برزت‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬غير‭ ‬الملموسة‭ ‬مثل‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬وتدريب‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬وتطوير‭ ‬البرمجيات‭ ‬والخبرات‭ ‬الفنية‭.‬
وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنظمة‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬3‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬بينما‭ ‬استحوذ‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬تقارب‭ ‬12‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬كما‭ ‬سجلت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬المهني‭ ‬نسباً‭ ‬مرتفعة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬نظام‭ ‬التدريب‭ ‬المزدوج‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الدراسة‭ ‬النظرية‭ ‬والتطبيق‭ ‬العملي‭ ‬مثل‭ ‬ألمانيا‭ ‬والنمسا‭.‬
أما‭ ‬سوق‭ ‬البرمجيات‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬نمواً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬مشتريات‭ ‬البرمجيات‭ ‬بمعدلات‭ ‬سنوية‭ ‬كبيرة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬شهدت‭ ‬فيه‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬والخدمات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬زيادة‭ ‬ملحوظة‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬منتصف‭ ‬الثمانينيات‭ ‬وبداية‭ ‬التسعينيات‭.‬
محركات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعرفي

لم‭ ‬يعد‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬المحدد‭ ‬الرئيسي‭ ‬لقوة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬الكفاءات‭ ‬البشرية‭ ‬والمهارات‭ ‬المتقدمة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأصول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭. ‬ففي‭ ‬دول‭ ‬Organisation for Economic‭ ‬Co-operation and Development‭ ‬يبرز‭ ‬العامل‭ ‬الماهر‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬العناصر‭ ‬طلباً‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬بين‭ ‬أصحاب‭ ‬المؤهلات‭ ‬الجامعية‭ ‬مقارنة‭ ‬بغيرهم‭. ‬فبينما‭ ‬تسجل‭ ‬البطالة‭ ‬لدى‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الثانوي‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى،‭ ‬تنخفض‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬لدى‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الأهمية‭ ‬المتزايدة‭ ‬للمعرفة‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬التقليدية‭ ‬شهدت‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬فإن‭ ‬الوظائف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬تواصل‭ ‬النمو‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصناعات‭ ‬الجديدة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتطورة،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الحواسيب‭ ‬والبرمجيات‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الصناعات‭ ‬الدوائية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬الدقيقة‭.‬
وتتطلب‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬والخبرات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬بدوره‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأجور‭ ‬مقارنة‭ ‬بالوظائف‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬منخفضة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬مثل‭ ‬الصناعات‭ ‬الغذائية‭ ‬أو‭ ‬الإنتاج‭ ‬التقليدي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬المعلوماتية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليشمل‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬أيضاً،‭ ‬حيث‭ ‬ظهرت‭ ‬فئة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬يطلق‭ ‬عليهم‭ ‬أحياناً‭ ‬‮«‬عمال‭ ‬المعرفة‮»‬،‭ ‬وهم‭ ‬الذين‭ ‬يعتمد‭ ‬عملهم‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها‭ ‬واستخدامها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬المادية‭.‬
ومع‭ ‬انتشار‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬بدأت‭ ‬مهارات‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬تتطور‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬أو‭ ‬الخدمات،‭ ‬نتيجة‭ ‬اعتماد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬والتقنيات‭ ‬الذكية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬والإنتاج‭.‬

من‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬التقليدية‭ ‬
إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة

ظل‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬يبحثون‭ ‬في‭ ‬العوامل‭ ‬التقليدية‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والمواد‭ ‬والطاقة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬دفعت‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والمعلومات‭ ‬مجرد‭ ‬عوامل‭ ‬خارجية‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬الإنتاج‭ ‬نفسها‭.‬
فالمعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬اليوم‭ ‬قادرتان‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬إنتاجية‭ ‬بقية‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬كما‭ ‬أنهما‭ ‬تفتحان‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬ابتكار‭ ‬منتجات‭ ‬وعمليات‭ ‬جديدة‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬عائدات‭ ‬متزايدة‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬فإنها‭ ‬تشكل‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭.‬

رجوع لأعلى