التنمية الاقتصادية بين التخطيط الدولي والواقع الاجتماعي
تخضع الاستجابة لطلبات المعونة الفنية لجملة من الضوابط والمعايير التي تهدف إلى ضمان فاعليتها وتحقيق أهدافها التنموية. وفي مقدمة هذه المعايير التزام الهيئات المشاركة في تنفيذ برامج المعونة بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأسس برنامج المعونة الفنية الموسعة والقرارات المرتبطة به، على أن تسهم هذه المعونة في تنمية الموارد البشرية والمادية، وأن تُوزَّع ثمار هذا النمو توزيعًا عادلًا بين السكان بما ينعكس مباشرة على تحسين مستوى المعيشة.
كما يُشترط أن تُصمَّم مشروعات التنمية المقترحة بما يحقق رفاهية المجتمع، مع التركيز على توفير فرص العمل الكاملة، ومراعاة الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لكل دولة أو إقليم، نظرًا لتأثير هذه العوامل المباشر في مسار التنمية الاقتصادية ونجاحها. ويُضاف إلى ذلك ضرورة ترتيب المشروعات وفق أولويات واحتياجات الدول النامية، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل لهذه المشروعات.
ويُعد الاستقلال السياسي شرطاً أساسياً لاستفادة الدول من برامج المعونة الفنية التي تقدمها الأمم المتحدة، وفق ما نص عليه قرار الجمعية العامة رقم (100) في دورتها الثالثة. ولا يمكن لأي دولة أن تجني ثمار التنمية على أسس سليمة ما لم تعتمد برنامجًا تنمويًا متوازنًا، يراعي مختلف عناصر الاقتصاد الوطني، ويستند إلى موارد البلاد وإمكاناتها الحقيقية، مع إعطاء الأولوية للمشروعات الأكثر إلحاحاً وتأثيراً.
وفي هذا السياق، تتصدر مساعدة الدول على تحديد احتياجاتها وصياغة برامجها التنموية مهام الوكالات المتخصصة المشرفة على تنفيذ برامج المعونة الفنية. كما يفرض تشابك المصالح الدولية وترابط اقتصادات الدول ضرورة أن تضع الحكومات، عند إعداد مشروعات التنمية، في اعتبارها التطورات الدولية والبرامج التي تنفذها الدول الأخرى، تفاديًا لفشل هذه المشروعات، لا سيما تلك المرتبطة بالتجارة الدولية، وهو ما يفسر الأهمية البالغة لنصائح وخبرات الأمم المتحدة في هذا المجال.
وعلى الرغم من تعدد الاحتياجات الملحّة للدول النامية، فإن الهدف الأساسي يظل التوسع في الإنتاج عبر تنفيذ برامج تنموية متوازنة تجمع بين التصنيع والتنوع الزراعي، وتستند إلى توفير الطاقة ووسائل النقل، إلى جانب الاهتمام بالعوامل الداعمة للإنتاج مثل الصحة والتعليم والتغذية. فرغم أن نسبة كبيرة من سكان الدول النامية تعمل في إنتاج الغذاء، إلا أن مستويات التغذية، من حيث النوع والكم، ما تزال متدنية، الأمر الذي يستدعي توجيه الجهود أولًا نحو تحسين الإنتاج الزراعي وزيادة المعروض الغذائي في المناطق الريفية، وتأمين احتياجات العاملين في الصناعات الناشئة.
وبعد ذلك، تتجه السياسات التنموية إلى تطوير الصناعات الاستخراجية لتوفير المواد الخام والوقود اللازمين للصناعات التحويلية، وصولًا إلى التوسع في التصدير، بما يتيح للدولة الحصول على الموارد المالية الضرورية لتمويل مسارها نحو النهضة الاقتصادية الشاملة.
