تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬هيكل‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحديات‭ ‬الواقع

TY46

تُعدّ‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الرئيسة‭ ‬لارتقاء‭ ‬الدول‭ ‬وتحسين‭ ‬أوضاعها‭ ‬المعيشية،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬وتطوير‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والاستدامة‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬التنمية‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الأرقام‭ ‬والمؤشرات،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متينة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭.‬
وتتجلى‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬النهوض‭ ‬بقطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬عبر‭ ‬تحديث‭ ‬المصانع،‭ ‬واعتماد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتوفير‭ ‬مواد‭ ‬خام‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬عالية،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتعزيز‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬كما‭ ‬تشمل‭ ‬تنمية‭ ‬قطاع‭ ‬التجارة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬وتنظيم‭ ‬حركة‭ ‬التبادل،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي‭ ‬أو‭ ‬الخارجي،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬انسيابية‭ ‬السلع‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسواق‭.‬
ولا‭ ‬يقل‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬التنمية،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬تطويره‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬استغلال‭ ‬المساحات‭ ‬الخضراء،‭ ‬وتحديث‭ ‬أساليب‭ ‬الاستصلاح‭ ‬الزراعي،‭ ‬وتحسين‭ ‬تقنيات‭ ‬الري‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويحقق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭. ‬كذلك‭ ‬يُعد‭ ‬تطوير‭ ‬قطاع‭ ‬النقل‭ ‬والمواصلات،‭ ‬عبر‭ ‬إنشاء‭ ‬وتحديث‭ ‬شبكات‭ ‬الطرق‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬عاملاً‭ ‬حيوياً‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬والأفراد‭ ‬ودعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭.‬
وفي‭ ‬مفهومها‭ ‬الأشمل،‭ ‬تمثل‭ ‬التنمية‭ ‬عملية‭ ‬مستدامة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الارتقاء‭ ‬بالمجتمع‭ ‬ككل،‭ ‬ودفع‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬نحو‭ ‬مستوى‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭. ‬فهي‭ ‬تعني‭ ‬تقدم‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬أساليب‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج،‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات‭ ‬والطاقات‭ ‬البشرية،‭ ‬وبناء‭ ‬تنظيمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وإدارية‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬بوصفها‭ ‬مفهوماً‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬الناتج‭ ‬أو‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬إحداث‭ ‬تغييرات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬نفسه‭.‬
ويستلزم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وهو‭ ‬المفهوم‭ ‬الذي‭ ‬يتبناه‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬حيث‭ ‬يتناول‭ ‬في‭ ‬بدايته‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعيق‭ ‬مسار‭ ‬التنمية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬دور‭ ‬المساعدات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تتلقاها‭ ‬الدول،‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬إنجاح‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬أو‭ ‬تعثرها‭.‬

