التكنولوجيا تعيد تشكيل قواعد المنافسة العالمية
التكنولوجيا بوابة المنافسة العالمية
تعد تكنولوجيا المعلومات والاتصال من الأدوات الرئيسية للمشاركة في الاقتصاد العالمي، وتحسين توفير الخدمات الأساسية، وتعزيز فرص التنمية المحلية، كما أصبح الاستثمار فيها أحد المحركات الأساسية لتعزيز القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية.
ووفقًا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، تمثل تكنولوجيات المعلومات والاتصال أحد العوامل المهمة في دفع التنمية الاقتصادية، وهو ما يجعل دمجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي ضرورة متزايدة، ومن ذلك قطاع الخدمات السياحية الذي أصبح يحتل موقعًا متقدمًا في التجارة الإلكترونية.
وقد أدت ثورة المعلومات والتطور المتسارع لشبكات الإنترنت العالمية إلى عولمة قطاع السياحة من خلال التوسع في تطبيقات السياحة الإلكترونية، وأصبحت صناعة السياحة تعتمد بدرجة كبيرة على توافر المعلومات، الأمر الذي جعل شبكة الإنترنت خدمة مكملة وأساسية لهذا القطاع.
وتتسم الخدمات السياحية بدرجة كبيرة من تباين المعلومات، إذ لا يمكن قياس جودتها بصورة كاملة إلا من خلال التجربة، ولذلك يرتبط نمو السياحة الإلكترونية بدرجة ثقة السائح في جودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات السياحية.
وتساعد شبكة الإنترنت على تقليص حدة التباين في المعلومات من خلال توفير كميات كبيرة من البيانات حول المنتجات والخدمات في مختلف المقاصد السياحية، بما يعزز القدرة على المقارنة والاختيار.
كما تسهم في زيادة الثقة المتبادلة بين الأطراف المعنية، وتمكّن المؤسسات السياحية من بناء اسم وعلامة تجارية مميزة مع مرور الوقت.
خفض التكاليف وتوسيع النشاط
يسهم انتشار السياحة الإلكترونية كذلك في خفض تكاليف الخدمات السياحية، وهو ما يمكن أن ينعكس على الأسعار، في الوقت الذي أدى فيه التوسع في استخدام الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني والهاتف الخلوي والتلفزيون الرقمي التفاعلي إلى تعزيز هذا الاتجاه.
كما أسهم ارتفاع عدد المواقع الإلكترونية والمشتركين في شبكة الإنترنت وسرعة الوصول إليها في تقليص تكاليف التسويق السياحي، سواء من خلال التواصل مع السائحين أو نشر المعلومات السياحية، إلى جانب خفض تكاليف الإنتاج نتيجة سهولة وسرعة التواصل بين مقدمي الخدمة السياحية والوسطاء.
ويضاف إلى ذلك تقليص حجم العمالة المطلوبة في بعض العمليات، بما يؤدي بدوره إلى خفض تكاليف الإنتاج والتشغيل.
كما يتيح انتشار السياحة الإلكترونية سهولة تطوير المنتج السياحي وظهور أنشطة سياحية جديدة تتناسب مع مختلف شرائح السائحين، فضلًا عن تحسين مستوى الخدمات والاحتفاظ بقاعدة واسعة من السياح.
وينعكس ذلك على زيادة القدرة التنافسية للمؤسسات السياحية، ورفع مبيعاتها وإيراداتها وأرباحها، وصولًا إلى زيادة القيمة المضافة التي يساهم بها هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
وكلما اتسع نطاق السياحة الإلكترونية، انعكس ذلك على مختلف فروع القطاع السياحي، إذ تحدث السياحة الإلكترونية تغيرات مهمة في أداء القطاعات المرتبطة بها، وفي مقدمتها قطاع الفنادق.
وتتحسن جودة الخدمات الفندقية وتزداد فاعلية التشغيل من خلال تجهيز الغرف بالكمبيوتر وتوظيف التقنيات الحديثة في إدارة الخدمات، إلا أن ذلك يتطلب في المقابل مستوى مرتفعاً من المعرفة التكنولوجية، ودراسة جادة لاستخدام الحاسب الآلي، وكيفية التعامل معه، والاتصال الصحيح بشبكة الإنترنت، فضلاً عن إتقان أساليب التسويق السياحي الإلكتروني وفتح أسواق جديدة وتنشيط السياحة العالمية عبر الوسائل الرقمية.
ويشير تقرير اقتصاد المعلومات الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» عام 2005 إلى أن أرباح السياحة كثيراً ما تتسرب من الدول الفقيرة إلى شركات السفر والحجز والنقل وشبكات الفنادق العالمية التي تتولى ترتيب معظم الرحلات الخارجية خلال فترات العطلات.
وفي المقابل، يوفر الإنترنت فرصة لتغيير هذا النمط، إذ يتجه عدد متزايد من المسافرين إلى البحث عن الرحلات والخدمات عبر الحاسوب، بما يفتح المجال أمام بلدان الكاريبي وإفريقيا وآسيا لاستقطاب هؤلاء المسافرين مباشرة، من خلال عرض أنماط السياحة البيئية المحلية والتجارب والمعارف التي تتميز بها.
ومن شأن ذلك أن يمنح هذه الدول قدرة أكبر على منافسة الشركات الأجنبية، خصوصاً إذا أعادت تنظيم خدماتها السياحية وأنشأت شبكات تتيح للفنادق والبنوك وشركات السفر المحلية تقديم مجموعة متكاملة من الخدمات للسائح.
