تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬التخطيط‭ ‬الدولي‭ ‬والواقع‭ ‬الاجتماعي

BN60

تخضع‭ ‬الاستجابة‭ ‬لطلبات‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬الضوابط‭ ‬والمعايير‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬فاعليتها‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬التنموية‭. ‬وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬التزام‭ ‬الهيئات‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬المعونة‭ ‬بمبادئ‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وأسس‭ ‬برنامج‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭ ‬الموسعة‭ ‬والقرارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬هذه‭ ‬المعونة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية،‭ ‬وأن‭ ‬تُوزَّع‭ ‬ثمار‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬توزيعًا‭ ‬عادلًا‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭.‬
كما‭ ‬يُشترط‭ ‬أن‭ ‬تُصمَّم‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬المقترحة‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬رفاهية‭ ‬المجتمع،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬الكاملة،‭ ‬ومراعاة‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬أو‭ ‬إقليم،‭ ‬نظرًا‭ ‬لتأثير‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ونجاحها‭. ‬ويُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ضرورة‭ ‬ترتيب‭ ‬المشروعات‭ ‬وفق‭ ‬أولويات‭ ‬واحتياجات‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬التوزيع‭ ‬الجغرافي‭ ‬العادل‭ ‬لهذه‭ ‬المشروعات‭.‬
ويُعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬السياسي‭ ‬شرطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لاستفادة‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬نص‭ ‬عليه‭ ‬قرار‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬رقم‭ (‬100‭) ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الثالثة‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬أن‭ ‬تجني‭ ‬ثمار‭ ‬التنمية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬سليمة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬برنامجًا‭ ‬تنمويًا‭ ‬متوازنًا،‭ ‬يراعي‭ ‬مختلف‭ ‬عناصر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬ويستند‭ ‬إلى‭ ‬موارد‭ ‬البلاد‭ ‬وإمكاناتها‭ ‬الحقيقية،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للمشروعات‭ ‬الأكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬وتأثيراً‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتصدر‭ ‬مساعدة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬احتياجاتها‭ ‬وصياغة‭ ‬برامجها‭ ‬التنموية‭ ‬مهام‭ ‬الوكالات‭ ‬المتخصصة‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭. ‬كما‭ ‬يفرض‭ ‬تشابك‭ ‬المصالح‭ ‬الدولية‭ ‬وترابط‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬الحكومات،‭ ‬عند‭ ‬إعداد‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬في‭ ‬اعتبارها‭ ‬التطورات‭ ‬الدولية‭ ‬والبرامج‭ ‬التي‭ ‬تنفذها‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬تفاديًا‭ ‬لفشل‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الأهمية‭ ‬البالغة‭ ‬لنصائح‭ ‬وخبرات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الملحّة‭ ‬للدول‭ ‬النامية،‭ ‬فإن‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬يظل‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬عبر‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬تنموية‭ ‬متوازنة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التصنيع‭ ‬والتنوع‭ ‬الزراعي،‭ ‬وتستند‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬الطاقة‭ ‬ووسائل‭ ‬النقل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعوامل‭ ‬الداعمة‭ ‬للإنتاج‭ ‬مثل‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والتغذية‭. ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الغذاء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مستويات‭ ‬التغذية،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النوع‭ ‬والكم،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬متدنية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستدعي‭ ‬توجيه‭ ‬الجهود‭ ‬أولًا‭ ‬نحو‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬وزيادة‭ ‬المعروض‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية،‭ ‬وتأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬الناشئة‭.‬
وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬تتجه‭ ‬السياسات‭ ‬التنموية‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬الصناعات‭ ‬الاستخراجية‭ ‬لتوفير‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬والوقود‭ ‬اللازمين‭ ‬للصناعات‭ ‬التحويلية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التصدير،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للدولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬الضرورية‭ ‬لتمويل‭ ‬مسارها‭ ‬نحو‭ ‬النهضة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الشاملة‭.‬
تؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬التنموية‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬زيادة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬أمر‭ ‬ممكن،‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬تطبيق‭ ‬حزمة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬والإجراءات‭ ‬المناسبة‭. ‬ويأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تحسين‭ ‬اختيار‭ ‬السلالات‭ ‬النباتية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الأسمدة‭ ‬الملائمة،‭ ‬وتحديث‭ ‬المعدات‭ ‬الزراعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إنشاء‭ ‬الصوامع‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬فاقد‭ ‬المحاصيل،‭ ‬وبناء‭ ‬مخازن‭ ‬التبريد‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الفواكه‭ ‬والخضروات‭. ‬كما‭ ‬تشمل‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬تطوير‭ ‬السلالات‭ ‬الحيوانية‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬التهجين،‭ ‬ومكافحة‭ ‬الأوبئة‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الثروة‭ ‬الحيوانية،‭ ‬والعناية‭ ‬بالغابات،‭ ‬وتحسين‭ ‬أساليب‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬المائية،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الثروة‭ ‬الزراعية‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬التغذية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬
أما‭ ‬النهضة‭ ‬الصناعية،‭ ‬فتتخذ‭ ‬أشكالًا‭ ‬متعددة‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬الموارد‭ ‬المادية‭ ‬المتوافرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد،‭ ‬وحجم‭ ‬السكان‭ ‬ومستوى‭ ‬مهاراتهم‭. ‬فبعض‭ ‬الدول‭ ‬تبدأ‭ ‬مسيرتها‭ ‬الصناعية‭ ‬بتطوير‭ ‬مناجمها،‭ ‬فيما‭ ‬تتجه‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬الصناعات‭ ‬الزراعية‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬المحلية،‭ ‬بينما‭ ‬تركز‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬التي‭ ‬تلبي‭ ‬الاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬للمواطنين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تسعى‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬تصنيع‭ ‬المواد‭ ‬الإنشائية‭. ‬وعلى‭ ‬اختلاف‭ ‬هذه‭ ‬المسارات،‭ ‬تتفق‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬أولوية‭ ‬تحسين‭ ‬شبكات‭ ‬المواصلات‭ ‬وتوفير‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬المحركة‭.‬
ويُعد‭ ‬نقص‭ ‬القوى‭ ‬المحركة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬بخار‭ ‬أو‭ ‬ديزل‭ ‬أو‭ ‬كهرباء،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تعرقل‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭. ‬فرغم‭ ‬امتلاك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬لمصادر‭ ‬الطاقة،‭ ‬فإن‭ ‬محدودية‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬ونقص‭ ‬الخبرات‭ ‬الفنية‭ ‬يحولان‭ ‬دون‭ ‬استغلالها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬ومثمر‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الصناعي‭ ‬بعدة‭ ‬مراحل‭ ‬متتابعة‭.‬