معوقات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية

تعتمد‭ ‬اقتصادات‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬كبير،‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬رهينة‭ ‬للطلب‭ ‬الخارجي‭ ‬وتقلباته‭. ‬ففي‭ ‬حال‭ ‬تراجع‭ ‬هذا‭ ‬الطلب‭ ‬أو‭ ‬توقفه،‭ ‬يتعرض‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬لحالات‭ ‬من‭ ‬الركود‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬المرافق‭ ‬العامة،‭ ‬مهددة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدورية‭ ‬تكون‭ ‬أشد‭ ‬وقعًا‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬انخفاضات‭ ‬حادة‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬مرونة‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬تراجع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬حصيلة‭ ‬الصادرات‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬زيادتها،‭ ‬ما‭ ‬يفاقم‭ ‬الاختلالات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المستوردة‭ ‬ينعكس‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬مشترياتها‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالسلع‭ ‬الصناعية‭ ‬تامة‭ ‬الصنع‭.‬
وقد‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬للمواد‭ ‬الأولية‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬جدياً‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬مواردها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬التصنيع‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬واحد‭. ‬وقد‭ ‬عززت‭ ‬أحداث‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬بعدما‭ ‬عانت‭ ‬الدول‭ ‬الزراعية‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬حادة‭ ‬نتيجة‭ ‬حرمانها‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية‭. ‬وكشفت‭ ‬الدراسات‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬مقلق،‭ ‬إذ‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬معيشية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لسدّ‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية‭.‬
تتمثل‭ ‬الإشكالية‭ ‬الجوهرية‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬القومي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬أساساً‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬متوسط‭ ‬إنتاجية‭ ‬الفرد،‭ ‬بما‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬تحديث‭ ‬المعدات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أو‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالخبرات‭ ‬الفنية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬جوهر‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بمختلف‭ ‬أدواتها‭ ‬ووسائلها‭.‬
فتحسين‭ ‬المستوى‭ ‬الصحي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬العمال،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يسهم‭ ‬انتشار‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتأخرة‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الآلات‭ ‬والمعدات‭ ‬المعقدة،‭ ‬وبث‭ ‬روح‭ ‬الابتكار‭ ‬وصقل‭ ‬المواهب‭ ‬الكامنة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬توفير‭ ‬السكن‭ ‬الملائم‭ ‬يخفف‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬على‭ ‬العمال‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬المعدية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭. ‬وعلى‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يؤدي‭ ‬الجمود‭ ‬في‭ ‬النظم‭ ‬الطبقية،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية،‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعزز‭ ‬استقرار‭ ‬الأمن‭ ‬والنظام‭ ‬توجه‭ ‬الأفراد‭ ‬نحو‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬المشروعات‭ ‬المختلفة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تعتقد‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعية‭ ‬راسخة‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬نموذج‭ ‬التصنيع‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬كفيل‭ ‬بتحقيق‭ ‬نهضة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مماثلة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تسندها‭ ‬الوقائع‭ ‬الاقتصادية‭. ‬فالتصنيع‭ ‬ليس‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬التنمية،‭ ‬ولا‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تجاوزت‭ ‬إنتاجية‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬إنتاجيته‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الأولية،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتطلب‭ ‬توافر‭ ‬شروط‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي،‭ ‬وحسن‭ ‬الإدارة،‭ ‬وكفاءة‭ ‬منظومتي‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭.‬
وحتى‭ ‬مع‭ ‬توافر‭ ‬هذه‭ ‬الشروط،‭ ‬تبقى‭ ‬عملية‭ ‬تحويل‭ ‬العمالة‭ ‬من‭ ‬الزراعة‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالصعوبات،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬العمال‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الجديدة‭ ‬أو‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬الأعمال‭ ‬الصناعية‭ ‬المختلفة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬تبدو‭ ‬أقل‭ ‬حدة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬كثيفة‭ ‬السكان،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬نقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬الزراعية‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بالزراعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬المقنّعة،‭ ‬ويحقق‭ ‬فائدة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬محدوداً،‭ ‬لأنه‭ ‬يبقى‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬تعطّل‭ ‬الطاقات‭ ‬البشرية‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬سلبية‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تتطلب،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تتطلب‭ ‬ضخ‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬ضخمة‭. ‬فتحسين‭ ‬الأوضاع‭ ‬الصحية‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الأوبئة‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬القوى‭ ‬العاملة،‭ ‬على‭ ‬أهميتهما،‭ ‬لا‭ ‬يستلزمان‭ ‬بالضرورة‭ ‬إنفاقًا‭ ‬ماليًا‭ ‬هائلًا،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاجان‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬فعالة‭ ‬للموارد‭ ‬المتاحة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬توفير‭ ‬الأدوية‭ ‬أو‭ ‬تدريب‭ ‬الكوادر‭ ‬الطبية‭ ‬أو‭ ‬إنشاء‭ ‬المراكز‭ ‬الصحية،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭.‬
وعند‭ ‬توجيه‭ ‬الاهتمام‭ ‬نحو‭ ‬الزراعة،‭ ‬تتبدى‭ ‬طبيعة‭ ‬مختلفة‭ ‬لوسائل‭ ‬التنمية،‭ ‬إذ‭ ‬تكمن‭ ‬معوقات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الملكية‭ ‬والاستئجار،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬جهود‭ ‬تنموية‭ ‬غير‭ ‬مجدية‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُقترن‭ ‬بإصلاحات‭ ‬جذرية‭ ‬لهذه‭ ‬النظم‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬تحسين‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬السكان‭ ‬الريفيين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعديل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الملكية‭ ‬الزراعية‭. ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬أخرى،‭ ‬قد‭ ‬تقتصر‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬تغييرات‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الزراعية،‭ ‬كاستبدال‭ ‬محصول‭ ‬بآخر‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬مناسب،‭ ‬أو‭ ‬إراحة‭ ‬الأرض‭ ‬لفترة،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬زراعية‭ ‬ملائمة‭ ‬لطبيعة‭ ‬التربة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تحسين‭ ‬أساليب‭ ‬الري،‭ ‬وإنشاء‭ ‬الأسواق‭ ‬وشبكات‭ ‬الطرق‭ ‬والصوامع‭.‬
وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬تظل‭ ‬طبيعة‭ ‬الأرض‭ ‬والظروف‭ ‬المناخية‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬وتحديد‭ ‬اتجاهاتها‭ ‬وحدودها‭.‬
ويختلف‭ ‬المشهد‭ ‬عند‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إنشاء‭ ‬أي‭ ‬نشاط‭ ‬صناعي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ممكنًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الشكلية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ضخ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬صناعات‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬لها‭ ‬الشروط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الملائمة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬فشل‭ ‬ذريع‭. ‬فقد‭ ‬بات‭ ‬قيام‭ ‬الصناعات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الثقيلة‭ ‬منها،‭ ‬مرهوناً‭ ‬بتوافر‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬مثل‭ ‬الحديد‭ ‬والفحم،‭ ‬وبكلفة‭ ‬النقل‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬عاملًا‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬التصنيع‭. ‬وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭ ‬مجالات‭ ‬كالحديد‭ ‬والصلب،‭ ‬وصناعة‭ ‬الآلات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬وتكرير‭ ‬النفط،‭ ‬وصناعة‭ ‬السكر‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صناعة‭ ‬الحديد‭ ‬وحدها‭ ‬تتطلب‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬ألف‭ ‬وألفي‭ ‬طن‭ ‬سنوياً‭ ‬لكل‭ ‬عامل،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحتاج‭ ‬صناعات‭ ‬أخرى،‭ ‬كالدقيق‭ ‬والسمن‭ ‬وتكرير‭ ‬السكر،‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مئتي‭ ‬وخمسمائة‭ ‬طن‭ ‬سنويًا‭ ‬للفرد‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬البالغة‭ ‬لتوافر‭ ‬هذه‭ ‬الموارد،‭ ‬فإن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تولي‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً‭ ‬بإقامة‭ ‬صناعات‭ ‬الحديد‭ ‬والصلب،‭ ‬إدراكًا‭ ‬منها‭ ‬لدورها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وتعزيز‭ ‬استقلاله‭ ‬الصناعي‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬اشتراط‭ ‬توافر‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬حصر‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الزراعي‭ ‬وحده،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬الصناعات‭ ‬الخفيفة،‭ ‬وأن‭ ‬تستقطب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والخبرات‭ ‬من‭ ‬الخارج‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نتائج‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬وقتاً‭ ‬وصبراً‭ ‬حتى‭ ‬تؤتي‭ ‬ثمارها‭ ‬المرجوة‭.‬
وفي‭ ‬خضم‭ ‬سعي‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬تبرز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬إجمالها‭ ‬في‭ ‬أربع‭ ‬قضايا‭ ‬رئيسية‭: ‬تهيئة‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي،‭ ‬وضمان‭ ‬توافر‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتأمين‭ ‬الغذاء،‭ ‬وتوفير‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية‭.‬

