التكنولوجيا ترسم مسار العائدات في اقتصاد المعرفة
شهدت بنية الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في طبيعة مصادر القيمة والإنتاج. فبعد أن كان النشاط الصناعي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستخدام المكثف للموارد المادية ودورات الإنتاج التقليدية، بدأت ملامح اقتصاد جديد تتشكل يقوم على توظيف المعرفة والمعلومات والتكنولوجيا. ومع نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، أصبح تدوير المعلومات والقدرة على إدارتها عاملاً موازياً ـ وربما أكثر تأثيراً ـ من تدوير الموارد المادية في تحقيق النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق يمكن القول إن الاقتصاد المعاصر بات يعمل ضمن مسارين متداخلين، لكل منهما منطق مختلف في إدارة النشاط الاقتصادي. فهناك نموذج تقليدي يرتبط بالمدارس الاقتصادية الكلاسيكية التي ركزت على التخطيط والتنظيم الهرمي والتحكم في عمليات الإنتاج. وفي المقابل برز نموذج آخر يقوم على ما يعرف باقتصاد زيادة العائدات، وهو نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة والتعلم التنظيمي والقدرة على توظيف المهارات البشرية والمعلومات لتحقيق مزايا تنافسية مستمرة.
كيف يسعى المديرون إلى تحقيق زيادة العائدات
أمام هذا التحول، وجد العديد من المديرين أنفسهم مطالبين بإعادة النظر في أساليب الإدارة التقليدية، والتوجه نحو فهم ديناميكيات الأسواق الحديثة القائمة على المعرفة. وقد دفعهم ذلك إلى توظيف نظم المعلومات والتقنيات الرقمية لفهم حركة الأسواق بشكل أدق، واستيعاب آليات التغذية الراجعة التي تؤثر في سلوك المستهلكين والمنافسين. ومن خلال هذا الفهم يصبح بالإمكان قراءة اتجاهات الطلب وتحديد الفرص التي يمكن أن تمنح الشركات موقعاً أفضل في المنافسة.
كما أن التعامل مع اقتصاد زيادة العائدات يتطلب من القيادات الإدارية إدراك موقع مؤسساتهم داخل شبكة واسعة من العلاقات التكنولوجية والاقتصادية. فالتكنولوجيا الحديثة لا تنشأ بمعزل عن غيرها، بل تتطور ضمن منظومات مترابطة من الابتكارات والشركات والأسواق. ولهذا فإن نجاح أي منتج أو خدمة لا يعتمد فقط على كفاءة الإدارة داخل الشركة، بل يتأثر أيضاً بمدى قوة الشبكة الاقتصادية التي تعمل ضمنها المؤسسة. ومن هنا تصبح إدارة هذه الشبكات وبناء العلاقات الاستراتيجية مع الأطراف المختلفة عاملاً أساسياً في تعظيم العائدات.
إلى جانب ذلك، يحتاج المديرون إلى تقييم قدرتهم الحقيقية على دخول هذا المجال التنافسي، بما يشمل توفر الموارد المالية والتكنولوجية والقدرة على اختراق الأسواق في التوقيت المناسب. فاقتصاد زيادة العائدات غالباً ما يكافئ من يسبق إلى السوق ويحقق انتشاراً مبكراً، حتى وإن تطلب الأمر التضحية بجزء من الأرباح في المراحل الأولى مقابل مكاسب أكبر في المستقبل. غير أن هذه الاستراتيجية تتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، بما في ذلك الانسحاب من الأسواق عندما تشير المؤشرات إلى أن مسار العائدات يسير في اتجاه معاكس.
أهمية استشراف الموجات التكنولوجية
ومن السمات البارزة للاقتصاد المعاصر أن التطور التكنولوجي يحدث في موجات متعاقبة. فالتقنيات الجديدة تظهر ثم تنتشر وتبلغ ذروتها قبل أن تحل محلها موجة أخرى أكثر تطوراً. وفي مثل هذا السياق يصبح التحدي الحقيقي أمام المؤسسات هو القدرة على استشراف الموجة القادمة بدلاً من الاكتفاء بالنجاح في الموجة الحالية.
ويمكن تشبيه العمل في مجال التكنولوجيا المتقدمة بالإبحار على سطح موجة متحركة؛ فالمؤسسات التي تكتفي بالنظر إلى موقعها الحالي قد تجد نفسها خارج المنافسة سريعاً، بينما تنجح المؤسسات التي تمتلك رؤية مستقبلية في قراءة ملامح المرحلة المقبلة والاستعداد لها مبكراً. ولهذا فإن التفوق في اقتصاد زيادة العائدات لا يرتبط فقط بالابتكار أو الاستثمار، بل يعتمد أيضاً على القدرة على التنبؤ باتجاهات السوق وفهم طبيعة المنافسة القادمة.