خطة‭ ‬اختيار‭ ‬الصناعات‭ ‬وبرامج‭ ‬التنفيذ

تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭ ‬بإجراء‭ ‬دراسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وهندسية‭ ‬شاملة‭ ‬لتحديد‭ ‬الصناعات‭ ‬الأكثر‭ ‬ملاءمة‭ ‬لكل‭ ‬بلد،‭ ‬وفقاً‭ ‬لتوافر‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والمواد‭ ‬الأولية‭ ‬ومصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والأيدي‭ ‬العاملة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬واتساع‭ ‬أسواق‭ ‬التصريف‭. ‬ثم‭ ‬يُصار‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬الصناعة‭ ‬المختارة‭ ‬بصورة‭ ‬تفصيلية،‭ ‬ووضع‭ ‬برنامج‭ ‬يحدد‭ ‬جدواها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ويبيّن‭ ‬أنسب‭ ‬العمليات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ويحدد‭ ‬المشروعات‭ ‬المكملة‭ ‬لها،‭ ‬مثل‭ ‬توفير‭ ‬الطاقة‭ ‬وشبكات‭ ‬النقل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تقدير‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتسويق‭.‬
وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تمتد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المعونة‭ ‬الفنية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلتي‭ ‬تشييد‭ ‬المنشآت‭ ‬الصناعية‭ ‬وتدريب‭ ‬الكوادر‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬مديرين‭ ‬ومتخصصين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬وتشغيل‭ ‬المصانع‭ ‬بكفاءة‭.‬
ويُنظر‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬المواصلات‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الرئيسة‭ ‬للتقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭. ‬فمعظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تعاني‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬الطرق‭ ‬المؤهلة،‭ ‬وضعفًا‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬النهري‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬المطارات‭ ‬والموانئ‭. ‬ويتطلب‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬خبرات‭ ‬فنية‭ ‬متخصصة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنشاء‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬ممكن‭. ‬ويسهم‭ ‬تحسن‭ ‬المواصلات‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬تدفق‭ ‬الأغذية‭ ‬إلى‭ ‬المدن،‭ ‬وخفض‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬المصنعة‭ ‬في‭ ‬الأرياف،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬وتعزيز‭ ‬التواصل‭ ‬الثقافي‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات‭.‬
ترتكز‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬أو‭ ‬الصناعة،‭ ‬على‭ ‬العامل‭ ‬البشري‭ ‬بوصفه‭ ‬العنصر‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬تنموية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تجنّب‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تلحق‭ ‬بالسكان‭ ‬نتيجة‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬البرامج،‭ ‬إذا‭ ‬أسيء‭ ‬التخطيط‭ ‬لها،‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬استنزاف‭ ‬للقوى‭ ‬العاملة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬دعمها‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬المثال‭ ‬التاريخي‭ ‬للتوسع‭ ‬في‭ ‬الري‭ ‬بالريف‭ ‬المصري‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬لزراعة‭ ‬القطن‭ ‬بغرض‭ ‬التصدير،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬آنذاك‭ ‬إجراءات‭ ‬الوقاية‭ ‬الصحية‭ ‬اللازمة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬أمراض‭ ‬خطيرة‭ ‬مثل‭ ‬البلهارسيا‭ ‬والأنكلستوما‭ ‬بين‭ ‬الفلاحين،‭ ‬وألحق‭ ‬ضررًا‭ ‬بالغًا‭ ‬بالقوى‭ ‬العاملة‭ ‬الريفية‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬الهيئات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الريف‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أصيبوا‭ ‬بطفيليات‭ ‬مختلفة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياته‭.‬
ولا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬صحة‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬الزراعة،‭ ‬إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬المناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬عمالها‭ ‬بصحة‭ ‬جيدة‭ ‬تحقق‭ ‬إنتاجية‭ ‬أعلى‭ ‬للفرد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬الوفيات‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬تقتضي‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬البدء‭ ‬بتنفيذ‭ ‬البرامج‭ ‬الصحية‭ ‬قبل‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬البرامج‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يعقبها‭ ‬وضع‭ ‬برامج‭ ‬متكاملة‭ ‬للتعليم‭ ‬والثقافة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الجهل،‭ ‬مع‭ ‬إيلاء‭ ‬التعليم‭ ‬عناية‭ ‬خاصة‭ ‬بوصفه‭ ‬الأساس‭ ‬المستدام‭ ‬لبناء‭ ‬الإنسان‭ ‬المنتج‭.‬