مشكلة‭ ‬تهيئة‭ ‬الادخار‭ ‬القومي

يُعد‭ ‬ضعف‭ ‬المدخرات‭ ‬القومية‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬مسارها‭ ‬التنموي،‭ ‬إذ‭ ‬تسعى‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الاستثمار‭ ‬بوصفه‭ ‬الأداة‭ ‬الأسرع‭ ‬لتسريع‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬الموارد‭ ‬الحقيقية‭ ‬المخصصة‭ ‬للاستثمار‭ ‬تمثل‭ ‬الهدف‭ ‬المركزي‭ ‬لسياسات‭ ‬التنمية،‭ ‬لأن‭ ‬قصور‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية‭ ‬عن‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المطلوبة‭ ‬يفرض‭ ‬إما‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية،‭ ‬أو‭ ‬القبول‭ ‬بأهداف‭ ‬تنموية‭ ‬محدودة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬الإمكانات‭ ‬المتاحة‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬حجم‭ ‬الادخار‭ ‬القومي‭ ‬معياراً‭ ‬أساسياً‭ ‬عند‭ ‬تقييم‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬خططها‭ ‬التنموية،‭ ‬كما‭ ‬يشكل‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬مدى‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬التنمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬العملية‭ ‬أثبتت‭ ‬إخفاق‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بهدف‭ ‬رفع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار،‭ ‬إذ‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬الحل‭ ‬المنشود‭ ‬لمشكلة‭ ‬تمويل‭ ‬التنمية‭.‬
فالعلاج‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬العام‭ ‬بعد‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحلي،‭ ‬إذ‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الفائض‭ ‬رصيد‭ ‬المدخرات‭ ‬القابلة‭ ‬للتوظيف‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يظل‭ ‬صعباً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الزيادة‭ ‬السكانية‭ ‬التي‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬2‭ ‬و3‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬سنويًا،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬عبئًا‭ ‬مزدوجًا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬استهلاك‭ ‬الفرد‭ ‬عند‭ ‬حدٍّ‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بكرامته‭ ‬المادية‭ ‬والمعنوية‭.‬
وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬تثبيت‭ ‬مستويات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬قضية‭ ‬التنمية،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭ ‬حافزًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للعمل‭ ‬وبذل‭ ‬الجهد‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنتاج‭. ‬فمن‭ ‬الصعب،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬إقناع‭ ‬الفلاح‭ ‬بتبني‭ ‬أساليب‭ ‬زراعية‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وبذل‭ ‬جهد‭ ‬إضافي‭ ‬لتحسين‭ ‬إنتاجية‭ ‬الأرض،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يلمس‭ ‬مردوداً‭ ‬مباشراً‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬دخله‭. ‬والأمر‭ ‬ذاته‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬العمال‭ ‬والفنيين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬إذ‭ ‬يصعب‭ ‬تحقيق‭ ‬الالتزام‭ ‬والجودة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬دون‭ ‬تحسن‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬الحقيقية‭ ‬ومستوى‭ ‬المعيشة‭.‬

رجوع لأعلى