صعود العائدات
إذا ما أُخذت هذه الاعتبارات مجتمعة بعين الاعتبار، فإن فرص النجاح في اقتصاد العائدات المتزايدة تصبح أكبر. فهذا النوع من الاقتصادات يكافئ المديرين القادرين على اتخاذ قرارات جريئة والتعامل مع الأسواق المتغيرة بثقة ومرونة. غير أن العمل في هذا المجال لا يخلو من المخاطر، إذ يتطلب أحياناً العمل عند حدود دنيا من الأرباح أو الاستثمار في مراحل مبكرة غير مضمونة النتائج. لذلك تجد المؤسسات نفسها مضطرة إلى خوض منافسة مستمرة للحفاظ على حضورها القوي في السوق وعدم فقدان موقعها لصالح منافسين أكثر استعداداً للمخاطرة.
وفي هذا السياق قدّم المفكر التكنولوجي George Gilder رؤية مبكرة للتحولات التي شهدها القرن العشرون في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة. فقد رأى أن قيمة الثروات الطبيعية بدأت تتراجع تدريجياً مقارنة بأهمية الثروة الفكرية والعقلية، وأن المعرفة والابتكار باتا يمثلان المصدر الحقيقي للقوة الاقتصادية في العصر الحديث.
وبناءً على هذا التحول، أخذ الاقتصاد العالمي ينتقل من نموذج يعتمد على القوة المادية للإنتاج الضخم إلى نموذج يقوم على توظيف المعلومات والتكنولوجيا في التصميم والإنتاج وإدارة الأسواق. ومع هذا التحول ظهرت اقتصاديات جديدة تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما سمح بالانتقال من نموذج العائدات المحدودة إلى نموذج العائدات المتزايدة الذي يمنح المؤسسات المبتكرة فرصاً أكبر للنمو والاستمرار.
المعلوماتية كمحرك للنمو الاقتصادي
أدى التطور السريع في تقنيات المعلومات إلى تعزيز دور البيانات والتكنولوجيا في دعم الإنتاجية والنمو الاقتصادي. فقد أصبحت المعلوماتية اليوم أحد أهم العناصر المؤثرة في أداء الاقتصاد الحديث، إذ ترتبط بشكل وثيق بمستويات التعليم والبحث العلمي والابتكار المؤسسي. كما أن المؤسسات التي تستثمر في تطوير المعرفة وتدريب الموارد البشرية تتمتع بقدرة أكبر على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.
عوامل نجاح اقتصادات الدول المتقدمة
تشير تجارب الدول الصناعية المتقدمة، وخاصة تلك المرتبطة بـ Organisation for Economic Co-operation and Development، إلى أن الاعتماد على المعرفة والتكنولوجيا أصبح حجر الأساس في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
ومن أبرز العوامل التي ساهمت في نجاح هذه الاقتصادات:
أولاً: تنامي دور المعلوماتية
شهدت اقتصادات الدول المتقدمة توسعاً ملحوظاً في استخدام المعلومات والبيانات باعتبارها مورداً أساسياً من موارد رأس المال البشري. وقد أصبحت التكنولوجيا الحديثة أحد المحركات الرئيسية للتطور الاقتصادي، خاصة مع توسع الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة مثل الإلكترونيات والحواسيب وصناعة الطائرات.
كما ارتفعت مساهمة الصناعات ذات التكنولوجيا العالية في قطاع التصنيع داخل دول المنظمة، حيث تراوحت نسبتها بين نحو 20 و25 في المئة من إجمالي الإنتاج الصناعي، إضافة إلى دورها المتنامي في الصادرات العالمية، خصوصاً في مجالات الحواسيب والمعدات التقنية والأنظمة الإلكترونية.
وفي المقابل شهد قطاع الخدمات المعتمد على المعرفة، مثل التعليم والاتصالات وإدارة البيانات نمواً سريعاً، حتى بات يشكل نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في الدول المتقدمة. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف الناتج الاقتصادي في العديد من هذه الدول يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالاقتصاد القائم على المعرفة.