وتشمل هذه الخدمات تنظيم الرحلات والحجوزات وبطاقات السفر جوًّا وصرف العملات والدفع الإلكتروني، بما يسمح بإبقاء جزء أكبر من الأرباح المتحققة داخل الاقتصاد المحلي، والمساهمة في زيادة فرص العمل ودعم التنمية الاقتصادية.
ويبين التقرير أن البلدان النامية أصبحت تستقبل نحو 35 بالمئة من السياحة الدولية سنويًّا، إلا أن معظم هذه البلدان لم تتمكن من زيادة عوائدها من السياحة بالمستوى المتوقع، بسبب تسرب جزء كبير من تلك العوائد خارج حدودها لصالح شركات أجنبية موجودة في دول غنية تمول جزءًا كبيرًا من المشاريع السياحية.
الإنترنت يعيد تشكيل
صناعة السفر
كما يوضح التقرير تزايد اعتماد السياح على الإنترنت في ترتيب رحلاتهم، إذ تشير دراسات صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن مستخدمي الإنترنت ينظمون رحلاتهم عبر الشبكة، بما يشمل حجوزات السفر والفنادق.
ويفرض هذا التحول على منظمات السياحة المحلية والإقليمية وحكومات البلدان النامية، ولا سيما الدول التي قطعت أشواطاً مهمة في تطوير قطاعها السياحي، التركيز على تعميم فرص الوصول إلى الإنترنت وإنشاء شبكات مترابطة تغطي مختلف الاحتياجات المرتبطة بالسفر الدولي.
وتأتي في مقدمة هذه الاحتياجات معالجة العقبات المحلية المرتبطة بالتكنولوجيا والمدفوعات والاتصالات، إلى جانب نشر استخدام الحاسوب وتوسيع الاستفادة من تطبيقاته.
وبات السفر يمثل المصدر الأكبر لإيرادات الإنترنت الناتجة عن العلاقات بين الشركات والمستهلكين، إذ بلغت هذه الإيرادات عالميّاً 52.4 مليار دولار عام 2004.
وخلال فعاليات «أصول وفنون التسويق الإلكتروني لقطاع السياحة والسفر» التي أقيمت في بيروت عام 2009، أوضح رئيس المنظمة العربية للسياحة أن الاهتمام بالسياحة الإلكترونية يتنامى بالتوازي مع الاهتمام بالتجارة الإلكترونية، مشيرًا إلى أن السياحة كانت تساهم بنسبة 25 بالمئة من إجمالي التجارة الإلكترونية عام 1997، ثم ارتفعت مساهمتها إلى 35 بالمئة عام 2002، مع توقع وصولها إلى 65 بالمئة عام 2010.
وتظهر إحصائيات منظمة السياحة العالمية ارتفاع معدلات الحجز الإلكتروني، إذ بلغت نسبة حجوزات السفر جوّاً عبر الإنترنت 20 بالمئة من إجمالي الحجوزات عام 2002، مع استمرار الاتجاه نحو تنفيذ المزيد من الحجوزات إلكترونيّاً.
كما أشارت دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن قطاع السياحة سيكون من أكبر المستفيدين من تطبيق التجارة الإلكترونية، مع توقع وصول نسبة صادرات الخدمات السياحية إلى أكثر من 18 بالمئة، وهي نسبة تعكس التأثير المتزايد للتجارة الإلكترونية في هذا النشاط مقارنة بأثرها في صادرات القطاعات الاقتصادية الأخرى.
وتشير بعض المسوحات التي أجريت في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن شبكة الإنترنت أصبحت المصدر الأول للحصول على المعلومات والتخطيط لقضاء الإجازات والعطلات، في حين تراجع الاعتماد على المصادر التقليدية، مثل الاتصال الهاتفي أو زيارة مراكز المعلومات السياحية ومكاتب الخطوط الجوية ووكالات السفر.
ومن المتوقع، تبعاً لذلك، أن يقود توسع السياحة الإلكترونية إلى تغيرات واسعة في أساليب تسويق السياحة والترويج لها على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور يحيى بو الحسن، رئيس المنظمة الدولية لصناعة السياحة الإلكترونية، أن هذا النوع من السياحة يمثل السبيل الأساسي للتسويق مستقبلاً، بما سيدفع الشركات والمزارات السياحية والفنادق إلى مواكبة التحول من خلال اعتماد أحدث أساليب التسويق الإلكتروني.
ويشير إلى أن 66 بالمئة من المجتمع الأمريكي يتجه إلى الشراء الإلكتروني، في حين يقوم الأوروبيون بترتيب برامج رحلاتهم وهم في أماكنهم، مضيفًا أن هذه الطريقة توفر نحو 30 بالمئة من تكاليف الرحلة التي تتقاضاها شركات السياحة والوسطاء والعمولات والضرائب.
كما يؤكد مزايا السياحة الإلكترونية في توفير الوقت للسائح، من خلال حصوله على الخدمة التي يرغب فيها بالطريقة المناسبة والسعر المناسب وفي الوقت المناسب.
ولا يقتصر أثر هذه المنظومة على السائح وحده، بل يمتد مباشرة إلى مختلف عناصر النشاط السياحي، بدءًا من تطوير المنتج السياحي وظهور أنشطة جديدة، وصولًا إلى سهولة الوصول إلى السائح واستقطابه.