تؤكد التجارب التنموية أن تحقيق زيادة جوهرية في الإنتاج الزراعي أمر ممكن، متى ما جرى تطبيق حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات المناسبة. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تحسين اختيار السلالات النباتية، وتوفير الأسمدة الملائمة، وتحديث المعدات الزراعية، إلى جانب إنشاء الصوامع للحد من فاقد المحاصيل، وبناء مخازن التبريد للحفاظ على الفواكه والخضروات. كما تشمل هذه الجهود تطوير السلالات الحيوانية عبر برامج التهجين، ومكافحة الأوبئة التي تصيب الثروة الحيوانية، والعناية بالغابات، وتحسين أساليب استغلال الموارد المائية، بما يسهم في تعزيز الثروة الزراعية ورفع مستوى التغذية في البلاد.
أما النهضة الصناعية، فتتخذ أشكالًا متعددة تختلف باختلاف طبيعة الموارد المادية المتوافرة في كل بلد، وحجم السكان ومستوى مهاراتهم. فبعض الدول تبدأ مسيرتها الصناعية بتطوير مناجمها، فيما تتجه دول أخرى إلى إنشاء الصناعات الزراعية والاستفادة من المعادن المحلية، بينما تركز بعض البلدان على إنتاج السلع التي تلبي الاستهلاك اليومي للمواطنين، في حين تسعى بلدان أخرى إلى تصنيع المواد الإنشائية. وعلى اختلاف هذه المسارات، تتفق الدول النامية على أولوية تحسين شبكات المواصلات وتوفير مصادر الطاقة المحركة.
ويُعد نقص القوى المحركة، سواء في صورة بخار أو ديزل أو كهرباء، من أبرز العقبات التي تعرقل التقدم الاقتصادي في معظم مناطق العالم. فرغم امتلاك العديد من الدول لمصادر الطاقة، فإن محدودية رؤوس الأموال ونقص الخبرات الفنية يحولان دون استغلالها على نطاق واسع ومثمر داخل الاقتصاد الوطني. ومن هنا، غالبًا ما تمر المعونة الفنية في المجال الصناعي بعدة مراحل متتابعة.
خطة اختيار الصناعات وبرامج التنفيذ
تبدأ هذه المراحل بإجراء دراسات اقتصادية وهندسية شاملة لتحديد الصناعات الأكثر ملاءمة لكل بلد، وفقاً لتوافر الموارد الطبيعية والمواد الأولية ومصادر الطاقة ورؤوس الأموال والأيدي العاملة، فضلًا عن حجم واتساع أسواق التصريف. ثم يُصار إلى دراسة الصناعة المختارة بصورة تفصيلية، ووضع برنامج يحدد جدواها الاقتصادية، ويبيّن أنسب العمليات الإنتاجية، ويحدد المشروعات المكملة لها، مثل توفير الطاقة وشبكات النقل، إلى جانب تقدير تكاليف الإنتاج والتسويق.
وفي المرحلة الأخيرة، تمتد الحاجة إلى المعونة الفنية إلى مرحلتي تشييد المنشآت الصناعية وتدريب الكوادر الوطنية من مديرين ومتخصصين على إدارة وتشغيل المصانع بكفاءة.
ويُنظر إلى تطوير المواصلات بوصفه أحد المفاتيح الرئيسة للتقدم الاقتصادي في العديد من مناطق العالم. فمعظم الدول النامية تعاني نقصًا في الطرق المؤهلة، وضعفًا في شبكات النقل النهري والسكك الحديدية، فضلًا عن محدودية المطارات والموانئ. ويتطلب تجاوز هذه التحديات، إلى جانب توفير رؤوس الأموال، خبرات فنية متخصصة تساعد على خفض تكاليف الإنشاء إلى أدنى مستوى ممكن. ويسهم تحسن المواصلات في زيادة تدفق الأغذية إلى المدن، وخفض أسعار السلع المصنعة في الأرياف، فضلًا عن دوره في نشر الأفكار الجديدة وتعزيز التواصل الثقافي بين المجتمعات.