الاستثمار العلمي
وفي ضوء هذه التحولات، توجهت الاستثمارات بشكل متزايد نحو قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والابتكار العلمي. ولم تعد الاستثمارات المادية وحدها كافية لتحقيق النمو، بل برزت أهمية الاستثمارات غير الملموسة مثل البحث والتطوير وتدريب القوى العاملة وتطوير البرمجيات والخبرات الفنية.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن الإنفاق على البحث والتطوير في دول المنظمة بلغ في المتوسط نحو 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما استحوذ قطاع التعليم على نسبة تقارب 12 في المئة من الإنفاق العام في العديد من هذه الدول. كما سجلت الاستثمارات في التدريب المهني نسباً مرتفعة، خصوصاً في الدول التي تعتمد نظام التدريب المزدوج الذي يجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي مثل ألمانيا والنمسا.
أما سوق البرمجيات فقد شهد نمواً ملحوظاً منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث ارتفعت مشتريات البرمجيات بمعدلات سنوية كبيرة، في وقت شهدت فيه التجارة الدولية في براءات الاختراع والخدمات التكنولوجية زيادة ملحوظة وصلت إلى نحو 20 في المئة خلال الفترة ما بين منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات.
محركات الاقتصاد المعرفي
لم يعد رأس المال المادي وحده هو المحدد الرئيسي لقوة الاقتصادات الحديثة، بل أصبحت الكفاءات البشرية والمهارات المتقدمة أحد أهم الأصول التي تعتمد عليها الدول الصناعية. ففي دول Organisation for Economic Co-operation and Development يبرز العامل الماهر بوصفه أحد أكثر العناصر طلباً في سوق العمل، حيث تشير المؤشرات إلى انخفاض معدلات البطالة بشكل ملحوظ بين أصحاب المؤهلات الجامعية مقارنة بغيرهم. فبينما تسجل البطالة لدى الحاصلين على التعليم الثانوي مستويات أعلى، تنخفض بشكل كبير لدى خريجي الجامعات، ما يعكس الأهمية المتزايدة للمعرفة والتعليم في الاقتصاد الحديث.
ورغم أن بعض القطاعات الصناعية التقليدية شهدت تراجعاً في فرص العمل، فإن الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة تواصل النمو بوتيرة متسارعة. ويعود ذلك إلى اعتماد العديد من الصناعات الجديدة على المعرفة العلمية والتقنيات المتطورة، بدءاً من صناعة الحواسيب والبرمجيات وصولاً إلى الصناعات الدوائية والتكنولوجية الدقيقة.
وتتطلب هذه القطاعات مستويات مرتفعة من المهارات والخبرات، وهو ما ينعكس بدوره على ارتفاع الأجور مقارنة بالوظائف التقليدية في الصناعات منخفضة التكنولوجيا مثل الصناعات الغذائية أو الإنتاج التقليدي. كما أن تأثير المعلوماتية لم يعد محصوراً في قطاع التصنيع، بل امتد ليشمل قطاع الخدمات أيضاً، حيث ظهرت فئة جديدة من العاملين يطلق عليهم أحياناً «عمال المعرفة»، وهم الذين يعتمد عملهم بشكل أساسي على إنتاج المعلومات وتحليلها واستخدامها بدلاً من إنتاج السلع المادية.
ومع انتشار التقنيات الحديثة، بدأت مهارات القوى العاملة تتطور في مختلف القطاعات الاقتصادية، سواء في الصناعة أو الخدمات، نتيجة اعتماد المؤسسات المتزايد على الأدوات الرقمية والتقنيات الذكية في إدارة الأعمال والإنتاج.
من عوامل الإنتاج التقليدية
إلى اقتصاد المعرفة
ظل الاقتصاديون لفترة طويلة يبحثون في العوامل التقليدية للنمو الاقتصادي مثل العمل ورأس المال والمواد والطاقة. غير أن التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي دفعت إلى إعادة النظر في هذه المقاربات، حيث لم تعد التكنولوجيا والمعلومات مجرد عوامل خارجية تؤثر في الإنتاج، بل أصبحت جزءاً أساسياً من عملية الإنتاج نفسها.
فالمعرفة والتكنولوجيا اليوم قادرتان على تعزيز إنتاجية بقية عناصر الإنتاج، كما أنهما تفتحان المجال أمام ابتكار منتجات وعمليات جديدة. وبما أن الاستثمارات في المعرفة والتكنولوجيا غالباً ما تحقق عائدات متزايدة بمرور الوقت، فإنها تشكل أحد أهم الأسس التي يقوم عليها النمو الاقتصادي طويل الأجل.