البحث‭ ‬العلمي‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية

وترتبط‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ارتباطًا‭ ‬وثيقًا‭ ‬بالتقدم‭ ‬الفني،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭. ‬ولهذا‭ ‬تعمد‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬معامل‭ ‬بحثية‭ ‬متخصصة،‭ ‬تُلحق‭ ‬بالجامعات‭ ‬والمعاهد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬أو‭ ‬تُنشأ‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬نفسها،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬تزويدها‭ ‬بالمعدات‭ ‬والأجهزة‭ ‬الحديثة،‭ ‬ووضع‭ ‬برامج‭ ‬بحثية‭ ‬مدروسة‭ ‬بعناية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تمثل‭ ‬المعونة‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الهيئات‭ ‬الدولية‭ ‬للبلدان‭ ‬النامية‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬مراكز‭ ‬البحث‭ ‬من‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تزويد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بأحدث‭ ‬المعارف‭ ‬الفنية‭ ‬والاتجاهات‭ ‬العلمية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬ارتباط‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬بمجريات‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬العالمي‭.‬
ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬تفرز‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬تحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬جوهرية،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬مجتمع‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أوضاع‭ ‬اجتماعية‭ ‬تقليدية‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬المظاهر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬إلا‭ ‬بصورة‭ ‬تدريجية‭. ‬وتخوض‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬فترة‭ ‬انتقالية‭ ‬من‭ ‬اقتصاد‭ ‬زراعي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬مجتمع‭ ‬ريفي‭ ‬محافظ،‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬حضري‭ ‬يتسم‭ ‬بالحركة‭ ‬والتحرر،‭ ‬وهي‭ ‬مرحلة‭ ‬تصاحبها‭ ‬عادة‭ ‬حالات‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬متخصصين‭ ‬اجتماعيين‭ ‬لدراسة‭ ‬العلاقات‭ ‬والتغيرات‭ ‬التي‭ ‬تفرزها‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬توجيهها‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬ترسيخها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬متينة‭ ‬لا‭ ‬تضر‭ ‬بالنسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للأمة‭.‬
ويُعد‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬خطرًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬يهدد‭ ‬بإهدار‭ ‬المكاسب‭ ‬المتوقعة‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فنجاح‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭ ‬مرهون‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬حياة‭ ‬العامل،‭ ‬عبر‭ ‬توفير‭ ‬الغذاء‭ ‬الكافي،‭ ‬والملبس‭ ‬اللائق،‭ ‬والمسكن‭ ‬المناسب،‭ ‬وضمان‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬العمل‭ ‬والبطالة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مكافأة‭ ‬الإتقان‭ ‬والإنتاج‭ ‬الجيد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تؤدي‭ ‬المساعدة‭ ‬الفنية‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الارتقاء‭ ‬بمستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬وتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

رجوع لأعلى