ترتكز زيادة الإنتاج، سواء في الزراعة أو الصناعة، على العامل البشري بوصفه العنصر الحاسم في أي عملية تنموية. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تجنّب الأضرار التي قد تلحق بالسكان نتيجة تنفيذ برامج التنمية، إذ قد تتحول هذه البرامج، إذا أسيء التخطيط لها، إلى عامل استنزاف للقوى العاملة بدلًا من دعمها. ويبرز في هذا السياق المثال التاريخي للتوسع في الري بالريف المصري منذ منتصف القرن التاسع عشر لزراعة القطن بغرض التصدير، حيث لم تُتخذ آنذاك إجراءات الوقاية الصحية اللازمة، ما أدى إلى انتشار أمراض خطيرة مثل البلهارسيا والأنكلستوما بين الفلاحين، وألحق ضررًا بالغًا بالقوى العاملة الريفية. وتشير تقديرات الهيئات الدولية إلى أن ما يقارب 90% من سكان الريف في الشرق الأوسط أصيبوا بطفيليات مختلفة، الأمر الذي أسهم في خفض الإنتاج إلى أدنى مستوياته.
ولا تقل أهمية صحة العامل في القطاع الصناعي عنها في الزراعة، إذ تُظهر التجربة أن المناطق الصناعية التي يتمتع عمالها بصحة جيدة تحقق إنتاجية أعلى للفرد، إلى جانب انخفاض معدلات الوفيات بشكل ملحوظ. ومن ثم، تقتضي متطلبات التنمية البدء بتنفيذ البرامج الصحية قبل الشروع في تطبيق البرامج الاقتصادية، يعقبها وضع برامج متكاملة للتعليم والثقافة، ذلك أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم في بيئة يغلب عليها الجهل، مع إيلاء التعليم عناية خاصة بوصفه الأساس المستدام لبناء الإنسان المنتج.
البحث العلمي ودوره في دعم التنمية
وترتبط التنمية الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالتقدم الفني، الذي يقوم في جوهره على البحث العلمي. ولهذا تعمد الدول إلى إنشاء معامل بحثية متخصصة، تُلحق بالجامعات والمعاهد والمؤسسات الحكومية ذات الصلة، أو تُنشأ ضمن هذه الجهات نفسها، مع ضرورة تزويدها بالمعدات والأجهزة الحديثة، ووضع برامج بحثية مدروسة بعناية. وفي هذا الإطار، تمثل المعونة التي تقدمها الهيئات الدولية للبلدان النامية قيمة كبيرة، إذ تسهم في تمكين مراكز البحث من أداء دورها في دعم التنمية، فضلًا عن تزويد هذه الدول بأحدث المعارف الفنية والاتجاهات العلمية، بما يضمن ارتباط القائمين على تنفيذ مشروعات التنمية بمجريات البحث العلمي العالمي.
ومن جهة أخرى، تفرز التحولات العميقة في البنية الاقتصادية لأي دولة تحديات اجتماعية جوهرية، إذ لا يستطيع مجتمع يعيش في ظل أوضاع اجتماعية تقليدية أن يستوعب المظاهر الاقتصادية الحديثة إلا بصورة تدريجية. وتخوض الشعوب في هذه المرحلة فترة انتقالية من اقتصاد زراعي قائم على مجتمع ريفي محافظ، إلى اقتصاد حضري يتسم بالحركة والتحرر، وهي مرحلة تصاحبها عادة حالات من القلق الاجتماعي قد تؤثر في استقرار الأسرة والمجتمع. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى متخصصين اجتماعيين لدراسة العلاقات والتغيرات التي تفرزها التنمية الاقتصادية، والعمل على توجيهها بما يضمن ترسيخها على أسس متينة لا تضر بالنسيج الاجتماعي للأمة.
ويُعد الإخفاق في رفع مستوى المعيشة خطرًا حقيقيًا يهدد بإهدار المكاسب المتوقعة من التنمية الاقتصادية. فنجاح أي مشروع تنموي مرهون بقدرته على تحسين حياة العامل، عبر توفير الغذاء الكافي، والملبس اللائق، والمسكن المناسب، وضمان الحماية من مخاطر العمل والبطالة، إلى جانب مكافأة الإتقان والإنتاج الجيد. وفي هذا الإطار، تؤدي المساعدة الفنية دورًا محوريًا في دعم السياسات التي تستهدف الارتقاء بمستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية.